انحطت المرأة المسلمة بانحطاط المسلمين. بدأ الانحطاط منذ تدهور نظام الحكم من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك عاض وراثي بمقتضاه ينتخب الوالد ولده و يعهد إليه أمر المسلمين يورثه إياه كبعض ما يُوَرَّثُ من المتاع. ولم تلبث المرأة أن أصبحت سلعة في السوق وجارية في القصور ومحظية وكما مهملا. حتى إذا جاء عصر اللاييكية عصر وكلاء الاستعمار يبشرها بأنها دخلت عصر الحرية لتكون كمثيلاتها الكاملات في الغرب سيدة جسدها انتحلت المغربات نحلة الغالب، فهن داعيات مناضلات بجنب حقوق الإنسان، أي حقوق المرأة في أن تنعتق من ربقة كانت فيها كما مهملا وسلعة.

كيف حصل هذا الانحدار درَكا دون درَك؟

لم تنحط المرأة وحدها، بل انحطت بانحطاط المجتمع، وانحط المجتمع بانحطاط الحكم وانتقاض عروته، وانحبس الفقه، وسد باب الاجتهاد، ودارت الفتوى في حلقة ضيقة مقلدة رابط في أركانها المركنة جهابذة العلماء للحفاظ على سائر عرى الإسلام أن تنتقض، ولصيانة الحياة في دائرة الشرع. وغفا العقل المسلم الذي كان ذات يوم رائدا في مجالات العلوم الكونية كما كان سابقا في فقه الشرع غفوته التي توشك أن تعقبها صحوة شاملة ونهضة عاملة وحرية حقيقية كاملة للمسلمة والمسلم.

مثالان على انحطاط المجتمع وحط المرأة وانحباس الفقه، مرتبطا ذلك كله بالمؤسسة العضية التي أباحت لحامل السيف أن يقتطع من البِلاد ما يدفعه لخلفه كما منقادا. المثال الأول الرق. والثاني عينيٌّ تاريخي.

والمثالان معا يعطيان صورة عن اشتباك شأن المرأة بشأن المجتمع بشأن الحكم. قضية المرأة المسلمة وقضايا المسلمين الأخرى شأن واحد. والحديث عن تحرير المرأة وإنصافها، وعن تاريخ بلائها دون ربط ذلك بالسياق التاريخي السياسي الاقتصادي الفقهي الاجتماعي فصل اعتباطي لما لا ينفصل.

الرِّق مدرسة لتخريج المومنين والمومنات. أسير الحرب وأسيرته لا يحشرون في معسكرات، بل يوكل شأن المرأة منهم والرجل للأسر المسلمة لتحسن إليهما، ولتؤلفهما بالإحسان، ولتحبب إليهما به الإيمان. “إخوانكم خولكم” كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. “النساء وما ملكت أيمانكم” آخر وصية له. وأمر صلى الله عليه وسلم من بيده عبد وأمة أن يلبسهما مما يلبس وأن يُطعمهما مما يَطْعَم.

وأمر الله عز وجل أن تحرَّر الرقاب بمناسبات تتعدد في حياة المسلمين. فالفُرص لتخريج أفواج من المومنين والمومنات كثيرة. يرجع الرجل المحرر والمرأة إلى ديارهما وقومهما يحملان دعوة الإسلام وينشرانها بعد أن عاشا في الكنَف الرحيم الذي عاملهم المعاملة الإنسانية الرحيمة وآواهم بعد قسوة الحرب إلى ظله الظليل.

تدعو المرأة المحررة والرجل إلى دين أحباه ودخلا فيه لما أحبا أهله وعايشاهم ورأيا منهم من الخير وحسن المعاملة والإحسان ما عوضهما عن الأهل وأنساهما ماضيهما.

في تسع مناسبات أمر الله عز وجل عباده المسلمين بتحرير الرقاب. ذُكرت الرقاب مرة واحدة في القرآن مقرونة بالضرب. وذكرت الرقبة والرقاب تسع مرات مقرونة بالتحرير.

تحرير الرقاب كفارة للقتل، و كفارة للظِّهار، وكفارة لليمين. تحرير الرقاب يخصص له نصيب من ثمانية أنصباء من الزكاة المفروضة على كل مسلم ومسلمة يملكان نصابا. وانظر كم يبقى من أسير في بلاد المسلمين لو طبقنا شرع الله بروحه ومقصده التربوي السامي ووسائل تمويله الهائلة ومناسباته المتعددة اليومية.

فك الرقبة أول دليل على أن المومن والمومنة قد أخذا في اقتحام العقبة. وتقرأ أخت الإيمان سورة البلد. وهنا دعوة مفتوحة مطلقة لتحرير الإنسان بمناسبة وبغير مناسبة. تحرير الرقبة قربة إلى الله تعالى وعمل صالح ونشر للدعوة وتزكية للنفوس المحرِّرَة والمحررة معا.

هكذا كان الهدف السامي. يشير إلى ذلك ويؤكده ويشرعه أن التحرير المعتبر شرعا المجزي هو تحرير الرقبة المومنة. المومنة لتحمل إلى الآفاق والأقوام دين الله، لا مجرد رقبة تتخلص من الأسر وتعود إلى كفرها وترجع إلى ديارها لتعزز جيوش العدو وملة الكفر.

هذا هو القصد السامي الشرعي القرآني. فكيف آل أمر الأرقاء المساكين إلى أن أصبحوا سلعة رخيصة في سوق النخاسة. وكيف تكيف الفقه ليواكب مصالح الناس لأن الأرقاء الذكور كانوا يدا عاملة مجانية، ولأن الجارية الحسناء بضاعة مطلوبة في الحريم؟ انحطاط لاشك. و يُسأل عنه أولا سكان القصور: هذا “الخليفة” له من الجواري خمسمائة للفراش، وآلاف من الوَخْش للخدمة. وذاك الغني أهدى لهذا الأمير مائة جارية. وهكذا.

المثال الثاني الذي يجمع في رمزية مركزة ملامح الانحطاط نأخذه من تاريخ ملوك الطوائف في الأندلس. ونتخذ الدكتور شلبي دليلا في كتابه “التاريخ الإسلامي”.

يمتد عصر ملوك الطوائف من سنة 422 إلى سقوط طليطلة سنة 478 ثم إلى سنة 484.

ملوك الطوائف نموذج للحكم العاض في أكثر صوره انحطاطا، وتمزقا، وضعفا، ومغالطة، وتمالُؤاً مع الكفار ضد المسلمين، وانقيادا مع الهوى. كان التفوق الحضاري للمسلمين الموروث عن زمن عزهم على عهد الدولة الأموية ثم العامرية مانعا من أن ينتحل المسلمون “نحلة الغالب”. لكن قاموس ابن خلدون تشرئب أعناق ألفاظه لتلتقم مجتمعا آئلا للسقوط.

يقول الدكتور أحمد شلبي عن عصر ملوك الطوائف: “عصر مليء بالاضطراب والفوضى والتناحر والقبلية الصارخة والأنانية الهدامة(…) و أصبح في الأندلس حوالي عشرين أسرة حاكمة”.

تفتت، وأنانية صارخة، وعلى كل مدينة ملك، وتناحر، وقبلية. لو زدنا أوصافا أخرى مثل “قومية” و”لبرالية” و”اشتراكية” و”لاييكية” و”تبعية اقتصادية سياسية” لحسبنا أننا مع الحكام الجبريين المعاصرين.

ينقل الدكتور شلبي عن مؤرخ يدعى “ستانلي لين بول” صورة لذلك العصر ولأولئك الحكام، ولتلك الدناءة، و لتلك الخيانة. يقول شلبي: “يصور لنا ستانلي لين بول هذا العصر تصويرا دقيقا فيه عظة لمن يتعظ، وفيه ضوء لمن يحب أن يعيش في النور.(…) قال: “تمزقت الدولة إلى إمارات صغيرة في الوقت الذي وحد فيه ألفونس السادس تحت إمرته استرياس وليون وقشتاله. وقد عرف ألفونس ما يجب أن يفعله تمام المعرفة، فقد رأى أنه لم يكن عليه إلا أن يمد حبله لملوك الطوائف مَدا كافيا ليشنقوا به أنفسهم”.

“لأن هؤلاء الجهلة لم ينظروا في العواقب، ولم يُعْنَوْا إلا بأنفسهم، ولم يتركوا جهدا دون أن يبذلوه لإضعاف منافسيهم. وكانوا يجثون عند قدمي ألفونس لاستجداء معاونته كلما ضعفوا عن مقاومة إخوانهم المسلمين. وتقربت كل الدويلات إلى ألفونس بتقديم الإتاوات”.

“وكان ألفونس يزيد فيها كل عام كلما زادت قوته لأنها ثمن عطفه وحمايته.(…)”

“وكان ألفونس يقدم خطوطه في كل فرصة، و يستولي على الحصون والقلاع واحدة إثر أخرى. حتى وثب وثبة استولى فيها على طليطلة سنة 478هـ. و قد أحدث بوثبته هذه فزعا كبيرا في صفوف المسلمين بإسبانيا”.

قلت: وكان سقوط طليطلة إيذانا بسقوط الأندلس كلها بعد مقاومة المجاهدين من المرابطين والموحدين من عدوة المغرب طيلة أربعة قرون.

الرمز من هذا المثال هو أن حاكم طليطلة “القادر” كان يحمل في يده عندما أخبروه أنها الهزيمة والرحيل أُسْطُرْلاباً يرصد به النجوم ليعرف الطالع السعيد لوقت رحيله. شعوذة وهزيمة وفُسولة وهِرَرَةٌ تحكي صَوْلة الأسد.

قل لي: والمرأة أين كانت في كل هذا؟ الجواب تقرأه في أشعار الغزل وأخبار الجواري والقصور. وتمر إلى أخبار الخيانة غير منفصلة عن أخبار المرأة.

فتقرأ في سجل الخيانة عن آخر ملوك الطوائف أبي عبد الله الذي باع كل المثل من أجل أطماعه الشخصية، وحارب أباه من أجل الملك، ووضع يده في يد حامييه وسيديه فِرْدِنَانْدْ وإيزابيلاَّ الكاثولوكية لإسقاط أخيه، وتصدت جيوشه لعمه. فلما انتصر النصارى ودخلوا غرناطة بعث بالتهنئة على النصر لفردناند.

وسجل عليه التاريخ خزي الدنيا عندما طرده فردناند. فبكى وفر إلى المغرب ليعيش متسولا مشردا. ولعذاب الآخرة أخزى وهم لاينصرون.