غنـاءٌ أَمْ إِنْشَـاد؟

محمد العربي أبو حزم – [email protected] / [email protected]

   موضوع هذه السلسلة هو عملُ الفرق الغنائية، وتَحَرُّكُ الفرق الغنائية، وسَيْرُ الفرق الغنائية. وربما تلاحظان، أخي وأختي، بعضَ إِصْرَارٍ مني على لفظة “الغنائية” بَدَلَ لفظة “الإنشادية” وتتساءلان: كيف.. والأصل عندنا أنها “فرق إنشادية”؟!!

   ما هو مدلول لفظة: “الإنشاد”؟ لماذا أصبحت بديلاً عن لفظة: “الغناء”؟

   هل نتمادى في استعمال لفظة: “الإنشاد” مُجْتَرِّين معها قاموساً من المصطلحات التي تحتاج إلى مُراجعة؟ أم نعيد الأمر إلى نِصابه بإعادة صياغة قاموسنا الفني بِناءً على مقاييس معلومة مضبوطة؟

   وهل لاِختيارِ كلمةٍ دونَ كلمةٍ وتفضيلِ تَعْبِيرٍ على تعبيرٍ تأثيرٌ يُذْكَرُ على الْفِكْرِ والْفِكْرَةِ والعملِ والحركةِ والْخَطِّ والسيرِ والهدف والنتائج؟

1- “الإنشاد” في تاريخ الأدب العربي   يقول الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه: “موسيقى الشعر”، ص: 179/180.

   “أجمعت الروايات على أن الشعر العربي كان يُنشد في أسواق الجاهليين فيهُزُّ قلوب السامعين هزّاً ويَطْرَبُ القومُ لموسيقى الإنشاد، وكان يُنشَدُ أمام النبي صلى الله عليه وسلم وفي حضرة الخلفاء الراشدين فَيَطْرَبُونَ له. أما كيف كان يُنْشَدُ فلا ندري.

   “ولا شك أن أصحاب الروايات القديمة قد عَنَوْا بالإنشاد شيئاً آخرَ غيرَ الغناء. وليس بين أيدينا ما يدل على أن الشعراء في الجاهلية كانوا يتغنَّون بالشعر، وإنما تُحدِّثُنا الروايات دائماً عن الإنشاد وما فيه من قوة وحماس وأن الشاعر كان يَنْظِمُ القصيدةَ وَيَفِدُ بها فيُنْشِدُها في الأسواق مُفاخِراً أو مادحاً. ولم يكن الغناء من عمل الشاعر ولا مِمَّا يُنْتَظَرُ منه”.

   كلام الدكتور إبراهيم أنيس واضح؛ وأضيف بأن مدلول لفظة: “الإنشاد” قد تغير عبر العصور لِيَحْمِلَ معنى الغناء “الديني” أو الغناء “الصوفي” أو “الغناء الروحي” تَمْيِيزاً له عن الغناء “الدنيوي”. وأصبحت لفظة “النشيد” تُطلق على كل الإبداعات الغنائية التي تؤديها “الفرق الإنشادية” المرتبطة منها خصوصاً بالصحوة الإسلامية في المشرق أو في المغرب أو حتى في المهجر الأعجمي! فتلاشت المصطلحات الأصلية من القاموسِ بل القاموسُ كله، واستُبدِلَ بِآخَرَ وَرِثْنَاه مع بقيةٍ مِمَّا تَرَكَ آلُ الدعوة وآلُ الصحوة، وأصبحت لفظة “النشيد” تُطلق على الموشح والمونولوج والطقطوقة وباقي الألوان الغنائية دون تمييز.

   ربما يُعْزَى هذا الاِختيار إلى المواقف الفقهية والنفسية التي اتخذها مُحَرِّمُو مُطْلَقِ الغناء من الغناء الذي ارتبط تاريخيّاً بِمَا ضَجَّتْ به أجواءُ قصورِ ملوكٍ ومُتْرَفِين مِنْ خَلاعةٍ ومُجونٍ وآلاتٍ موسيقية ومُوسِيقِيِّين ومصطلحاتٍ موسيقيّةٍ على حَدٍّ سواء!!! وربما يُعْزَى إلى تركيز “الفرق الإنشادية” الرائدة على لون “النشيد” بِمَا يحمل من معاني الْمُدَافعة بحكم الاضطهاد والمعاناة التي عانت منها الحركات الإسلامية التي ارتبطت بها تلك الفرق تنظيميّاً أو فكريّاً أو عاطفيّاً. وربما كان، بكل بساطة، نظرةَ فَهْمٍ رأى أنه ما لَمْ يُصحَب “الغناءُ” بآلات موسيقية ولَمْ يكن في مضمونه ما يخالف الشرع فهو “نشيد”!

2- “الإنشاد” و”الغناء” في الأحاديث النبوية الشريفة   وإنك لتجد في كل كتب الحديث أن لِلَفْظَةِ “الإنشاد” باشتقاقاتها كلِّها معْنىً واحداً هو إلقاء الشعر بحماسٍ وتعبيرٍ في غيرِ تَغَنٍّ كما سبق من كلام الدكتور إبراهيم أنيس، وكما جاء في ما ساقه ابن هشام من حَدَثِ استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد بني تَميم الواردِ في الحلقة الأولى من هذه السلسلة؛ وتَسْمَعُ النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحـاديث النبويـة الشريفة الخاصة بترتيل القـرآن الكريم يُطْلِقُ تَعْبير: “التَّغَنِّي” أو عبارتَيْ: “حُسْن الصوت” و”تزيين الصوت”، ويسمِّي صلى الله عليه وسلم الغناء في مواطن أخرى باسمه: غِنَاءً.

   لِنَسْتَمِعْ إليه صلى الله عليه وسلم:

   (أ) قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان والنسائي وأبو داود وأحمد والدارمي عن أبي هريرة رضي الله عنه: “ما أَذِنَ اللهُ لشيء (أي: ما استمع لشيء) مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ”.

   يتغنّى بالقرآن…

   (ب) وروى أحمد وابن ماجة والدارمي عن سعد بن أبي وقاص قال، قال صلى الله عليه وسلم: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ”. (جعل صلى الله عليه وسلَّم التغنِيَّ بالقرآن الكريم شرطاً للاِنتساب إليه وإلى أُمَّتِه، صلى الله عليه وسلم).

   مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ…

   (ج) وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن فضالة بن عبيد قال : قال صلى الله عليه وسلم: “لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَناً (أي استماعا) إِلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ مِنْ صَاحِبِ القَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِهِ”. (الْقَيْنَة: الجارية المغنية).

   (د) وروى ابن ماجة عن ابن عباس قال: زَوَّجَتْ عائشةُ ذات قرابة لها من الأنصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أَهْدَيْتُمُ الْفَتَاة”؟ قالوا نعم، قال: “أَرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَنِّي”؟ قالوا: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، فَلَوْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ”.

   في هذا الحديث يُسَمِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم الغناءَ “غناءً” لا “نشيداً”.

   “أَرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَـنِّي”؟!!!

   ما قال صلى الله عليه وسلم: أرسلتم معها من يُنْشِد؟

   “أَرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَـنِّي”؟!!!

   وَصْفٌ واضح وصريح بأنه غنـاء.. غنـاء.. غنـاء.

3- النشيد في علم الموسيقا   أما كُتُبُ الموسيقا فتُعرِّف النشيد بأنه “أغنية موزونة مُوَقَّعَةٌ مَصوغةٌ على إيقاعات ومقاماتٍ خاصّة، منظومةٌ شِعراً باللُّغة الفُصحى في الغالب من الحالات؛ ورُبما نُظِمَتْ بالعامِّـيِّة دون التقيُّد بالأوزان المعروفة. ومضمون النشيد حماسيٌّ أو وطنيٌّ كالشعارات الرسمية للدول والْهيئات والْمُنظَّمَات وأغاني المناسبات الوطنية، أو تعليميٌّ تربويٌّ كما هو شأن أناشيد الأطفال”. والنشيد بِهذا لونٌ غنائي واحد من ضمن عدة ألوان غنائية منها الموشَّح والمونولوج والموال والقصيدة…

4- سؤال وجيه   إن مصطلح “النشيد” الذي نطلقه على كل ما نتغنَّى به إطلاقاً، إِنْ كان له مُبَرِّرٌ تاريخيٌّ أو عُرْفِيٌّ أو داعٍ من الحكمة أو من الإلْفِ والعادة فليس له سَنَدٌ لُغَوِيٌّ أو سُنِّيٌّ أو موسيقي..

   فماذا نختار؟

   هل نَدْرُجُ على استعمال لفظة: “الإنشاد” بمشتقاتِها وأخواتِها مما يَعُجُّ ويضِجُّ بِها قاموسُ “الْمنشدين” الفنِّيُّ أم نعيد الأمر إلى نِصابه؟

   وما نِصَابُه؟

   وكيف نِصَابُه؟

   إننا نخاف، إن دَرَجْنَا على ما درج عليه الأجداد والآباء والأَقْرَانُ من ألفاظ وعبارات أحَبُّوا أن يُمَيِّزُوا بِبَصْمَتِهَا بضاعَتَهم عن بضاعة غيرهم أن نُكَرِّس العزلة الاِختيارية التي رَضِينَاهَا لأنفسِنا ويسعى البعض ليَحْصُرَنَا بِها في زاوية ضيِّقة من فضاء الفن الفسيح كأنه يقول لنا: “لكم هذه الزاوية الْمُنْزَوِيَة من الفن، ودَعُوا هذا الفضاءَ الفسيحَ منه لنا نحن”.

   نَخَافُ هذا، ونخاف إن تحرَّكنا في الميدان بِـ”لُغَةِ القوم” التي ارْتَبَطَتْ بِمضمون مَا أبدع القوم ويُبْدِعُون، مِمَّا في قليلٍ أو كثيرٍ منه نَظَرٌ، أن نَنْصْهِرَ في أفرانِ هذه الحركة مع الْمُنْصَهِرِين فَتَتَمَيَّعَ بضاعتُنا وتتبخَّر روحُها في الْمُتَبَخِّرِين!

   أُذكِّرُ بأنني أقصد بـ: “القومِ” نُجومَ ورموزَ وأهلَ وَخَلْفِيَاتِ ومُحَرِّكِي الحركةِ الفنيةِ العامَّةِ الْمتجذِّرةِ عُمْقاً الْمتوسِّعةِ مساحةً في أرض الميدان الذي نسعى لِحِيازَةِ موقعِ قدمٍ لِحركتنا الفنيةِ تحت أضوائه.

   لا أحد يجادل في أن أُمَّتَنَا تعيش مرحلةَ صحوةٍ مِنْ غفوة وهَبَّةٍ بعد كَبْوَة، وليس هذا الفصل الفاصل الذي جَعَلَ الأمَّةَ شطرين: أهلَ دِين وأهلَ دنيا، وفَصَلَ الدينَ نصفين: حقيقةً وشريعةً، ولَوَّنَ الشريعةَ لَوْنَيْنِ لا ثالث لهما: حلالاً أَبْيَضَ وحراماً أَسْوَدَ.. ليس هذا الفصلُ إلاَّ نتيجةَ الغفوة والكبوة معاً. وما كان الفن ليُفْلِتَ من “الأعراض الجانبية” لهذه الكبوة وتلك الغفوة. أَمَا وقد استفاق الراقدون وهبَّ الْكَابُونَ وأُقِيلَ العاثرون وأَطَلَّ علينا فجرُ عهدٍ جديد بِفَتْحِ الفتَّاح العليم فَلِمَ لا نُجَدِّدُ ما بَلِيَ مِمَّا يَرَاهُ بعضُنا مُجَرَّدَ أطرافٍ وحَوَاشٍ في ثَوْبِنَا ما دُمْنَا نَسعى لتجديد الثوب كله؟! فَلاَ تَمَامَ لنظافة ثوبٍ إن بقي في أطرافه شيء من غبار التاريخ والْعُرْفِ والإِلْفِ والعادة.

   لِمَ لا نتواصل مع الناس باللسان الذي يفهمون فنُزيلُ ما بيننا وبينهم من حواجزَ نفسيةٍ دون أن تَنَالَ الألفاظُ واللغةُ والأشكالُ الفنيةُ من مضمون وقدسية رسالتنا؟

   كيف يَتَأَتَّى لنا ذلك؟

   هل من جواب؟

5- جواب الميدان   الجواب العملي في أُنْمُوذَجٍ حَيٍّ قريب معاصر ماثلٍ للعيان:

   شابٌّ مسلم أَعْجَمِيُّ اللسان فصيحُ القلبِ، استطاع بصوته البسيط ولكن بروح المؤمن الواثق السامي وسَمْتِه اليوسُفي وما أُضيف إليها بل ما دُفِعَ ورُفِعَ به من أموال ومن تقنيات صناعة النجوم الَّتِي نشكو من خُلُوِّ أَيْدِينا منها أن يزاحم بضاعةَ النجوم الكاسفة على الفضائيات وفي الأسواق ويَبُزَّهُم بِها بَزّاً..

   يصنِّف عامَّةُ الناس وخاصَّـتُهُم رَنيمَ هذا المسلم الأعجمي (سامي يوسف) في خانة “الأغاني المصوَّرة” (فيديو كليب) لا في خانة “الأناشيد المصوَّرة”، ومع هذا ما ضاع مضمونُ رسالتِه وما ذابَ وما تَبَخَّرَ بل ازداد قوةً ووضوحاً وتأثيراً وانتشاراً.

   ربما تقول إنها موجة عابرة.. وربما تقول إن أغنية مصوَّرة يتيمة أو اثنتين أو بِضْعاً منها لن تصمد أمام هذا البحر الهائج المائج من الأغاني المصورة التي تتبارى أَيُّهَا أكثرُ وقاحةً وأشدُّ سُفُوراً وأقَلُّ حياءً وأثْرَاهَا لجيوب شركات الإنتاج! ربما تقول هذا… ولكنَّ موضوعَنَا هنا عمَّا إذا كان الحديث والتحَرُّكُ والتواصلُ بِلُغَةِ القوم يُذيب مضمون رسالتِنا ويُحَيِّدُ تَمَيُّزَنَا أَمْ يفتح به المولى تعالى مغاليق الأبواب والمنابر والقلوب.

6- “النشيد الإسلامي” مناقشة العبارة   نُسَمِّيه “إنْشَاداً إسلاميّاً” و”إنشاداً دينيّاً”؛ ولفظة “إنشاد”، لِمَن ارتضاها، كافيةٌ للتعبير عن المدلول المقصود ضامِنةٌ للتميُّز بضمانة ما سَبَق ذِكْرُه. فَمَا سُمِّي “إنشاداً” إلاَّ ليُعرفَ أن المقصودَ به هو “الغناءُ المباح شَرْعاً” (مع اعتبار ما اختلف فيه العلماء الأجلاَّءُ الْمُعْتَبَرون داخل سِيَاج الشرع الذي لا يَضِيقُ إلاَّ على من ضَيَّقَه على نفسه). فإذا أضفنا نَعْتَ “الإسلامي” أو”الديني” على لفظة “الإنشاد”، فإننا كأنما نقول: “الإنشاد الإسلامي الإسلامي” أو “الإنشاد الديني الديني”… ففي العبارة بِهذا لَغْوٌ. فإن لَمْ يكن لنا بُدٌّ من إضافة نعت “الإسلامية” أو نعت “الدينية” للتَّمَيُّز، فَلْنُسَمِّه “غناءً إسلاميّاً” أو “غناءً دينيّاً” على ما على مثل هذه التعبيرات من مآخَذ.

7- التواصل

   كيف نستطيع التواصل مع القوم من أهل الحركة الفنية في الميدان إن لم نُتْقِنْ لغة الخطاب التي يتقنون، والتي بَدَّلَ حِيَادَهَا ونَفَّرَنَا من قاموسِها انصياعُها لِقُوَّةِ حركةِ وسرعةِ وتيرة ما تدور حول رحاه من مضامين، في مقابل ضعفِ حركةِ وبطءِ وتيرةِ ما نَسْبَحُ نحن في فَلَكِهِ.

   وَأَذْكُرُ أننا استضفنا إحدى أساتذة الغناء الكلاسيكي في دورة تكوينية لتأطيرنا نحن “المنشدين والمنشدات”، فاستغربت الأستاذة المؤطِّرة لكثرة ما يَمُرُّ على مَسْمَعَيْهَا من ألفاظ: “النشيد، الأنشودة، الإنشاد، الأناشيد…” وقالت في لَهْجَةِ الغريب عن البلد وأهلِه وزمانِه ولسانِه: هل تَهتمون كُلُّكُمْ بأناشيد الأطفال!

   اختلافُ قاموس كُلٍّ منا عن الثاني تَسَبَّبَ في التشويش على قناة التواصل فيما بيننا.

8- الفن الجامع   إن التنافس على استقطاب آذان الناس وقلوبهم وأرواحهم وأوقاتهم تَمَخَّض لدى أطياف أهل الفن على مدى الزمن عن جمهورَيْن اثنين:

   * جمهور خاص، وهم رواد الزوايا الصوفية وأهل الصحوة الإسلامية وعامَّةُ المستجيبين لنداء الدين، الذين يتخذون من السَّماع المباح وسيلةَ ترفيهٍ أو تَقَرُّبٍ أو تذكيرٍ أو تعبئةٍ أو دعوةٍ أو تربيةٍ، وأصبح سَمَاعُ هذا الجمهور يسمى “مديحاً وسماعاً” أو “إنشاداً” أو “تواشيحَ دينية” تَمييزا له عن “الغناء الدنيوي”.

   * جمهور عام، وهم عامَّة الناس ممن درجوا على سماع “الغناء الدنيوي” بحكم الرغبة أو العادة أو الفراغ أو غياب البديل أو رداءةِ أسلوب عرضه.

   جمهوران بات بينهما، في عُرْف الناس وفي عُرْفِنَا، بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَان… وأضحى لكلٍّ منهما أساليبُه وموضوعاته ومنتدياته ووسائلُه وأهدافُه وأَئِمَّتُهُ ورموزُه.

   وكما أن من أهم أهداف مشروعنا التغييري أن نَفْتِلَ من حبل الدين ما انْفَلَتَ على مدى الأحقاب والأزمان، فإن من أهم أهدافنا أن نجمع الجمهورَيْنِ في صعيد واحد نخاطب، بما يُرْضِي ولا يُرْدِي، كُلاًّ باللسان الذي يفهمه ويحبُّه ويتفاعل به..

   – لِمَ؟

   + لِنُـبَـيِّن لَهُمْ.

خـلاصـة   حين انزوى الدين في زاوية من زوايا الحياة وقَبَعَ في غَيَابَاتِ جُبِِّهَا كما يقبع المغلوب على أمره، انْحَسَرَ الفن السامي وتوقف عن النمو مع ما انحْسر وتوقف من أُمورِ ديننا، وأَقْفَلَ كل مُنْتَسِبٍ إلى الحق مُرَشَّحٍ للبناء عليه بابَه مُؤْثِراً السلامةَ مُريحاً مستريحاً.

   إنها مُجرَّد “حساسية” أصابت فَهْمَنَا في ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية خِيفَ فيها على ما يُتَغَنَّى به من رَبَّانِيِّ كلامِ البشر أن يُسَمَّى ويوسَمَ بمثل ما يُسمَّى ويوسَمُ به السافل منه فتختلطَ المنابعُ الصافي منها والْمُلَوَّثُ فَتَـتَلَوَّثَ نورانـيَّةُ الحق في أُذُنِ السامع وعين الرائي وقلبه.

   لا مبرر للخوف من لفظة “الغناء” وأخواتِها ومن القاموس الناظِمِ لَهَا على المضامين الرَّبانيّة؛ لا خوف إِذْ أَضْفَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم تعبير “التغني” على خيرِ كلامٍ وأشرفِ كلامٍ وأقدسِ كلامٍ وهو كلام الله جَلَّ وَعَلاَ: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ”.

   هو رجوع إلى الأصل إذن.. ليس إِلاَّ..

   هو انسجام مع الحكمة البشرية التي هي ضالَّةُ المؤمن والذي هو أحق بها والتي يشترك في الاِقتباس من جَذْوَتِهَا الصالِحُ والطالِح..

   وهو تحريكٌ لأداةٍ تَحْسُنُ أو تسوء بِقَدْرِ حُسْنِ أو سوء مُحَرِّكِهَا..

   وهي لغةٌ ولسانٌ أُمِرْنَا أن نتعلَّمَه لنبين به للناس: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ”..

   لِنُبَيِّنَ لَهُم.

   إن كان الهدفَ من إطلاق لفظة “النشيد” أو “النشيد الإسلامي” أو “الفن الإسلامي” هو التَمَـيُّزُ في الميدان عن أكثر مَنْ يسْرَح على رَكْحِه ويتيه في أدغاله، فإنه مبرر مقبول مُؤَقَّتاً ريثما تَشِبُّ حركتُنا الفنيةُ عن الطَّوق بإذن الله تعالى، فَتكونَ لها كلمتُها في الميدان باستمدادِها من نَبْعِ النبوة العظيم واستنادِها إلى تأييد روح القدُس الكريم واعتمادها على بَرَكَة الْعَجْزِ والاِفتقار إلى المولى تبارك وتعالى وتَوَكُّلِها عليه سبحانه متقرِّبةً إليه بالنِّية وبالجهد والْهَمِّ والدعاء…

   إننا ندخل مياهاً جديدة.. فَلْنُجَدِّدِ الإيمانَ والنيةَ والْهِمَّةَ والسفينةَ والأشرعةَ والمجاديف..

   “وَإِنَّ اللهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ”.

في الحلقة الثالثة إن شاء الله موضوع: استعارة الألحان   هي من أكثر الأساليب المرتبطة بالممارسة الفنية انتشاراً لدى فرقنا الغنائية؛ إذْ كثيراً ما نَعْمَدُ في اختياراتنا إلى “اختصار الطريق” إلى آذان الناس متوسِّلين إليها بألحان جميلة لأَغَانٍ غَزَلِيَّةٍ أو خَمْرِيَّةٍ مشهورة بهدف استثمار سابقِ نَجَاحِها وانتشارها لِنَخْلَعَهَا على مضامينَ إيمانيةٍ ربَّانِيَّةٍ تربويةٍ لتَمريرها بسرعة ويُسْر. فما مدى اضطرارنا إلى هذا الأسلوب وإلحاحِه علينا؟ وما مدى نجاعته في مسيرة حركتنا الفنية؟ وهل له أعراض جانبية تشوب رسالة الفن فيها؟