استيقظت هذه المرة قبل أن يطلق منبه الساعة زغرودته المعهودة، رمقت عقارب الساعة وهي تغالب غبش الفجر وتعب النوم… الساعة تشير إلى الثالثة والنصف، عقرب الثواني ما يزال يتحرك بإيقاعه المعهود مخترقا حدود باقي العقارب، وحدود العارضات والأرقام معا… وحده العقرب الأصغر الأبيض كان ثابتا، مستسلما حيث وجهته منذ أمس… كان مصوبا في هدوئه المعهود تجاه الساعة الرابعة… ابتسمت بسخرية ماكرة، بل همت بالقهقهة… “مرة أخرى أوقظك قبل أن توقظني… ومع ذلك سأبقى أحبك…” … قبلته بحرارة، حملته ووضعته فوق مكتبها الأنيق حيث تعود أن يقضي سحابة يومه…

   استجمعت كل قواها، مستعدة لاستقبال اليوم الجديد، أحست بروعة اللحظة… فتحت مصراعي النافذة، وتنفست بعمق… نسمات ربيعية منعشة تسللت إلى خياشيمها وصدرها، قبل أن تقتحم فضاء الغرفة…غمرتها لذة عارمة… ” لو أتممت دراستي الجامعية الأدبية حينها، لسهل علي التعبير عن إحساسي شعرا في مثل هذه المواقف الرومانسية الحالمة… أما وقد حرمني من ذلك، فلا داعي لأن أحاول…”، هكذا كانت دائما ترمي باللائمة على والدها الذي أرغمها على ترك أحلام الدراسة الجامعية، وعلى الولوج إلى مدرسة للإعلاميات… أمضت سنتين، توجت بالحصول على شهادة خولت لها العمل في مصرف يقع هناك في قلب المدينة… ورغم ذلك فإنها ما تزال تشعر بحسرة الاختيار… “لا هذا المنصب، ولا هذا الراتب، ولا هذا المظهر الذي يخدع كل الناس… يكاد ينسيني بأنني أخطأت الطريق عندما أُرغِمتُ على ترك دراسة الأدب العربي!… كنت أتمنى أن أصبح شاعرة ذائعة الصيت، كنت أتمنى ذلك من كل أعماقي…” هكذا كانت تحدث نفسها باستمرار، وأحيانا كثيرة بصوت مرتفع…

   ما جدوى كل ذلك الآن؟!! هل ستغير كل هذه الهواجس من الأمر الواقع شيئا… ؟!! أبدا… هي موقنة من ذلك… ومع ذلك فإنها لا تملك أن ترد هذا السرب من الوساوس الذي يجثم على صدرها بين حين وآخر… خاصة في مثل هذه المواقف… واستسلمت لروعة اللحظة، ما تزال تشعر برغبة جامحة في قرض الشعر… أهذابها، شفتاها، خصلات شعرها، أناملها… مسام جلدها… تشعر بالشعر يدب في كل أنحاء جسدها الأهيف الرشيق…

   الناس كلهم يغطون في نوم عميق… لا شيء يعكر صفو هذا الهدوء الدافئ الجميل… كانت على وشك أن تسلم نفسها للحظة شرود جديدة قادمة هذه المرة من أعمق أعماق الوجدان… عندما تكسر صمت المدينة بأصوات المؤذنين، تعلن في شموخ وكبرياء أن ” الصلاة خير من النوم “… تتداخل أصوات المؤذنين بشكل يكاد يوحي بأنهم في سباق محموم لإيقاظ كل هذه الجماهير الغافلة المفتونة… عبارة ” الله أكبر ” من فِي هذا المؤذن… تعانق ” حي على الصلاة ” من فِي ذاك المؤذن… وتُقَبِل عبارة ” لا إله إلا الله ” من فِي ذلك الآخر… تحالف غبش الزمن والمكان في أعماق فاطمة… وضعت رأسها بين كفيها محاولة عبثا التخلص من وخز الضمير، وحرقة الفطرة التي كانت ما تزال تصرخ في أعماقها بين الفينة والأخرى… ” هذا كلام يهم العجائز مثل جدتي الشمطاء… مالي أنا ولكل هذا الصراخ ؟!! ” هكذا حاولت ابتلاع الغصة التي أحست بها خانقة مؤلمة حارقة… هنا… هنا… في حلقها… أغمضت عينيها لحيظات، وبلعت ريقها، كلاعب مغلوب يستعد لمواجهة الجولة الموالية… ” لا… لا… مالي أنا وللصلاة… ؟ ! ثم ماذا تعني الصلاة بالنسبة لعصفورة جميلة مثلي… أربعة وعشرون ربيعا !! مازلت في بداية حياتي يقينا… فلأعش لحظتي أولا… وبعد ذلك لكل حادث حديث… ” ها هي تخادع نفسها للمرة الألف… فلتعش شبابها إذا… ولتستقبل يومها الجديد وفق الخطة التي وضعتها منذ أمس، ولا داعي لاستحضار هذه المعوقات المقرفة…

   توسدت راحة يدها، وأطلقت العنان لعينيها تحدق أمامها دون أن ترى شيئا، لقد غاصت في أمواج الذكريات… تجلس متربعة فوق حصير الكتاب وسط جماعة من لداتها، تنظر بعينين وجِلتين بريئتين إلى “الفقيه” تنتظر دورها، وفي يدها لوحها الخشبي كتبت عليه سورة “العلق”… كانت تردد الآيات في تلعثم ظاهر تحاول عبثا حفظ السورة كاملة… لم تكن واثقة تمام الثقة من حفظ هذه السورة، ربما لأنها أطول سورة كلفت بحفظها لحدود يومئذ، انتفضت ضفيرتا شعرها فزعا عندما سمعت اسمها، اضطربت فتماسكت فمشت مسرعة في اتجاه “سيدي” الذي أخذ اللوح الخشبي، وطلب منها بصوت صارم قوي أن تستظهر، كانت قشعريرة الخوف تملأ كل كيانها، لم تكن تتصور أن الموقف حرج ورهيب إلى تلك الحدود، ربما لأنها لم تجد أدنى صعوبة في استظهار السور السابقات، كانت تغمض عينيها وتنفجر مسترسلة، تتلقى كلمات الثناء والتشجيع ويسمح لها بمسح اللوح لتستعد لاستقبال سورة أخرى… الواضح أن الأمر مختلف تماما هذه المرة، عندما شاهدت عصاه الغليظة عن قرب ازدادت نبضات قلبها الصغير… وأحست بأنها نسيت كل شيء، أخذت بالكاد تستظهر، تغافل نبضات الخوف والرعشة، وتنطق ببعض الآيات (… كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى، إن إلى ربك الرجعى…) تتعثر، تتأوه، ترتبك تماما، تفقد كل قدرة على المقاومة، تحاول جاهدة أن تتذكر ما حفظته منذ أسبوعين، تحاول عبثا… يحمر وجهها خجلا، وقبل أن تفكر في القسم بأنها لم تدّخر وسعا، ولم تضيّع وقتا، تفاجأ بالعصا الغليظة تنهال على خصرها وجانبيها، تصرخ بأعلى صوتها، وتتدفق الدموع سيالة من العينين الزرقاوين، تعود إلى مكانها منكسرة منهزمة حزينة… وتحاول الكرة من جديد…

   داعبت نسائم الفجر خصلات شعرها المنسدل على الجبين، فاستفاقت من إغفاءتها… ما الذي يبعث بمثل هذه اللقطات من تحت أنقاض السنين ؟! كان ذلك على غرارتي، هو زمن ولى وانقضى، مضى إلى غير رجعة، كنت حينها طفلة غرة بريئة، وكنت لا أملك إلا تنفيذ ما يُطْلب مني، وكان أبي يعتبر الكُتاب والقرآن والفقيه أجمل ما في الحياة، كان يملأ كل أوقاتنا بالحديث عن الموت والقبر والجنة والنار… أذكر أني كنت أتضايق من ذلك، ولكني كنت لا أقوى على فعل أو قول ما يزعجه أو يقلقه… اليوم وقد تحررت من كل سلطة، أدركت أن الحياة جميلة بكل المقاييس، وأننا ملزمون بالبحث عن لذائذها ومسراتها ومواطن السحر والروعة فيها، فقط الفاشلون والمنهزمون والعاجزون هم الذي يتهربون منها ويحتمون بالحديث عن القبر والحساب والصراط… أمور مقرفة مرعبة مثيرة للغثيان، ما أحوجني إلى تجاهلها ونسيانها تماما خاصة في هذا اليوم، هذا اليوم الذي أعتبره يوم الحسم والتحدي بامتياز…، هذا اليوم سيشهد شوط تحدي تلك المقيتة البغيضة وفاء… ” تلك المتعجرفة البليدة… تحسب نفسها عبثا سيدة الحسن والأناقة والجمال… قسما لأجعلنها تأكل أصابعها ندما وحسرة على اليوم الذي راودتها فيها هذه الفكرة المجنونة… ولأجعلنها تبدو أقبح من كل القبيحات… “… كان هذا هو القرار الحاسم المجنون الذي اتخذته في نهاية الأسبوع المنصرم، عندما أخبرتها وفاء بكبريائها المعهود، بأنها توجت للمرة الثانية ملكة جمال الموسم على مستوى القطر كله، وأنها تلقت عشرات الطلبات للمشاركة في معارض أزياء تنظمها كبرى شركات الأناقة وأشهر دور الزينة والجمال،… وهمست في أذنها بصوت منكسر مغناج…

   _ كان يوما مشهودا أحسست فيه بنشوة الحب والتألق والتميز… انظري يا عزيزتي… هذي صوري وأنا أرتدي التاج المرصع باللآلئ والجواهر، هذه صور وصيفاتي… كل الجماهير كانت تغمرني بالهتافات وبالتحيات والقبلات!

   _ آه ! لقد كنت رائعة… أنت تستحقين فعلا…

   ردت عليها في مجاملة باردة جدا… نظرات الغيظ والاشمئزاز تغمر عينيها معا… “لم تقصد بذلك إلا إهانتي، هذه الساقطة، التافهة، الرخيصة، القميئة… ولكن سترى أينا الأجمل!… وأينا الأكثر إغراء وفتنة!… سترى…”.

   أمضت عطلة نهاية الأسبوع في التفكير العميق في خطة محكمة تخلصها من إهانات غريمتها… تعرف مسبقا أن الأمر سيكلفها ميزانية جد خاصة، ولكن لا بأس… كل شيء يهون… عندما كانت تتجول في الأسواق النسائية الممتازة لم تتردد قيد شعرة في اقتناء كل ما سيساهم في إنجاح الخطة: عطور باريسية، أهذاب مستعارة، أجود أنواع صباغة الأظافر، أحدث أنواع أحمر الشفاه، أثمن المساحيق، صباغة الشعر… ولم تتردد لحظة أيضا في ابتياع بذلة شفافة وردية اللون… وحذاء بكعب عال تسمع لخطواته أصوات على بعد أمتار…

   تهاليل المؤذنين كانت ما تزال تتصاعد عبر الآفاق… مؤذنة ببداية يوم جديد… ومحذرة من الاغترار بوساوس الشيطان الرجيم… سرعان ما تخلصت من كل تلك الهواجس والذكريات… استحمت بماء دافئ… وانتصبت واقفة أمام المرآة الصقيلة… بعد قرابة ثلاث ساعات، كانت أغلب معالم الخطة قد طبقت بالحرف الواحد… وابتسمت بانشراح وتفاؤل… كانت تبدو أجمل من كل الجميلات : قد أهيف، حاجبات هلاليان جذبان، عينان زرقاوان، شفتان بلون الورد، شعر أشقر منساب… ألقت نظرة أخيرة على المرآة، بعدما ارتدت البذلة الشفافة الكاشفة، والحذاء الأنيق… أيقنت بأنها ستكسب الجولة لا محالة، حملت حقيبتها اليدوية، ورمقت الساعة… السابعة وواحد وثلاثون دقيقة… لم يعد ثمة وقت كاف لتناول وجبة الفطور… ” لا بأس فقد تعودت على الإفطار في الحافلة… ” وضعت قطعتين من الحلوى في حقيبتها، وهرولت في اتجاه المحطة…

   صعدت الحافلة بعد لحظة زحام فظيعة مخجلة… استوت جالسة على مقعد أمامي تتنفس الصعداء، همت بقضم قطعة الحلوى… عندما سمعت أحد الواقفين يحدث صاحبه…

   _ لا حول ولا قوة إلا بالله!… لولا وساطتها ومساعدتها لما تمكنت من الحصول على قرض من البنك بهذه السهولة… واليوم أصبحت في عداد الأموات!… رحمها الله…

   _ من… من تقصد؟!!

   سأله في ذهول واستغراب…

   _ وفاء عز الدين… جارتنا الجميلة الودود…

   _ آه… تلك التي توجت ملكة جمال الموسم!!

   _ تماما… ولكن الموت هكذا دائما لا يختار إلا الناجحين الموفقين… أما التعساء الفقراء، فإنهم يبحثون عن الموت، ولا يملكون له وسيلة…

   _ وكيف حصل ذلك؟

   _ كانت المسكينة تستحم… وكان النوم يغالب عينيها من شدة التعب… نامت وسط الحمام الذي امتلأ فضاؤه برائحة الغاز القاتلة… اختنقت المسكينة… ماتت… هكذا بدون سابق إنذار…

   _ إنا لله وإنا إليه راجعون… هذا هو الحق الذي لا مفر منه… هذا هو مصيرنا جميعا… ليتنا نتعظ ونسارع بالتوبة… ليتنا نعجل بالعودة إلى رب وسعت رحمته السماوات والأرض…

   لم تتمالك نفسها، صرخت بأعلى صوتها، أغمي عليها من فظاعة ما سمعت… اضطر سائق الحافلة للتوقف… لم يفهم الركاب الذين تحلقوا حولها شيئا، استعادت وعيها بعدما رش وجهها بماء بارد… التفتت فجأة إلى جسدها، تهيأ لها للمرة الأولى أنها تمشي عارية تماما… وأن الناس كلهم يسخرون منها… وينهشون لحمها بنظرات جشعة نهمة… أخذت تتحسس أطرافها ووجهها في محاولة يائسة لاستعادة ثقتها المخدوعة… حملت نفسها… لم تدر كيف حصل ذلك، أسرعت بالنزول، هرولت عائدة في اتجاه البيت… دموعها تنسكب فياضة غزيرة… كانت ترثي نفسها… بعدما أدركت -على حين غرة- أن أصوات المؤذنين لم تكن تتحدث عن أشياء مستحيلة ولا مستبعدة… وأن أباها والفقيه وكل الآخرين كانوا يتحدثون عن اليقين الذي لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين شاب وشيخ، ولا بين ناجح وفاشل… ضاقت بها الدنيا بما رحبت، وأخذت تبحث لاهثة عن صدر تحتمي به من هول الصدمة التي وضعتها أمام الحقيقة الراسخة الشامخة، الرهيبة العجيبة، الثابتة البينة… الحقيقة التي أكدت لها أن شبابها وجمالها وعشقها للحياة أوهام في أوهام في أوهام…

   “هذا هو مصيرك أيها الجسد الذي ستتقاسمه ديدان الأرض الشرهة النهمة يوما ما…!! أيتها الجوراح التي ستنطقين بالحق في مملكة الحق التي لا تعرف الزور والكذب!! هذه نهايتك المحتومة أيتها العينان اللتان نظرتا وما غُضتا ! أيها اللسان الذي نطق وما اتقى! أيتها الأذنان اللتان استمعتا وما ارْعَوتَا! أيها القلب الذي امتلأ بالشهوة والنشوة والهوى! هذه نهايتك أيها القد الرشيق الجذاب الفتان الذي سيبعث ليقر بأنه كان غافلا شاردا تائها في دنيا الضلال والخداع!!”.

   أخذت تنتحب مثل الصبيان تماما… تخلصت بسرعة من كل المساحيق المخجلة…

   عندما كانت تتوضأ عازمة على الصلاة والتوبة النصوح… كانت تغالب دموعها مرددة بيتين شعريين كانت قد حفظتهما منذ طفولتها الطاهرة البريئة:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمتــه *** أتطلب الربح مما فيه خســران؟!

عليك بالنفس فاستكمل فضائلهــا *** فأنت بالروح لا بالجسم إنســـان