تستأنف في هذه الأيام مسرحية محاكمة الأستاذة ندية ياسين العضو القيادي بجماعة العدل والإحسان وكريمة الأستاذ عبد السلام ياسين، على إثر تصريحها لجريدة “الأسبوعية الجديدة” حول الوضع السياسي والنظام الملكي بالمغرب، مما يطرح من جديد حقيقة حرية الصحافة والإعلام بالمغرب، وموقع المعارضة المغربية خاصة جماعة العدل والإحسان من الحق في التعبير.

محنة الصحافة بالمغرب   لا يمكن لأي منصف أن ينكر تطور حرية الإعلام ولا اقتحامه لكثير من الطابوهات بفضل التحولات الدولية والتطورات المحلية التي فرضها التدافع السياسي والحقوقي، الذي قاده مجاهدو هذا البلد وأحراره، غير أن هذا التطور لا يسمح بالحكم على أن المغرب يتمتع بحرية الإعلام وحرية التعبير.

   إن الاستدلال على ضعف هامش الحرية الموجود بالمغرب لا يتطلب جهدا كبيرا، يكفي جرد الانتهاكات التي عرفها المشهد الإعلامي بالمغرب ليتحقق المراد.

   فقضية علي المرابط واعتقاله ومنعه من مزاولة مهنة الصحافة حدث صارخ في وجه كل الادعاءات والشعارات الرسمية المرفوعة. وقضية الأستاذة ندية ياسين وجريدة “الأسبوعية الجديدة” دليل على تكميم الأفواه وانتهاك حرية التعبير، وضيق حويصلة النظام عن سماع كل ما لا يرغب في سماعه. وملف “لوجورنال” و”تيلكيل” و”الأيام” ومحنة “الأسبوع الصحفي” … أمثلة على محنة الصحافة بالمغرب وعلى عجز النظام عن احترام حتى ذلك الهامش الضيق المصطنع من الحرية.

الجماعة والحق في الإعلام   لكن الحجم الحقيقي لحرية الصحافة والإعلام في أي بلد يقاس بشكل واضح وموضوعي بالنظر إلى مدى تمتع المعارضة الحقيقية في ذلك البلد بحرية التعبير والحق في الإعلام بمختلف أشكاله، وليس بأعداد الصحف والمجلات التي تمارس الرقابة الذاتية على نفسها، وتحترم قواعد اللعبة المخزنية.

   فإذا أخذنا على سبيل المثال تعامل السلطة مع جماعة “العدل والإحسان”، باعتبارها قوة معارضة، تتضح حقيقة حرية التعبير والإعلام بالمغرب. فكل المحاولات والمبادرات الإعلامية التي قامت بها الجماعة سواء في العهد القديم أو العهد الجديد أجهضت وتم وأدها بدون موجب حق ولا مسوغ قانوني.

   فإعلام الجماعة يتعرض مند الثمانينات إلى المنع والحجز والحصار والمحاكمات الصورية لرجاله حتى لا يخاطبوا الأمة ولا يقولوا كلمة الحق التي تحدد داء الأمة والمرض المستشري في جسمها والذي هو سبب كل آفة وانتكاسة.

   فمجلة “الجماعة” وجريدتا “الصبح” و”الخطاب” شاهد على محنة إعلام الجماعة في العهد القديم حيث حوصرت المنابر الإعلامية الثلاثة، واعتقل وحوكم مديرها وموزعوها، فقضى على إثرها الأستاذ عبد السلام ياسين سنتين سجنا بسجن العلو.

   وجريدتا “العدل والإحسان” و”الفتوة” شاهد آخر على محنة الصحافة في العهد القديم والجديد معا مما يبرز أن العهدين واجهتان لعملة واحدة، وأن الاستمرارية المخزنية هي الأصل مهما تنوعت أشكال المخزن وأساليبه.

   إن بشاعة انتهاكات حرية الإعلام والصحافة لا تكمن في المنع في حد ذاته بل في طرق وآليات وأساليب تنفيذه. فالمخزن يملك أدوات وآليات قانونية تمكنه من المنع والحجز، غير أنه لم يوظفها في منعه لجريدة “العدل والإحسان” وجريدة “الفتوة” بل آثر توظيف وسائل وأساليب موغلة في الوحشية والإجرام، حيث قام المخزن بتهديد أصحاب المطابع وشركات التوزيع لحملهم على الامتناع عن طبع جرائد العدل والإحسان أو توزيعها بما فيها مطابع الأحزاب. ولم يتوقف الأمر عند التهديد بل تعداه إلى تنفيذه بالسطو على المطابع وسرقة ممتلكاتها، واضطهاد الموزعين ومحاكمتهم. كما تم التضييق على الإخوة الصحفيين الذين حيل بينهم وبين أداء مهمتهم الإعلامية في كثير من الأحداث والمحطات، وانتهى الأمر ببعضهم إلى الاعتقال والمحاكمة كما حدث في العاشر من دجنبر وما سمي بحرب الشواطئ.

   إنه إصرار من طرف المخزن على حصار الجماعة وحرمانها من أي منبر إعلامي تعبر من خلاله عن آرائها وتصوراتها وتتواصل عبره مع الأعضاء والمتعاطفين ومع النخب وبقية الشعب. هذا الإصرار الذي لم يستثني حتى المواقع الإلكترونية للجماعة حيث تم منع الولوج إليها من داخل المغرب، ولم يتم التراجع إلا بعد شروع منظمة “مراسلون بلا حدود” في احتضانها لموقع “رسالة الفتوة” ضمن المواقع المحاصرة. هذا الإجراء الذي كان سيكسر المنع ويسمح بفتح الموقع من داخل المغرب، إضافة أنه سيحقق لمواقع الجماعة شهرة وتعاطفا عالميين.

الجماعة وحرية التعبير   إن انتهاك حرية التعبير في حق جماعة العدل والإحسان المعارضة لا يتوقف عند حرمانها من الحق في تأسيس جرائد ومجلات بل يتعداه إلى مصادرة حق أعضائها في التعبير للمنابر الإعلامية الوطنية والدولية عن آرائهم ومواقفهم من الفساد المستشري في هذا البلد المغتصب.

   ففي نونبر 1991 على إثر مقال نشر في المجلة الحائطية بجامعة القاضي عياض اعتقل صاحب المقال الأخ مبارك الموساوي بتهمة إهانة شخص الملك وحكم عليه بخمس سنوات سجنا نافذا كما اعتقل خمسة من رموز وقياديي طلبة العدل والإحسان بالجامعة، بتهمة توزيع منشورات من شأنها الإخلال بالنظام والأمن وقد تراوحت الأحكام بين سنتين وثلاث سنوات وغرامة مالية قدرها 151000 درهم في حق الجميع.

   وفي يوم 9 يونيو 2003 أقدمت الشرطة القضائية بأولاد تايمة على استدعاء الأستاذ عمر أمكاسو نائب الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، وعضو مجلس الإرشاد للتحقيق معه حول تصريح صحافي أدلى به لجريدة “مغرب اليوم الجديد” في موضوع قانون مكافحة الإرهاب نهاية شهر فبراير 2003، وأحيل على المحاكمة يوم 3 يوليوز 2003 بتهمة الانتماء لجمعية غير قانونية.

   وفي 20 أكتوبر 2003 على إثر استجواب أجراه الأستاذ محمد عبادي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان مع جريدة “الحياة المغربية” التي تصدر من وجدة، تم استدعاؤه للمثول أمام المحكمة الابتدائية بمدينة وجدة بتهمة الإخلال بالاحترام الواجب للملك، والمساس بالنظام الملكي، والتحريض بواسطة المطبوعات من أجل القيام بأعمال “من شأنها” المس بالسلامة الداخلية، وقد توبع في الملف كل من مدير الجريدة الأستاذ مصطفى قشني والصحافيين الأستاذ الميلود بوطريكي والأستاذ عبد العزيز جلولي.

   وفي نفس السياق أي سياق المنع نجد المخزن لا يتوانى في الضغط على القنوات الفضائية لمنعها من مشاركة قياديي الجماعة في البرامج الحوارية المباشرة عبر الأقمار الاصطناعية، فكثيرة هي المناسبات التي أخبر فيها بعض مسؤولي الجماعة بالمشاركة ليتم الاعتذار إليهم لاحقا.

   واليوم تتابع الأستاذة ندية ياسين بعد قرار وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط، يوم الخميس 9 يونيو 2005، بالمتابعة القضائية للأستاذة ومدير نشر”الأسبوعية الجديدة” والصحافيين اللذين أجريا الاستجواب وذلك بتهمة المشاركة في جنحة المس بالنظام الملكي والإخلال بالاحترام الواجب للملك، بسبب التصريح التي أدلت به للجريدة المذكورة حول النظام الملكي.

   إنه نفس السيناريو ونفس المسرحية يراد بها تكميم أفواه أعضاء الجماعة وبالتالي إخراس لسان القوة المعارضة بهذا البلد، كما يراد بها إرهاب الصحفيين والمنابر الإعلامية حتى لا تفتح صفحاتها لقياديي الجماعة، وإن كان ولابد فعليهم ممارسة الرقابة الذاتية وإلا فتحت عليهم أبواب الشر المخزنية.

   إن محاكمة الأستاذة ندية ياسين تأتي في سياق واحد منسجم مع خط المخزن الهادف إلى محاصرة الخطاب التحريري الإحيائي لجماعة العدل والإحسان. فلا يعتبر فعل المخزن فعلا طارئا عن سياسته المعهودة ولا ما أدلت به الأستاذة ياسين بدعة محدثة في خطاب جماعة كانت بدايتها كلمة عنوانها “الإسلام أو الطوفان”. فهو تدافع بين دعوة تريد لهذه الأمة التحرر والانعتاق حتى يسود العدل وتخضع القلوب والرقاب لبارئها سبحانه وتعالى وبين سلطة مستبدة تهدف إلى محاصرة الدعوة والحيلولة بينها وبين المستضعفين حتى يستمر الظلم والاستعباد.

   إن حرمان أكبر معارضة في البلد من الحق في الإعلام والتعبير سيبقى أبرز حقيقة تتكسر على صخرتها كافة شعارات الحرية كما تتكسر كل شعارات المصالحة والإنصاف على صخرة استمرارية الانتهاكات والاستثناءات التي تشمل جماعة العدل والإحسان وأعضاءها خاصة معتقلي الرأي المحكوم عليهم بعشرين سنة ظلما وعدوانا ومحاكمة الأستاذة ندية كريمة الأستاذ عبد السلام ياسين.