إن المتتبع لأطوار محاكمة الأستاذة ندية ياسين يصاب بالحيرة والاستغراب ولا يعثر على منطق ولا بيان، فالمحاكمة بين النصب والرفع لأسباب غير معلنة وآجال غير محددة. فالمنطق القانوني والقضائي لا يسعف في حل لغز هذه القضية لأن خيوطها بيد الساسة، وإن عرضت فصولها في مسرح القضاء، فالمحاكمة محاكمة سياسية بامتياز تسير وفق “منطق” المخزن إن افترضنا أن للمخزن منطقا وللسياسة المخزنية منهجا، ولا تسير وفق المساطر القانونية ومبادئ المحاكمة العادلة.

المتابعة والرهانات المخزنية بعد التصريح الذي أدلت به الأستاذة ندية لجريدة “الأسبوعية الجديدة” حول وضعية المغرب وطبيعة النظام الملكي، أقدمت السلطات المغربية على تحريك المتابعة في حقها. ولا شك أن الهدف من هذه المتابعة هو تقليم أظافر الصحافة والنيل من الأستاذة ياسين التي “تتمادى” في تصريحاتها المزعجة” بالنسبة للمخزن، واللعب بورقة المحاكمة لتهديد جماعة العدل والإحسان والضغط عليها.

رهان التراجع غير أن مجريات التحقيق مع الأستاذة ندية والأستاذ فتح الله أرسلان تفيد أن السلطة راهنت على قضايا غير أنها خسرت الرهان. فطبيعة الأسئلة الموجهة إلى ندية في التحقيق ركزت على دفعها إلى التبرؤ مما ورد في التصريح ونسبه إلى صحفي الجريدة، وهذا الرهان عضده في حسابات المخزن المعلومات الاستخباراتية نتيجة التنصت والتي تفيد أن الأستاذة ندية غاضبة من الصحفي الذي أجرى الحوار. ففهم من غضبة ندية ندم أو تراجع على ما ورد في التصريح ، وبالتالي تحريك الدعوة ضدها سيدفعها إلى التملص منه ، وإلقاء اللوم على الصحفي.

هذا الرهان أرادت السلطة من خلاله ضرب عصفورين بحجر واحد، فالنفي يعني إثبات العكس بكل أبعاده وتكسير معارضة، ممثلة في جماعة العدل والإحسان، من خلال أحد رموزها المزعجين خاصة إذا كان هذا الرمز كريمة الأستاذ عبد السلام ياسين صاحب “الإسلام أو الطوفان” و”رسالة القرن” و”المذكرة”، فالرهان رهان استراتيجي والمكسب مكسب تاريخي. أما الربح الثاني فهو الاستفراد بالصحيفة والصحفيين من أجل التأديب في إطار سياسة إعادة الهيبة للنظام بدون تبعات سياسية ، ولا خسائر في البورصة الحقوقية.

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فغضبة ندية على الصحافي هي غضبة من أجل المبدإ ، ومن أجل احترام أخلاقيات المهنة التي تفرض على الصحافي احترام ما قطعه على نفسه من عهود إزاء المحاور، وليست غضبة نتيجة ندم عقب صحوة بعد سهو يفرض التراجع عما قيل في حالة سهو أو زهو أو لا وعي. بل للكلمة مسؤولية بالنسبة لمن تربى في محاضن الإيمان، وتتلمذ أمام منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: “وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم”، فالمؤمن لا يطلق الكلام على عواهنه، لأنه يخاف أن يحاسب عليه أمام الله سبحانه وتعالى، قبل أن يحاسب عليه أمام العباد، الذين لا يملكون حولا ولا قوة.

فإقرار الأستاذة ندية بما ورد في التصريح وإصرارها عليه ورفض تحميل المسؤولية للصحفيين، كما اعتاد المخزن من البعض عندما يستيقظون من “غفلتهم” وتواجههم نظرات الحنق من أعين المخزن” المحمرة”، جعل السلطة تخسر هذا الرهان بامتياز.

رهان التنازع خسارة الرهان الأول سيدفع بالسلطة “للعب على حبل” آخر طمعا في كسب الرهان الثاني، فالإشاعات تفيد أن هناك نزاعا داخل بيت العدل والإحسان تارة تسميه صراع الصقور والحمائم، وتارة تسميه صراع القيادات التاريخية والشباب، وتارة تتحدث عن صراع الأستاذة ندية ياسين وبعض قيادات الجماعة على رأسهم الأستاذ فتح الله أرسلان، الذين ضاقوا ذرعا بمبادراتها ونجوميتها على حد زعمهم. فما أدلت به الأستاذة ندية قد يعتبر لدى خصومها زلة لسان وخروجا عن خط الجماعة وزجا بالجماعة في معارك غير مدروسة، وقد يوظف هذا الخطأ كورقة رابحة لصالحهم، وبالتالي تحريك الدعوة هي فرصة لتفجير هذا الصراع ،وجعل الجماعة في موقف حرج، إما أن تتبرأ من ندية تقديما لمصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، فيستفرد المخزن بها، وإما أن تتبنى طروحاتها فيأخذون الجميع بالمضامين التي حملوها لتلك الطروحات. وإما أن تتنازع بين مناصر ومشايع وبين متحفظ ومعارض فتذهب بذلك ريح الجماعة.

وفي هذا السياق تم استدعاء الأستاذ فتح الله أرسلان للتحقيق معه، وتمركزت الأسئلة حول موقفه من تصريحات ندية وموقف الجماعة من مضامينها، ودام هذا التحقيق ست ساعات غير أنهم أصيبوا بخيبة أمل أمام إصرار الأستاذ فتح الله أرسلان على التضامن الكلي وغير المشروط مع الأستاذة ندية، وتأكيده لتصريحاته التضامنية الواردة في الصحف. وبعد تحريك الدعوة ازدادت الخيبة حيث هب أبناء الجماعة قيادات وأعضاء للكتابة يصرحون للمنابر الإعلامية معبرين عن مواقفهم المساندة والمدافعة عن الأستاذة ندية وعن حرية التعبير والصحافة، وكانت ثالثة الأثافي التي قطعت دابر الرهان وأصابت أصحابه بالخيبة والخسران هي الحضور الجماعي لأعضاء مجلس الإرشاد والأمانة العامة، يسبقون الأستاذة ندية ويستقبلونها أمام باب المحكمة صحبة الآلاف من أعضاء الجماعة، مناصرين ومتضامنين ومجسدين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم”مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

انقلب السحر على الساحر وبدل أن يفجر تحريك الدعوة الصراع الوهمي فجر العواطف والمشاعر، فكانت سببا في تقوية الأخوة والمحبة والولاء داخل الصف مما زاده قوة والتحاما ونورا في الأرض وسموا وعظمة وقربا من المولى عز وجل في السماء.

وإذا الكل صقور على من ظلم واعتدى وحمائم لمن سالم واهتدى، والكل شيوخ حكمة وعقل، وشباب فتوة وروح، والكل ندية والكل عمرو مادام في السرب محبا ومقتحما. فالكل يرتوي من منبع واحد والكل يسير وفق منهاج واحد، وإن اختلفوا فالنواظم الثلاث، بفضل رحمة الله سبحانه وتعالى هي العاصم والملجأ.

أمريكا على الخط أثير الحديث حول التدخل الأمريكي في ملف الأستاذة ندية خلال مرحلتين، مرحلة التصريح وما واكبه من حملة إعلامية منظمة ومرحلة تعليق المحاكمة إلى أجل غير مسمى.

إن حجم الحملة التي شنت على تصريح الأستاذة ندية ياسين ساهم فيه بشكل كبير عاملان اثنان.العامل الأول مرتبط بالتبعية المخزنية، والتي قاعدتها” إما أن تكون مع المخزن أو ضده”، فالتبعية تقتضي أن يصطف الجميع للهجوم عند الإشارة على من نعتوا أنهم خارج الإجماع ، وضد المصلحة الوطنية والاستقرار. فالهجوم وانتقاد تصريح ندية هو محطة للتنافس في إبراز حجم الولاء وحيازة صك البراءة والغفران، من هنا كان ذلك السيل من الكتابات، فتجد أقواما ملكيين أكثر من الملك، ولم يتخلف أحد إلا من فك الارتباط بالمخزن وصنف في عداد المغضوب عليهم.

في ضيافة أمريكا العامل الثاني هو توهم الكثير أن تصريح ندية يأتي في إطار مخطط وراءه أمريكا. فمضامين التصريح لم تأت بجديد فقد سبق للأستاذة ندية أن أعلنت عن تلك المواقف في تصريحات سابقة، ولم تواجه بنفس الحدة التي ووجه بها التصريح المدلى به بعد الرجوع من الديار الأمريكية.

لكن بتتبع مجريات الأمور ندرك أسباب الحملة والهلع الذي واكبها. فالجهات المتنفذة في هذا البلد هي أكثر إدراكا لحقيقة ما صرحت به الأخت ندية، فهم أدرى بحقيقة هشاشة الوضع وحجم الأزمة منا، فهم يطلعون عليها من خلال مصادرها وأصولها، أما نحن فنحكم عليها فقط من خلال مظاهرها وتجلياتها، وبذلك هم أكثر ترقبا للانهيار من بعضنا، فنحن نترقبه تصديقا بالغيب ومعاينة لظواهر الأمور أما هم فيترقبونه، لأنهم يرونه رأي العين، فيجحدون به وتوقنه أنفسهم ظلما وعلوا. لكن الذي يطمئنهم على مغانمهم وكراسيهم أن الكل دخل تحت عباءة المخزن ورضي بما جاد عليه، أما القوة المؤهلة للفعل فلا تحظى بدعم خارجي ولا سند أجنبي وإن حظيت بامتداد شعبي. لكن التحولات الدولية وتغير مواقف القوى العالمية خاصة أمريكا ودعوتها للإصلاح وتصريحات خارجيتها بقبول حكومات إسلامية أذهب ما كان يطمئن بالاستمرار والاستقرار.

إذا استحضرنا هذه الوضعية فكيف يكون رد فعل أصحابها إزاء حديث جماعة تعد من أكبر القوى المعارضة في المغرب، عن رؤى 2006 التي تبشر بتحول سيعرفه المغرب خلال سنة 2006 ،وذهاب أحد الوجوه القيادية منها وهي كريمة الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد الجماعة إلى أمريكا بدعوة من مؤسسات أمريكية قبل 2006، وخروجها مباشرة بعد العودة بتلك التصريحات الجريئة والشاملة؟.

إن الحملة التي شنت على تصريح الأستاذة ندية تبرز حجم الصدمة والزلزال الذي أصاب أعوان المخزن فأفقدهم الصواب وأسقط عنهم القناع، فأذهلوا عما رضعوا ومن أرضعوا، ووضعت كل حاملة منهم حملها من الإيديولوجيات والنظريات، فأصبح الديمقراطي يناصر الاستبداد، والحقوقي يدافع عن الحق في تكميم الأفواه، والعلماني يدعو إلى الجمع بين الدين والدولة على الطريقة المخزنية. إنه الهلع والخوف الذي يجعل الغارق يتشبث ولو بقشة.

أمريكا تضغط أما المرحلة الثانية التي أدخلت فيها أمريكا على الخط ، هي عقب تعليق المحاكمة حيث تسربت أخبار تداولتها الصحف تتحدث عن زيارة السفير الأمريكي إلى وزارة العدل وعن ضغطه من أجل توقيف المحاكمة. وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة المشروعة: من سرب الخبر إلى وسائل الإعلام إن كان صحيحا؟ ولمصلحة من سرٌب؟ هل لمصلحة أمريكا حتى تحسب لها أيادي بيضاء على الجماعة؟ أم لمصلحة خصوم الجماعة حتى تثبت المؤامرة والعمالة لأمريكا؟ وهل لوزير العدل السلطة وكلمة الفصل في ملف ندية حتى تتجه إليه أمريكا أم كلمة الفصل بيد أسياده؟ أم أن أمريكا تجهل كيف تسير الأمور بالمغرب؟ ولماذا حرك الملف من جديد إذا كانت أمريكا قد ضغطت ؟هل هو تحول في الموقف الأمريكي؟ أم هو تمرد مخزني على التوجيهات الأمريكية؟ وهل يمكن للمغرب أن يرفض لأمريكا طلبا فضلا عن أن يتمرد على أوامرها، وهو الذي تخلف سفيره صحبة السفير الأردني فقط عن اللقاء الذي دعت إليه حماس في موسكو سفراء الدول الإسلامية خشية الغضبة الأمريكية؟

قد يكون لأمريكا وجهة نظر وآليات في التعاطي مع الملف، وقد يكون في تعليق المحاكمة فرصة لخصوم الجماعة للاصطياد في الماء العكر، لكن لا يمكن استبعاد الحرج والإكراهات التي سببها ملف ندية للسلطة وخياراتها الاستراتيجية الحقوقية والسياسية، إن افترضنا أن لها استراتيجية. فمحاكمة الأستاذة ندية هي محاكمة للرأي وحرية التعبير، وهذا يعصف برهان المغرب على ملف المصالحة والإنصاف الذي يسعى المغرب من خلاله إلى كسب نقاط في في البورصة الحقوقية الدولية، كما أن محاكمة الأستاذة ندية تحولت من محاكمة شخص إلى محاكمة تيار متضامن وهذا من شأنه “التشويش على الإجماع الوطني” حول بعض الثوابت مما يفقد النظام نقاطا بالبورصة السياسية.

المحاكمة ورقة ضغط خاسرة إن استئناف جلسات محاكمة الأستاذة ندية بعد تعليقها يأتي في سياق المحافظة على ماء الوجه وإعادة الهيبة للنظام، ووضع حد لبعض الشائعات.

وتحديد تاريخ الجلسة في 14مارس 2006 له أكثر من دلالة فهو يأتي بعد تقديم هيئة الإنصاف والمصالحة لتقريرها وما واكب هذا التقرير من دعاية داخلية وخارجية وفشل للهيئة في إقناع المنظمات الدولية والحقوقية رغم مدح وثناء بعض الجهات، كما أن تحديد تاريخ الجلسة بعد الاحتفال باليوم العالمي للمرأة بأسبوع تقريبا ينم عن التخوف من تحول الاحتفال إلى تضامن، كما أن في إرسال الاستدعاء في شهر دجنبر 2005 كما ورد في بيان عبد العزيز كوكاس أي قبل دخول السنة الجديدة رسالة لمن تتعلق مشاريعه ومستقبله بسنة 2006م.

إن السلطة في تعاملها مع ملف الأستاذة ندية أمام ثلاث خيارات، إما توقيف هذه المهزلة والحكم بالبراءة كما فعلت في ملف الأستاذ محمد العبادي، وبالتالي تحمل بعض الخسارة السياسية والحقوقية، وإما الإدانة وفي ذلك تثبيت لتلاشي الإجماع الوطني، وتصعيد يفتح الباب على كل الاحتمالات، وإما تمييع المحاكمة والتمديد في عمرها ما أمكن حتى لا تبث في القضية وتبقى ورقة ضغط تحجم الجماعة عن الإقدام في اتجاه ما تبشر به. ولعل السلطة اختارت الخيار الأخير حينما لم تستدع الأستاذة ندية ياسين ولا دفاعها ولا دفاع الأستاذ عبد العزيز كوكاس، وكذلك حين علقت المحاكمة من جديد إلى أجل غير مسمى. فهل تتدارك السلطة الموقف في الجلسة القادمة وتضع حدا لهذه المهزلة علما أن تاريخ الجماعة يؤكد أنها لا تركع إلا لله ولا تلين أو تتهور أو تستفز؟

أعرف أن هناك من لا يشاطرني الرأي في ما قلت على اعتبار أن حركة المخزن لا تخضع لمنطق ولا لعقل وإنما يتحكم فيها الغباء والتخبط وقد أساندهم الرأي لكن لا يمكن استبعاد الالتقاء الموضوعي للأحداث والدخول الطبيعي في ردود الفعل ولو من باب الغريزة.

وليس همي تتبع الدوافع والأسباب لذاتها إنما هدفي أن أبين أن ما من مكر يمكرونه بهذه الجماعة إلا ويكون عليهم لا عليها مصداقا لقول الله تعالى “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.