1- استهلال   من المعلوم أن ملف متابعة السيدة ندية يتعلق بتصريح لها لدى إحدى الجرائد المغربية. وإذا نُظر إليه بالعين المجردة لا يظهر إلا قولا لا يختلف في عباراته عما تعج به كثير من الصحف، بل يمكن القول: إن عبارات بعض الكتاب والفاعلين السياسيين كانت أكثر شدة وإثارة من التصريح موضوع المتابعة.

   إننا هنا لا نحرض المخزن على أن يفعل مع هؤلاء كما فعل مع السيدة ندية، لأن حرية التعبير هي المقدس لا غيرها من المعطيات التاريخية، ولكن نشير إلى أن المقصود ليست العبارة وإنما الجهة التي صدرت عنها.

   وهنا يكون السؤال التالي مبرر العرض: ما العامل الرئيس في فبركة المتابعة من جهة المخزن، وماذا يريد من ذلك؟

2- مطلب الحرية يحاكم الاستبداد في متابعة ندية ياسين   يمكن الجواب عن السؤال من خلال تحليل معطيين أساسيين:

   الأول: حقيقة الدولة في المغرب.

   والثاني: حقيقة المشروع الإسلامي الذي تقوده العدل والإحسان في المغرب.

   1. حقيقة الدولة في المغرب

   أما ما يخص المعطى الأول فلن نقف على العناصر الواقعية الإحصائية لبيان ما يعيشه المخزن في المغرب من أزمة كلية وارتباك شامل في تدبير الشأن العام قبل شأنه الخاص. لكن نحلل واقع الدولة في المغرب من حيث علاقتها بالأمة. لأن هذا كاف للبرهنة على أنها دوما خصم للمجتمع والحق، وهو مصدر الأزمة التي لا حل لها إلا الحرية غير المشروطة اللهم بما شرطته الأمة عبر اختيارها.

   وبين يدي هذا يقتضي المقام الإشارة التالية: إن الطبيعة المخزنية للنظام السياسي في المغرب انتهت- بحكم الواقع الذي أصبح يحتله في عملية بناء المجتمع ومؤسساته مرجعيا وحركيا وهيكليا ونفسيا وولائيا- إلى أن ماهية الدولة والسلطة هي ماهية النظام نفسه. أي أن روح المخزنة والاستبداد امتدت إلى أعماق المجتمع ففتت كل عناصر القوة فيه إلى شذرات قد يصعب على المراقب تتبع خيوطها قبل تحديد طريقة جمعها وبنائها من جديد. وهو ما يعني أن الدولة والسلطة لم تصبحا في يد الشعب المغربي منذ زمن بعيد، لذلك لم تفلح جميع أشكال “النضال”، التي عرفها المجتمع المغربي في رد الحق إلى أصحابه؛ أي الدولة والسلطة ومؤسسات المجتمع إلى الأمة.

   إن حرص النظام السياسي في المغرب على التشبث بالقبضة الحديدية على مؤسسات الدولة والسلطة، حيث صارت ماهيته وصار ماهيتها، هو المبرر الوحيد على شراسته في التعامل مع مكونات المجتمع، خاصة المعارضة منها.

   فمن المعلوم أن بناء الدولة والسلطة كان عملا مضنيا أدت البشرية من أجله ثمنا باهظا في بحثها عن التنظيم والتعاون والتفاعل بين الأفراد والجماعات، ولذلك يستحق من يتسلط على هذا المكسب التاريخي المصيري ويغتصب من خلاله حق الأمة في توظيفه من أجل الحرية والقوة والاستقلال أن يقاوَم بكل ما يحقق للأمة مطالبها الثلاثة أعلاه: الحرية والقوة والاستقلال؛ وهي مكونات الكرامة.

   إن الدولة الحديثة في المغرب لم تكن وليدة فعل مجتمعي كلي أصيل، بل إن ظروفا تاريخية مرت بها الأمة أدت إلى إحكام القبضة على الدولة والسلطة وتوظيفها توظيفا سلبيا في إطار الصراع الدائر في تلك الظروف.

   نعم، قد يكون الدافع لذلك مبررا بداية، قد يكون، لكن الدليل الحاسم في تحول هذه الدولة والسلطة من يد شخص أو عائلة إلى يد الشعب، هو حينما يحصل تحول كل من الدولة والسلطة بسلاسة إلى أدوات سياسية مجتمعية مجسدة لمشروع الأمة في الوجود الجغرافي والإنساني، لأن الإرادة في الإصلاح تتجلى في القيام بمشاريع تؤدي إلى إعادة الاعتبار للمجتمع ومكوناته الأصلية، وبذلك يُصنع الحصن الحصين وتضفى الشرعية على النظام السياسي القائم، فيتحول من عامل سلبي إلى عامل إيجابي.

   أما أن تمر قرون من الزمن والدولة والسلطة أداة قمع وقهر، فإن التاريخ علمنا أنه عندما تحصل عناصر المعارضة المقاومة المتناقضة مع منطق الهيمنة والتسلط والاستغلال فإن الحق يرجع إلى أهله طال الزمن أم قصر.

   ما نريد تأكيده في هذه الفقرة أن الدولة الحديثة في المغرب لم تكن وليدة فعل مجتمعي أصيل، خاصة دولة ما بعد الاستعمار المباشر التي ارتكبت خطأ جسيما في حق الأمة من جهتين: الأولى: أنها قمعت حركة التحرير والتحرر من أن تستمر في بناء المجتمع والدولة على مرجعية وسند المقاومة التي قهرت المستعمر، لأن فترة الاستعمار كادت تكون فلتة تاريخية ترجع فيها الأمور إلى نصابها، لكن الدولة والنخبة المتحالفة معها سرقت بريق الأمل ورمت الجميع في أحضان الاستعمار الجديد تربية وتعليما وإدارة وحكما، فازداد الأمر تعقيدا إلى درجة استحال فيها على الكثير تحديد المداخل الحقيقية للاستقلال والحرية. والثانية: أن الدولة عوض أن تتعامل مع الحركات المجتمعية والسياسية على أنها صادرة عن ضرورة الجواب عن أسئلة لم تستطع هي أن تجيب عنها، تعاملت معها بمنطق العدو الذي ينبغي أن لا يكون. وإن كان فعلى حال الضعف بتجريده من كل وسائل التعبير والعمل، وإن اقتضى الأمر شراسة في القمع، كان.

   فلما لم يستطع النظام السياسي الخارج من فترة الاستعمار والمجسد لتبعاته أن يتحول إلى جزء من حركة الأمة، بل اختار موقع المعارضة لاختياراتها المصيرية، فقد حكم على نفسه بتحديد طرفي الصراع الأساسيين ضمن حركة المجتمع بكل أبعادها؛ إذ يكون هو الطرف السلبي في مقابل الفعل الإيجابي لقوى المجتمع الحقيقية التواقة إلى الحرية والعدل.

   ويكون ساعتها فعله ينبني على ممارسة العنف بشقيه الرمزي المتجلي في روح الدستور والقوانين وأصولهما المكرسة للهيمنة والانفراد بالحكم، والمادي المتجلي في العنف المباشر تجاه المعارضة مع احتكار الثروة والاقتصاد.

   هذا هو واقع النظام السياسي في الدول الاستبدادية، أي واقع الدولة والسلطة. لكن السؤال الكبير هو: لماذا أخفقت حركات المعارضة في تقويض هيمنة هذه الأنظمة أو تغييرها وتعويضها بنظم تكفل الحرية الحقيقية والبناء الإيجابي؟ أي لماذا أخفقت الحركات الراغبة في التغيير سواء عبر الانقلابات أو غير ذلك مما اعتمدته من أساليب في أن تنتزع الدولة والسلطة من يد الغصب الاستبدادي وتحررها لتصبح أداة في يد الأمة لا في يد غيرها.

   إنه السؤال بين يدي عقود، إن لم نقل قرون، من الزمن النضالي؟

   فالجواب أن هذه الحركات، وحتى لا نبخس الناس حقهم، لم تعجز عن اكتشاف الوسائل “النضالية” في الباب، لكن الحقيقة هي أنها أخفقت في تحديد المرجعية الكلية القادرة على اختراق بنية النظام السياسي معنويا أولا ثم سياسيا ثانيا ثم حركيا ثالثا.

   والدليل على هذا أنه مع صعود الحركة الإسلامية في العقود الأخيرة لا نكاد نجد تمايزا مرجعيا واضحا بين تلك الحركات السابقة للإسلامية وبين الأنظمة السياسية السائدة. ذلك أن عمق النضال المعارض يتحدد بناء على حقيقة التعارض الجوهري بين الأطراف المتصارعة، وقد رأينا أن معارضي الأمس هم خدام هذه الأنظمة اليوم، لما كانوا فروعا لما يسمى بالمشروع الديمقراطي الحداثي، الذي أبدعه المخزن وشكل عموده الفقري في التنظير والممارسة.

   من هنا يتحدد موقع الحركة الإسلامية ضمن خريطة التدافع السياسي والمجتمعي، وذلك بالتحديد الواضح لطبيعة مرجعيتها الجامعة التي تنبني عليها المواقف السياسية والحركية المصيرية. إنه اختيار حاسم عبر تدقيق هذا الموقع، ذلك أن عليه تبنى جميع المواقف الجزئية التصورية والعملية.

   نخلص من كل هذا إلى أن النظام/الدولة والسلطة لا يشكل العمق الأصلي والمصيري لحركة المجتمع المغربي، بل كان من أكبر عوائق الانطلاقة الحقيقية للتحرر والحرية وامتلاك عناصر الكرامة. ومن ثم يظهر جليا جوهر تعارضه مع المشروع الإسلامي في شموليته، ولذلك شكلت جماعة العدل والإحسان من خلال عملها التنظيري والعملي المتكامل المنافس الحقيقي والمقاوم الصلب لمشروع اكتمال اللحاق الكلي والتبعية الشاملة عبر أنظمة سياسية ما هي إلا جزء من مشروع قائم على الاستبداد والتبعية مركزا على المسخ الثقافي والتربوي والاحتكار الاقتصادي والسياسي، وبذلك فهي حركة مجسدة لعمق اختيارات الشعب المغربي من حيث بناء الإنسان الفرد والدولة والمجتمع والتنظير لنظام عادل في العلاقات الدولية والإنسانية.

   ولذلك لا نستغرب أن كلمات في صفحات جريدة ستهز كيانا بأكمله بما هي صادرة عن ناشطة ضمن مشروع العدل والإحسان. فما حقيقة هذا المشروع.

   2. حقيقة المشروع الإسلامي الذي تدعو إليه العدل والإحسان

   إن البحث الموضوعي في ما تعرضه العدل والإحسان يؤكد أن لن يحيط به جزء من مقال صحفي وإن كان تحليليا، بل يحتاج إلى صفحات وأيام طوال. بل إن كثيرا من معاني هذا المشروع عملية أكثر منها تصورية ذهنية فكرية. ولذلك فمعاني مشروع العدل والإحسان تحتاج إلى وسائل كبرى تدور على وسلتين معنويتين؛ قلب كبير وعقل حصيف راجح برجحان صفاء السريرة، ووسيلتين حسيتين: قوة مجتمعية جامعة، هي جماعة المسلمين، ورجال جامعين هم قطب الرحى وجنود الأمة وخدامها؛ مروءة وأخلاقا وغيرة صادقة.

   ولذلك فمن كان يحمل ضغينة وحقدا وسوء نية وتحاملا غير مبرر لا علميا ولا أخلاقيا فما كلامه وفعله إلا ردة فعل لن تصمد أبدا أمام قوة الفعل وفعاليته.

   لماذا هذا التذكير؟ وما علاقته بمتابعة قضائية؟

   إن جماعة العدل والإحسان لم تكن لتجيب عن الأسئلة السياسية والمجتمعية فقط، أو أنها خلقت لهذا، بل إن العامل في وجود العدل والإحسان هو تجديد الجواب عن السؤال الوجودي؛ سواء للفرد والأمة. أي سؤال الوجود الفردي وسؤال الوجود الجماعي.

   إننا لم نخلق لنكون عبادا لغير الله، ولا حمالي رسالة غير رسالة العزة والقوة؛ رسالة التحرر والحرية؛ رسالة الإسلام.

   هذا هو دين الأمة وعقيدة الأمة، وإذا عجز الغير أن يصبح أصلا مجتمعيا، فلأنه لم يختر الاختيار الكلي الخادم لهذا الأمر المصيري، ولا شك إذا ملك السلطة واحتل الدولة سيكون شرسا في تعامله مع حركة المجتمع الأصلية.

   إننا إزاء تعارض جوهري بين مشروعين؛ مشروع الاستعباد والتبعية ومشروع الحرية والاستقلال والقيام بالواجب التاريخي.

   ومن هنا ندرك أن متابعة السيدة ندية ياسين إنما حقيقتها أن مطلب الحرية الكاملة يحاكم العقلية المخزنية الضيقة في كليتها.

   قد يكون الاستبداد يملك عناصر الغلبة، لكن الواقع أن غلبته لا تصمد أبدا أمام قوة وعمق حركة مطلب الحرية في الواقع العام. لأن مطلب الحرية يتأسس على معاني التعاون والمحبة والجمع، في حين حركة الاستبداد والاستعباد تورث الحقد المجتمعي والصراع والتنافس بالباطل على الباطل، فيصبح المجتمع غارقا في نمط العلاقات المبنية على الريبة والشك والفرقة وعدم الأمن، في حين أن الأمن والغذاء من شروط الحرية والكرامة والقوة والاستقلال.

   وهكذا ندرك أن حركة معاني الجواب عن السؤال الوجودي لا تنفك عن ضرورة امتلاك عناصر القوة الكبرى، ولذلك فالواجب اليوم العمل على إرجاع عنصر السلطة والدولة ليكون خادما للأمة لا وسيلة لقمعها وقهرها واستعبادها للغير وتبعيتها له.

   إن محاكمة السيدة ندية هي محاكمة مشروع الحرية الكاملة غير المشروطة بشروط التاريخ ظاهريا، لكن الحقيقة أن حركة مطلب الحرية هي التي تحاكم واقع “المخزنة” والاستبداد، ولذلك فمهما كانت القرارات الصادرة عن المحكمة، فلن يكون الواقع إلا انتصارا للحق، وهو صورة من صور الثمن؛ ثمن الاستقلال والحرية والكرامة.

   إنها مناسبة لدعوة الغير ليجلس بعمق علمي وغيرة على الوطن والأمة والمستقبل للتأمل في مشروع جماعة العدل والإحسان الذي يحمله رجالها ونساؤها عسى يكون ذلك مساهمة في إنقاذ البلاد من عبث السياسة السياسوية إلى السياسة التعاونية على الخير ومناطه التعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

   ولله الأمر من قبل ومن بعد.