“فعلا ليس هناك جديد في المغرب”، أنقل هذه الجملة عن ندية ياسين في حوارها الشهير، الذي كان في الأسبوع الأول من شهر فبراير 2005، والذي من المنتظر أن تمثل بسببه، صحبة مدير “الأسبوعية الجديدة”، أمام هيأة المحكمة الابتدائية بالرباط، يوم 14 مارس 2006.

ولعل ما عرفته المتابعة القضائية، لكريمة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، من تطورات يؤكد بالملموس أنه لا جديد. قبل أن أبين ذلك، أسجل، ويسجل معي القارئ الكريم أن موعد المحاكمة لا تفصله إلا أيام معدودة عن اليوم العالمي للمرأة، الذي اعتاد العالم أن يحتفل به في 8 مارس من كل عام. فالدولة المغربية لم تجد من وسيلة للاحتفاء بهذا اليوم إلا مثول امرأة أمام المحكمة بسبب رأيها، وهذا ليس بالأمر الجديد فقد سبق للسلطة المغربية أن احتفت باليوم العالمي لحقوق الإنسان بطريقتها الخاصة، حيث ضربت واعتقلت وتابعت قضائيا، في نفس اليوم، جموعا من العدل والإحسان، اجتمعوا بطرق حضارية وسلمية للتعبير عن مظلوميتهم. وإلى يومنا هذا لا يزال هناك متابعون على إثر تلك الوقفات، التي نظمت يوم 10 دجنبر 2001، في مقدمتهم ندية وباقي أسرة ياسين.

متابعة قضائية بسبب الرأي، مما يعني تهاوي الشعارات والإشارات، فخنق الحريات يلاحق المغاربة، لا فرق بين عهد “قديم” و”جديد”، لا فرق بين مغرب الستينات والسبعينات ومغرب الألفية الثالثة. الفرق الوحيد، والذي لم يشفع لصاحبته عند من يخشون مجرد الكلمة، هو أن ندية لم تدع إلى عنف أو ثورة، بل قالت بالحرف الواحد في حوارها: “إننا ضد العنف سواء ضد المؤسسة الملكية أو الشعب المغربي”.

صَاحب المحاكمة، بل مهد الطريق إليها، تجييش بعض الأقلام والأصوات، لتكتب وتتحدث باسم الحرية والوطنية والتاريخ والديمقراطية والإسلام… وهو نفسه الأسلوب الذي ظن بعض الناس أنه انتهى بمغادرة البصري لوزارة الداخلية.

أما ما عرفته الجلسة الأولى لمحاكمة الأستاذة ندية، والتي كانت بتاريخ 28 يونيو 2005، فإنه يمثل دليلا ملموسا على أن دار لقمان لازالت على حالها فيما يتعلق بتبعية القضاء للسلطة التنفيذية، حيث اشترطت هيأة المحكمة على المحامين-50 محاميا ومحامية- تسجيل نيابتهم كتابة بكتابة الضبط، وهو إجراء غريب يشكل خرقا واضحا لقانون مهنة المحاماة، لأن هيأة الدفاع تسجل نيابتها أمام هيأة الحكم وليس أمام كتابة الضبط، ومسطرة التسجيل شفوية وليست كتابية حسب القوانين المعمول بها.

ومما سجله المتتبعون في 28 يونيو 2005 خرق علنية الجلسة. وكانت ثالثة الأثافي تأجيل المحاكمة إلى أجل غير مسمى. كل هذا العسف والارتجال يدل على أن القضاء في المغرب -على الأقل في بعض القضايا- لا هيبة له ولا سلطة ولا قرار، مما يعني أنه لا جديد، اللهم الأحكام القاسية ضد الصحافة المستقلة، والخرق السافر لضمانات المحاكمة العادلة في حق العديد من المواطنين… والتقارير الحقوقية الدولية والوطنية خير شاهد على ذلك.

وإذا كان من سمات العهد السابق أن “التعليمات مقدسة والقانون مسكين” فإن منع ندية من السفر مرتين، المرة الأولى إلى إسبانيا بتاريخ 14 يونيو 2005، و المرة الثانية بتاريخ 20 فبراير2006، لا يستند لأي قرار إداري أو قضائي، مما يؤكد استمرار “قدسية” التعليمات.

ولا جديد أيضا على مستوى اعتبار مصالح الناس، إذ يستمر التلاعب بهذه المصالح دون أي حماية قانونية. فالأستاذة ياسين منعت من السفر إلى ألمانيا، حيث كان من المقرر المشاركة في ملتقى دولي هام للحوار حول قضايا الفكر الإسلامي، ليصدر في اليوم الموالي، وبعد فوات الأوان، بلاغ من وكيل الملك، يقول أنها غير ممنوعة. إنه تلاعب، وضحك على الذقون، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك استمرار الأساليب القديمة.

توصل عبد العزيز كوكاس مدير الأسبوعية الجديدة باستدعاء لحضور محاكمة 14 مارس باعتباره الفاعل الأصلي، لذلك فمن المفروض قانونا أن تتوصل ندية هي الأخرى باستدعاء لأنها تتابع في نفس الملف، ولم يسبق للقاضي أن قرر أي فصل في المتابعة، إلا أنه ولحدود الساعة لم تتوصل ندية بأي استدعاء، وهذا أسلوب آخر من ألاعيب المخزن القديمة الجديدة بهدف التمويه على جماعة العدل والإحسان والرأي العام. خرق آخر للقانون. ولا نملك إلا أن نشفق على القانون المسكين في بلد التعليمات.

ففعلا يا ندية ليس هناك جديد في المغرب… فأنت تقصدين بالجديد ما يكرس العدل والحرية والكرامة وحكم القانون واستقلال القضاء… وتحددين الجديد في تغييرات جوهرية وليس في “رتوشات” شكلية… وتطلبين أن يكون الجديد واقعا ملموسا وليس شعارات تلوكها بعض الألسن… وإننا لا نرى لهذا الجديد أثرا، لكن اطمئني، فليس ذلك بعيد المنال على أصحاب الإرادات الحرة والذمم الصادقة والهمم العالية… ولعل من أهم الخطوات على الطريق أن نواجه الاستبداد مجتمعين لا متفرقين، وأن نقول بصوت واحد مع المهدي المنجرة “باراكا”، ونقول مع بعض المثقفين والسياسيين “لا لهوس القداسة”، ونتساءل معك حول ما يدعي بعض الناس أنها ثوابت لا تقبل أي نقاش أو انتقاد…

لكل جديده، وليس للأحرار جديد، إلا ما يكرس الاختيار الحر، بعيدا عن الوصاية والأبوية و”الشرعيات” الزائفة المزيفة.

وإننا لـ14 مارس منتظرون لنرى هل من جديد. والله وكيلنا وإليه المشتكى.