1. ما معنى الرؤيا الصالحة؟

   الرؤيا لغة: على وزن فعلى وهي ما يراه المؤمن في منامه أو يرى له. وفي الاصطلاح، قال ابن حجر: “الرؤيا ما يراه الشخص في منامه، قال الراغب، والرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر، ويطلق على ما يدرك بالتخيل نحو رأى أن زيدا مسافرا، وعلى التفكير النظري نحو “إني أرى ما لا ترون” (الأنفال الآية 45)، وعلى الرأي وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن” (فتح الباري ج 14 ص 374).

   قال صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة” (أخرجه الشيخان عن أنس)، كما أخبر أنه: ” لم يبق من بعدي من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة”(الموطأ)، فهي باب الغيب الذي بقي مفتوحا لوصلة الصالحين بربهم. الرؤيا الصادقة حق ومن صدقها صدق الحق، ومن كذبها كذب الحق، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الضلال والإلحاد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان” (البخاري 3 / 1198) فهي عطاء من الله تعالى لعباده.

   أخرج الإمام أحمد رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في تفسير قوله تعالى: “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة” (سورة يونس،الآية 42-43)، قال صلى الله عليه وسلم عن البشرى في الحياة الدنيا: “الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له”.

   وقال أبو عبد الله المزوري: “مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو سبحانه يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة”. (فتح الباري ج 14 ص 375).

   ولا يترتب على الرؤيا أي حكم شرعي جديد ولا ينبني عليها بالتالي ما يناقض الشريعة أو يخالف النصوص. ولا تدعو إلى التواكل والكسل، وإنما تحفز المؤمن على البذل أكثر، قال الأستاذ عبد السلام ياسين: “…لهذا لا نبني على الرؤيا عملا، إنما هي مبشرات تسر ولا تغر، وظيفتها أن تشجع فينا خصال الإيمان ونية الجهاد، لا أن تصبح مصدر الأحكام” (المنهاج النبوي ص183).

   أما تعبير الرؤيا فعلم يعلمه الله من يشاء من عباده، “ولنعلمه من تأويل الأحاديث” (يوسف21).

2- هل ذكرت الرؤى في القرآن الكريم؟   نعم ذكرت مرات عديدة، منها: قول الله تعالى حكاية عن نبيه إبراهيم صلى الله عليه وسلم: “فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟” (الصافات102) فأجاب سيدنا إسماعيل عليه السلام أمر أبيه وأمر ربه: “يا أبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين”، وقال سبحانه عن عبده إبراهيم عليه السلام لما صدق رؤيا ذبح ولده، وبدأ في التنفيذ: “وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين” (الصافات 104-105).

   ومنها رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام إذ قال: “يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين”. وانظر كم مر من الزمان لتتحقق تلك الرؤية؟

ومنها قوله تعالى: “وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس” (الإسراء الآية 60) وذهب القرطبي إلى أن المقصود هنا هو الرؤية بما هي إدراك بحاسة البصر فما رآه النبي ليلة الإسراء كان جميعه في اليقظة وهو مذهب ابن عباس في تفسير سورة الإسراء “إنها رؤيا عين”، وجعلها البعض الآخر حجة لمن قال إن الإسراء كان مناما وختم ابن حجر القول “يحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا لكون أمور الغيب مخالفة لرؤيا الشهادة فأشبهت ما في المنام”.

   ومنها قول الله تعالى: “إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم…” الآية (الأنفال43).

   فتصديق الرؤيا من سمات الإحسان. ومن لا يصدق الرؤى الصالحة لا يمكن أن يشم للإحسان رائحة، لأنه يسخر من النبوة.

3- هل ينبغي أن نعبد الله لكي نرى الرؤى؟   المؤمن يعبد الله طلبا للاستقامة لا طلبا للكرامة، لأن أكبر كرامة هي اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحسان، لنيل رضى الله تعالى. فمن الصحابة من لم يكن يرى الرؤى ولا ينقص ذلك من مكانته شيء. والمؤمن الصادق في طلب الله تعالى لا يبحث عن الرؤيا ولا يطلبها، وإذا ما رآها فكل ما يُهِمّه منها هو ما يبشره بالسعادة الأبدية، وبقربه من ربه عز وجل، ورضاه عنه، وتنهضه لاقتحام العقبة إلى الله.

   ظل المسلمون يحتفلون بالرؤيا الصالحة عبر العصور ويشتاقون لرؤية الحبيب صلى الله عليه وسلم، واعتبر فن تعبير الرؤيا علما قائما بذاته له رجاله، ومن الصحابة الذين برعوا فيه أبو بكر الصديق ومن التابعين جعفر الصادق وابن سيرين وغيرهم…

4- هل كل ما يرى في النوم هو رؤية صالحة؟   عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان. فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم فليصل”. رواه الدارمي رحمه الله.

   قال الإمام مالك رحمه الله في الموطأ: “في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم: الرؤيا الصالحة من اللّه، والحلم من الشيطان، فيه بيان أنه ليس كل ما يراه الإِنسان في منامه يكون صحيحاً، إنما الصحيح فيه ما كان من اللّه يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أمّ الكتاب”.

   ويُروى عن الإمام مالك رحمه الله أنه سُئل: أيعبّر الرؤيا كل أحد؟، فقال: أبالنبوة يُلعب؟ .. إلى أن قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة، كما في التمهيد والمنتقى للباجي.

   وأنواع الرؤيا هي:

   أ. الرؤيا الصالحة: هي التي يرى فيها المؤمن ربه عز وجل، أو وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعباده الصالحين، وما وعد به سبحانه في كتابه من جزاء عظيم لمن أخلص لله القصد، واستقام على سواء الصراط. ويكون فيها التبشير أو التحذير أو التوجيه، وهي التي كان يحتفل بها الصحابة يوميا بعد صلاة الصبح.

   ب. الرؤيا النفسية: تسمى حديث النفس، وهي أن يرى المرء في منامه ما كان يشتغل به في يقظته من هموم الدنيا. قال القاضي عياض رحمه الله: “وهو ما كان الخاطر به مشغولا قبل النوم ثم يحصل النوم فيراه فهذا قسم لا يضر ولا ينفع”. (فتح الباري ج12ص372) وقد يكون هذا النوع استدراجا للرائي يحيد به عن جادة الطريق.

   ج. الرؤيا الشيطانية: وهي وحي الشيطان لأوليائه في المنام ما عجز عن تفهيمه لهم في اليقظة قال الحق سبحانه: “إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم…”، وقد يصيب هذا التحزين المؤمن لصده عن ذكر الله، نظرا لما يكون فيه من “تهويل أو تخويف أو تحزين (و) هو المأمور بالاستعاذة منه لأنه من تخيلات الشيطان فإذا استعاذ الرائي منه صادقا في التجائه إلى الله وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة أذهب الله عنه ما به وما يخافه من مكروه ذلك ولم يصبه منه شيء” (فتح الباري ج12 ص372).

   د. الرؤيا الكونية: هي الرؤيا المخبرة بأنه وقع شيء ما في الكون أو أنه سيقع في المستقبل، ويستوي في تلقيها المؤمن والكافر. ومثال ذلك رؤيا ملك مصر في سورة يوسف عليه السلام، (سبع بقرات…) وهي ليست من الإحسان في شيء, وإن كان لها شأن عظيم في حياة الأمة.

   قال الأستاذ عبد السلام ياسين: “الرؤية الصالحة كرامة تتميز عن الاستدراج النفسي وعن التلاعب الشيطاني” (الإحسان ج2).

   فالرؤيا قد تكون من الله تعالى، وقد تكون مما يحدث به المرء نفسه، وقد تكون من تلعب الشيطان، لكن إذا تواطأت رؤيا المؤمنين على أمر كان حقا، كما إذا تواطأت رواياتهم أو رأيهم فإن الواحد قد يغلط أو يكذب وقد يخطئ في الرأي، أو يتعمد الباطل، فإذا اجتمعوا لم يجتمعوا على ضلالة وإذا تواترت الروايات أورثت العلم.

5- هل للرؤيا آداب ينبغي احترامها؟   من الأدب أن يعظم المؤمن ما يرى في منامه من رؤى صالحة، وأن يحمد الله عليها، ويستبشر بها خيرا، وألا يتحدث بها إلا لمن يحب دون من يكره، فهي لا تحكى إلا لحبيب أو لبيب، قال الله تعالى على لسان سيدنا يعقوب عليه السلام: “لا تقصص رؤياك على إخوتك” (يوسف الآية 5) لأن إخوته كانوا يكيدون له. والرؤيا تسر ولا تغر قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب..”رواه مسلم عن أبي سلمة. والرؤيا الصالحة أمانة من الله لا يزاد فيها ولا ينقص منها، قال صلى الله عليه وسلم: “من أفرى الفرى أن يري عينه ما لم تر” أخرجه البخاري.

6- هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى الرؤى؟   نعم ، ونذكر بعضها:

   في بدء الوحي: قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: “أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد” البخاري ومسلم.

   في فتح مكة: قال الله تعالى: “لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا” (سورة الفتح آية 27). رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل المسجد الحرام وطاف بالبيت وعلم الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الخبر، فرؤيا الأنبياء وحي فشدوا الرحال وساقوا الهدي وساروا في شهر ذي القعدة يحدوهم الشوق إلى حج بيت الله والحنين إلى ديارهم التي خرجوا منها طلبا لله ورسوله تاركين الأهل والأموال.

   في الهجرة: أخرج البخاري رحمه الله عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هَجَر، فإذا هي المدينة يثرب. ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد. ثم هززته بأخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين”.

   في الجهاد: مثل الرؤيا المشهورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، حيث رأى نفسه في درع حصينة، ورأى بقرا تذبح، ورأى في سيفه ثلما(أي قطعا)، فأول الدرع بالمدينة، والبقر ما أصاب أصحابه يوم أحد، من استشهاد سبعين منهم، والثلم الذي كان في سيفه، برجل من أهل بيته يقتل، فكان سيدنا حمزة سيد الشهداء رضي الله عنهم.

7- هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعظم الرؤيا ويقصها؟   أخرج الإمام مالك رحمه الله في الموطأ عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: “هل رأى أحد منكم رؤيا ؟”، ويقول : “ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة”. سبحان الله! رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل يوميا مباشرة بعد الصلاة وفي المسجد ومع الصحابة رجالا ونساء عن الرؤيا الصالحة فتحكى في حضرته الشريفة، ويؤولها لهم بنفسه أو يستأذنه الصديق رضي الله عنه في تأويلها، أما المتنطع المكابر فتمنعه عقلانيته التافهة من الحديث عن الغيب في زمن المادة. وقد يدعي الإسلام والإيمان! هيهات!

   قال لي بعضهم: ينبغي ألا نحدث بالرؤيا الصالحة لأن الناس سيستخرفوننا! ويقولون لنا أنتم مناماتيون تهربون من مواجهة الواقع إلى ما يقع لكم في النوم!

   فحضرني قول الله جل وعلا: “يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله”، ثم تساءلت معه: هل يستخرفنا الجاهلون فقط بالرؤيا الصالحة أم أنهم يستخرفوننا لأننا نريد أن نحيا حياة إسلامية؟ ألم يقولوا لنا: أنتم رجعيون، ماضويون، نصوصيون، ظلاميون، إسلامويون… قال الله تعالى: “إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون”.

   ثم هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مناماتيا لما كان يعظم الرؤيا ويعمل بها؟ وكذلك الصحابة والتابعون والعلماء الربانيون؟ فانظر عمن تأخذ دينك ياغافل؟ قال سعيد حوى رحمه الله: “إذا كان يسأل أصحابه يوميا تقريبا عما إذا كان أحدهم رأى رؤيا إذا عرفنا هذا أدركنا جهل الذين لا يعطون للرؤيا أهمية” (تربيتنا الروحية ص 209).

   ولك أن تبصر بعينك وقلبك من الذي يواجه الواقع البئيس ويكتوي بناره ويقاومه ويسعى لتغييره؟ غير المؤمنين في العالم الإسلامي كله: المغرب والجزائر وتونس ومصر وفلسطين والعراق والشيشان وأفغانستان وإيران و…

   عجبا من سبهللة هؤلاء القوم! وهل تمنع الرؤيا في فهمهم الشقي من العمل والجهاد؟ أوليست تحفز وتنهض على الاقتحام والاستبشار؟

8- وهل كان صلى الله عليه وسلم يعمل بها أم يقصها فقط؟   1- رؤيا طفيل: عند أحمد وابن ماجة والدارمي رحمهم الله عن ربعي بن حراش عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها رضي الله عنهم “أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود فقال: من أنتم؟ قالوا نحن اليهود. قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرا بن الله. فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. فقال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر بها من أخبر ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قال: نعم. فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها. قال: لا تقولوا ما شاء الله وما! شاء محمد”.

   2- رؤيا الأذان: عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: “لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس ليضرب به للناس في الجمع للصلاة، أطاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به للصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت بلى، قال تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال : ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال: إن هذه رؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتا منك، فقمت مع بلال فجعلت ألقنه عنه ويؤذن به. قال فسمع بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد أُريت مثل الذي أُري، (أي رأى نفس الرؤيا) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلله الحمد” رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في الصحيح وابن حبان والضياء والبيهقي في السنن الصغرى والكبرى.

   3- رؤيا ليلة القدر: روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر: “أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر”.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “في هذا الحديث دلالة على عظم قدر الرؤيا، وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية، بشرط ألا يخالف القواعد الشرعية”، وقال في موضع آخر: “ويستفاد أن تواطؤ جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها، كما يستفاد قوة الخبر من التوارد على الإخبار من جماعة” فتح الباري12 /397″.

   تواطأت أي رآها مجموعة من المومنين قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح: فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح.

   وقد عمل سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام برؤيا ملك مصر كما سبق، “قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُون”. فتصور حجم تلك الرؤيا وفائدتها، وعلق عليها كما تشاء!

9- هل كان الصحابة رضي الله عنهم يتقاصون الرؤيا ويعبرونها ويعظمونها ويعملون بها؟ أم كانوا يحتقرونها ويعتبرونها من هامش الدين؟    لا شك أن الصحابة رضي الله عنهم وهم أفهم الناس لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتقاصون رؤاهم كل يوم كما كان الحبييب صلى الله عليه وسلم، وليس كما الناس اليوم، يعظمون الرؤيا الصالحة ويعتبرونها دينا من الدين ولا يستهينون بها، كيف لا يفعلون ذلك وهي وصلة بالغيب.

   قال الإمام الشاطبي رحمه الله: “عمل الصحابة رضي الله عنهم بمثل ذلك من الفراسة والكشف والإلهام والوحي النومي كقول أبي بكر: إنما هو أخواك وأختاك، وقول عمر: يا سارية الجبل، فأعمل النصيحة التي أنبأ عنها الكشف، ونهيه لمن أراد أنْ يقص على الناس وقال: أخاف أنْ تنتفخ حتى تبلغ الثريا، وقوله لمن قص عليه رؤياه أنّ الشمس والقمر رآهما يقتتلان فقال: مع أيهما كنت ؟ قال: مع القمر. قال: كنت مع الآية الممحوة لا تلي عملاً أبداً، ويكثر نقل مثل هذا عن السلف الصالح ومن بعدهم من العلماء والأولياء نفع الله بهم”. (الموافقات، ج2 ص 202).

   أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كان سيدنا أبي بكر الصديق إذا أصبح يقول: “من رأى رؤيا صالحة فليحدثنا بها”، وكان يقول: “لأن يرى لي رجل مسلم مُسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إلي من كذا وكذا”. البيهقي في كتاب شعب الإيمان.

   عمر الفاروق رضي الله عنه: في صحيح مسلم وفي مسند الإمام أحمد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “رأيت رؤيا لا أراها إلا لحضور أجلي، رأيت كأن ديكا أحمر نقرني على مقعد إزاري ثلاث نقرات، فقصصتها على أسماء بنت عميس (زوجه) فقالت: يقتلك رجل من العجم…” فخطب الناس يوم الجمعة وأصيب يوم الأربعاء”. وهنا نتساءل: كيف يعرف سيدنا عمر انقضاء أجله وكيف أنه أخبر الناس بدنو أجله وكيف رتب أمر خلافته من فوق منبر رسول الله يوم الجمعة بناء على رؤيا في المنام عبرتها امرأته؟ وما علاقة نقر الديك بالموت والاستشهاد..؟ وكيف أنه عمل بها دون تردد؟

   عثمان ذو النورين رضي الله عنه: عن نائلة بنت الفرافصة امرأة سيدنا عثمان بن عفان قالت: نعس أمير المؤمنين عثمان فأغفى، فاستيقظ فقال: ليقتلنني القوم، قلت: كلا إن شاء الله، لم يبلغ ذاك إن رعيتك استعتبوك! قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقالوا: تفطر عندنا الليلة. (مسند أحمد1 ص73).

   عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أخرج الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: “إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقصونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء. وأنا غلام حديث السن، بيتي المسجد قبل أن أنكح. فقلت في نفسي: لو كان فِيكِ خيرٌ لرَأَيْتِ مثل ما يَرَى هؤلاء”.

   أمنا عائشة رضي الله عنها: يروى أنها قالت: رأيت فيما يرى النائم كأن ثلاثة أقمار وقعن في حجرتي، فأخبرت بذلك أبا بكر فقال: خيرا رأيت، إن صدقت رؤياك، دفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن في بيتها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا عائشة هذا خير أقمارك، ودفن في بيتها أبو بكر وعمر.

رواه الإمام مالك 1/232 وابن سعد 2/293 والطبراني في الأوسط 6/266 والكبير 23/47 48 والحاكم 3/63 و4/437 وصححه، كلهم من طرق عن جماعة عن عائشة.

   عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فقال لي: “ادنه، فدنوت حتى قمت بين يديه، فرفع إلي بصره فقال: أما إنك ستلي هذه الأمة وستعدل عليهم”. وبالفعل كان.

   رواه نعيم بن حماد بإسناد صحيح، على شرط الصحيح، في كتاب “الفتن1 ص122” وابن سعد في الطبقات3 ص291.

   فقد كانوا رضي الله عنهم يقصون على رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤاهم فيعبرها لهم، ويربيهم على تعظيمها لأنها جزء من النبوة، وكلام من الله، قال صلى الله عليه وسلم: “رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبْد ربُّهُ في المنام”. أخرجه الطبراني عن عبادة بن الصامت بإسناد صحيح.

10- هل تحدث السلف الصالح من العلماء عن الرؤيا؟   بالطبع، ولا يمكن أن نحصي حديثهم، وإنما نذكر فقط:

   1- قال ابن الجوزي رحمها لله في حديثه عن مناقب الإمام أحمد رضي الله عنه: “حدثني أبو بكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربي وكان شيخاً صالحاً قال: نمت ليلة في رمضان فأريت في منامي كأني قد جئت على عادتي إلى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره، فرأيت قبره قد التصق بالأرض حتى بقي بينه وبين الأرض مقدار ساف أو سافين، فقلت: إنما تم هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث! فسمعته من القبر وهو يقول: لا، بل هذا من هيبة الحق عز وجل لأنه عز وجل قد زارني فسألته عن سر زيارته إياي في كل عام فقال عز وجل: يا أحمد، لأنك نصرت كلامي فهو ينشر ويتلى في المحاريب. فأقبلت على لحده أقبله ثم قلت: يا سيدي ما السر في أنه لا يقبل قبر إلا قبرك؟ فقال لي: يا بني، ليس هذا كرامة لي ولكن هذا كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم! لأن معي شعرات من شعره! ألا ومن يحبني يزورني في شهر رمضان ! قال ذلك مرتين”. ص 454.

   2- قال الإمام الشاطبي رحمه الله: “إنّ جميع ما أعطيته هذه الأمة من المزايا والكرامات والمكاشفات والتأييدات وغيرها من الفضائل، إنما هي مقتبسة من مشكاة نبينا، لكن على مقدار الاتباع، فلا يظن ظان أنه حصل على خير بدون وساطة نبوية، كيف وهو السراج المنير الذي يستضيء به الجميع، والعلم الأعلى الذي يهتدى به في سلوك الطريق. ولعل قائلاً يقول: قد ظهرت على أيدي الأمة أمور لم تظهر على يد النبي ولا سيما الخواص التي اختص بها بعضهم، كفرار الشيطان من ظل عمر رضي الله عنه، وقد نازع النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته الشيطان، وقال لعمر: “ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك”، وجاء في عثمان بن عفان رضي الله عنه “أنّ ملائكة السماء تستحي منه”، ولم يرد مثل هذا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما أنهما خرجا من عند رسول الله في ليلة مظلمة، فإذا نور بين أيديهما، حتى تفرقا، فافترق النور معهما، ولم يؤثر مثل ذلك عنه عليه الصلاة والسلام إلى غير ذلك من المنقولات عن الصحابة ومن بعدهم، مما لم ينقل أنه ظهر مثله على يد النبي عليه الصلاة والسلام. فيقال: كل ما ينقل عن الأولياء أو العلماء إلى يوم القيامة من الأحوال والخوارق والفهوم وغيرها فهي أفراد وجزئيات داخلة تحت كليات ما نقل عن النبي،… الخ”. (الموافقات ج2، ص197 ، 198).

   3- قال ابن تيمية رحمه الله في كتابه منهاج السنة: “القول بكون الرجل المعين من أهل الجنة قد يكون سببه إخبار المعصوم وقد يكون سببه تواطؤ شهادات المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: “أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت وجبت، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت وجبت، فقالوا: يا رسول الله، ما قولك: وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض”.

   4- وعند الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيِّئ.” وقد يكون سبب ذلك تواطؤ رؤيا المؤمنين فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لم يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها الرجل المؤمن الصالح، أو ترى له، وسئل عن قوله تعالى: “لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم” قال: هي الرؤيا الصالحة يراه! ا الرجل الصالح أو ترى له”. وقد فسرها -أيضا- بثناء المؤمنين فقيل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه، فقال: “تلك عاجل بشرى المؤمن”.

   5- رتب أحمد ابن تيمية لتلامذته وردا محدودا معدودا لم يؤثر عن رسول الله وإنما ورد أن بعض الصالحين  الشيخ الكتاني رحمه الله كما ذكره الإمام القشيري رحمه الله- رأى رسول الله فأمره به، قال ابن القيم رحمه الله: “سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: من واظب على يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الصبح أربعين مرة أحيى الله قلبه”. (مدارج السالكين ج3 ص 264).

   6- أورد الإمام الشاطبي في الاعتصام أن رجلاً رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال له: اذهب إلى موضع كذا فاحفره فإن فيه ركازاً فخذه لك، ولا خمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع، فحفره فوجد الركاز فيه، فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأن لا خمس عليه لهذه الرؤيا، وأفتى العز بن عبد السلام بأن عليه الخمس، وقال: أكثر ما ينْزل منامه منْزلة حديث صحيح، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو حديث “في الركاز الخمس”.

   7- ذكر الحافظ ابن كثير أنه “في صفر سنة 542 رأى رجل في المنام قائلاً يقول له: من زار أحمد بن حنبل غفر له. قال: فلم يبق خاصٌ ولا عامٌ إلا زاره، وعقدت يومئذ ثم مجلساً، فاجتمع فيه ألوفٌ من الناس”. (في النهاية12/ 323).

   8- وقال القاضي أبو بكر بن العربي: أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملَك أو نبي، وإنما القدر الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة لأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما. (فتح الباري 12ص365) …..

   9- قال ابن تيمية رحمه الله: “إذا نام الإنسان فإن له سببا تجري فيه الروح، وأصله في الجسد فتبلغ حيث شاء الله، ما دام ذاهبا فالإنسان نائم، فإذا رجع إلى البدن انتبه الإنسان فكان بمنزلة شعاع هو ساقط بالأرض وأصله متصلة بالشمس”. (الفتاوى ج 5 ص 456).

11- هل يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يظهر في اليقظة؟   “نعم”. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي”. فهذا الحديث صريح في أن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام لن يموت حتى يكرمه الله سبحانه بتحقق رؤياه. كما اتفق أهل القبلة على أن الأنبياء عليهم السلام أحياء في قبورهم، وأنهم ممكنون من مفارقتها، وبيان ذلك في ما يأتي:

   1- معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء عليهم السلام جميعا ليلة الإسراء والمعراج، ببيت المقدس، وصلى بهم، وكلم ببعضهم وكلموه في السموات، ومعنى هذا أنهم يفارقون قبورهم ويجولون في الملكوت.

   2- معلوم أن الشهداء أحياء في الجنة، وأن الأنبياء عليهم السلام -وإن قتل أكثرهم- أولى وأكرم من الشهداء، وأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فالأنبياء أحياء عند الله، يقتضي أن نقول بسياحتهم عليهم السلام في عالمي الملك والملكوت.

   3- في إثبات رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم في اليقظة ألف الإمام السيوطي رحمه الله رسالة نفيسة سماها: “تنوير الحلك بإمكان رؤية النبي والملك”، وهي مطبوعة ضمن كتابه الفخم: “الحاوي للفتاوي”، ومما جاء فيها: “فحصل من مجموع هذا الكلام والنقول والأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليه الصلاة والسلام عليها، لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال”.

   4- نعم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، لكن الله تعالى قادر أن يجري له الخوارق والمعجزات، حتى أنه قد يصل إلى ما لا تصله الملائكة، وقد حصل له ذلك ليلة المعراج لما لم يستطع سيدنا جبريل عليه السلام أن يصل إلى ما وصل إليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. وقال ابن الأزرق: “إن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تنقطع بموته”.

   5- سئل ابن حجر الهيتمي: هل يمكن الآن الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والتلقي منه؟ فأجاب بقوله: “نعم يمكن ذلك” الفتاوى الحديثية، وصرح بأنّ مجموعة من العلماء مثل: الغزالي (في الإحياء) والعز بن عبد السلام وابن البارزي وتاج الدين السبكي والعفيف اليافعي، والقرطبي وابن أبي جمرة (في الفتح). عدوا ذلك من كرامات الأولياء. (الفتاوى الحديثية ص 297).

   6- إن الرسول الله صلى الله عليه وسلم يرد السلام على كل من يصلي عليه باسمه، وإن أعمال أمته تعرض عليه كل اثنين وخميس، فما كان من خير حمد الله، وما كان من سوء استغفر الله. إذن هل يقبل القول أنه صلى الله عليه وسلم لا يطلع على أحوال أمته؟ أو أنه لا يرد علينا السلام إذا سلمنا عليه؟ سبحان الله! ما أغلظ قلوب المنكرين!

   7- قال الإمام القاضي أبو بكر بن العربي المعافري في “قانون التأويل”: رؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم، ممكن للمؤمن كرامة وللكافر عقوبة”. نقله السيوطي في “تنوير الحلك”.

   8- قال الإمام أبو عبد الله القرطبي المفسر الكبير: قال شيخنا أحمد بن عمر: “موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء ولا يراهم أحد من نوعنا، إلا من خصه الله بكرامة من أوليائه.” (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة 1 ص212).

   9- قال الإمام محمد بن محمد العبدري الفاسي المعروف بابن الحاج: “بعضهم يدعي رؤيته عليه الصلاة والسلام وهو في اليقظة، وهذا باب ضيق، وقل من يقع له ذلك الأمر، إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان، بل عدمت غالبا، مع أننا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم”. (في كتاب “المدخل 3 ص194).

   10- أورد الإمام الفقيه ابن عطاء الله الإسكندري في “لطائف المنن” رؤية النبي يقظ! ة بمناسبة حديثه عن كرامات الشيخ أبي العباس المرسي رحمه الله.

   11- قال الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني: “من رآه بعد موته وقبل دفنه، فالراجح أنه ليس بصحابي، وإلا لعد من اتفق أن يرى جسده المكرم وهو في قبره المعظم ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية وإنما هي أخروية لا تتعلق بها أحكام الدنيا”. (فتح الباري 7 ص4).

12- وماذا عن رؤية الملائكة؟   قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (في مجموع الفتاوى 12/398):

   – في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “قد كان فى الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن فى أمتي فعمر”، وفى رواية في الصحيح: “مكلمون”. قلت: من يكلمهم؟ هل غير الملائكة؟.

   – وقال تعالى: “وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي”، والحواريون ليسوا أنبياء، وقد أوحى الله لهم أن يومنوا به وبرسوله عيسى صلى الله عليه وسلم.

   – وقال تعالى: “وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه”، وأم موسى صلى الله عليه وسلم ليست من الأنبياء. فهل لا يمكن أن يرسل الله ملائكته إلا للأنبياء فقط؟ أم أنه عزت قدرته يفعل ذلك مع غيرهم متى شاء دون مشورة أحد؟

   – وقال جل وعلا: “وأوحى في كل سماء أمرها”، إذن ليس الوحي خاصا بالأنبياء. بل للأرض والسماء والنحل…

   – وقال عز وجل: “وأوحى ربك إلى النحل”، فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء.

13- لماذا تهتم جماعة العدل والإحسان بالرؤى؟   جماعة العدل والإحسان تلتمس بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام السيوطي رحمه الله في الجامع الصغير: “من أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة”. والذي يعرف الجماعة ويعرف رجالها ونساءها ويقرأ كتاباتها يعرف حرصها على الاتباع الدقيق والعناية التامة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلما يعرف علمية مواقفها في مقابل ضحالة من يقولونها ما لم تقله. فهي لا تخصص للرؤيا على أهميتها إلا موقعها من السنة النبوية. وأكثر الذين يعادون الجماعة ينقصهم اليقين مثلما ينقصهم العلم والأدب، ونحن نقدر ضعفهم لأنهم لا يفعلون ذلك في الغالب إلا لأن الجماعة بفضل الله ترفض الظلم الذي سكتوا عنه خوفا، وتعارض الظالم الذي يحتموه به طمعا. ولنكن على يقين تام بأن الله تعالى سينصر الصادقين من عباده ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وسيدفع عن دعوته تشويش الخراصين… ولمن كان في قلبه مرض نقول: ثقل ميزانك بالسب والشتم والبهتان… والموعد الله، الواحد الديان.

   روى الشيخان رحمهما الله من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب”.

   في زماننا، وفي أيامنا هذه استحوذ على النخبة المثقفة الحديث عن الحداثة المادية والعقلانية المجردة والعلمانية اللادينية، وأجمعوا أمرهم على الانتصار للمسلمات الدوابية التي لا ترى في الإنسان – المخلوق المكرم المبتلى- سوى دودة أرضية تلتهم الطعام والشراب ثم تفنى إلى مصير مجهول، ساعدهم فشو مظاهر الجهل من سحر وخرافة وشعوذة وتفسير شيطاني للأحلام على محاربة الإيمان بالغيب كلية. مثلما وافقهم بطالون سطحيون من بني جلدتنا يبيعون الدين بالتين.

   ألا إن ذكر الغيب في زمن المادة جهاد.

   والحمد لله رب العالمين.