العقبة طريق صاعد وعر، أوعر ما فيه العقبة النفسية التي تعالج بفضيلة الصبر، وخطوات الهوى والشيطان طريق منحدر سهل مفض إلى الهاوية مباشرة في السُّفل.

ثم العقبة الخارجية الكونية وما تعج به من مغريات، وعدو متربص وخصوم وأصدقاء، وحاجات اقتصادية وصحية، وعوائق ترجع لتخلف المجتمع، وأخرى تنتج عنه وتتجدد.

والمرأة أمام العقبة المزدوجة بين باعث يدفعها لفعل الخير وخاذل يثبطها. الخاذل عميق الجذور في الفكر والعادات والفقه المنحبس التي رسخت في المرأة على مر العصور الانحطاطية الشعور بالدونية والعجز، وكسرت ثقتها بنفسها وبربها. بترت منها حاسة المسؤولية خارج نطاقها الضيق وأشغالها الخاصة وهمومها وآلامها وأميتها.

والباعث نداء الإسلام الأصيل، خفت صوته زمنا طويلا، وهو اليوم كلمة تسمعها المرأة ويسمعها الرجل فيصحوان ويسألان: ما العمل؟ وما الطريق؟

في الفقرة السابقة قرأنا أن نداء الله عز وجل للعباد ذكرانا وإناثا هو أن اقتحموا العقبة. واقتحامها “توسط شدة مخيفة”. اقتحامها جهاد وصعود وعر وضبط نفس وحملها على السير. اقتحامها صبر النفس بالمعنى الذي قرأناه. والوِجهة الله تعالى ورضاه، والجائزة الغرفة والتحية والسلام. والمعيار العقل والشرع. والشرع سبيل و منهاج. ما العمل؟

ما تغني المزايا والفضائل النفيسة والأخلاق التي يستبطنها عباد الرحمان إن لم تتحقق في عمل يتقبله الله. وهو سبحانه إنما يتقبل من المتقين. والمتقون هم جمع، رجالا ونساء، من المومنين )الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يومنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون(.(سورة البقرة، الآيات: 2-4)

افتحي مصحفك يا أخت الإسلام واقرئي من أول سورة البقرة. وانظري كيف تُسامت صفات المتقين أعمالا قلبية اعتقادية جوارحية ليتوجها ويطبعها بطابع الكمال اليقين بالآخرة. اليقين لا مجرد اعتقاد مضبب.

الموقنات بالآخرة والموقنون جادون لا يعبثون. فهن وهم يحتاطون أن لا تَحبَطَ أعمالهم، فيتقون الله لتُودَع لهم في سجلات القَبول. ثم إنهن وإنهم يتوخون أفضل الأعمال، فيجدون أنها الأعمال المرتبطة بالفروض الجهادية. واقرئي يا أخت الإسلام في سورة النساء قوله تعالى: )لا يستوي القاعدون من المومنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة. وكلا وعد الله الحسنى. وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة. وكان الله غفورا رحيما(.(سورة النساء، الآيتان: 94-95)

لو أصبح المسلمون فردا فردا على أتقى قلب واحد منهم، ولو اجتهدوا في الأعمال الصالحة الفردية ما اجتهدوا، ثم لم يؤلفوا قوة اقتحامية جماعية تكون المرأة فيها فعالة لفاتهم فردا فردا درجة الجهاد، ثم لفات الأمة ما فاتهم، ولترَدَّت الأمة بترديهم عن الدرجة العالية، ولتبدد حاضرها وضاع مستقبلها بتبدد إرادتهم و تشتتها.

ألِفنا فيما نقرأ من الأدبيات الإسلامية أن نتحدث كثيرا عن حال الأمة ومصيرها مفصولين عن حال المومنات والمومنين في الآخرة.

قوة اقتحامية لماذا؟ أولا لأنال أنا الدرجة عند الله. ما تربية الجماعة المقتحمة وتنظيمها وزحفها وانتصارها مما يعنيني في شيء إن لم يكن كل ذلك مما يقربني إلى ربي ليرفع درجتي عنده. هذا أولا وأخيرا. و أنا بعد ُحريص كل الحرص على إنجاح مشروع الأمة والنهوض بأعبائه. أحذر من مغاوي النفس أن يحبَط عملي لو اندفعت حميّة وحماسا هائجا.

يرسم منطق التقوى )وبالآخرة هم يوقنون(، ويرسم منطق الجهاد )وفضل الله المجاهدين( خطوط الطريق الصاعدة. فنستنير بالهدي النبوي لنتأكد من المنهاج التطبيقي بعد أن اطمأن قلبنا بما علمناه من كتاب الله تعالى أنها عقبة تقتحم.

المنهاج ما جاءت به السنة كما قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه وعن أبيه. وكلمة “منهاج” وردت في حديث نتخذه إماما، هو قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد بسند صحيح ينتهي إلى حذيفة: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.

قال الحافظ العراقي: حديث صحيح. فنحن على موعد إن شاء الله مهما طال الزمن و مهما تعسرت الطريق ومهما تعوصت الأسباب.

ونصل إلى الشطر الثاني من عنوان هذه الفقرة (نحلة الغالب) لنفحص فعل الزمن الماضي الطويل وما يعسر من طريق وما يعوص من أسباب. نفحص ونعمق البحث في العائق النفسي والعقبة الذاتية فينا أفرادا وفي الأمة جماعة. هذا أولا. لا أعني أن نوقف حركة الحياة وعجلة التاريخ وندخل في مصحة هادئة حتى نعالج أمراض نفوسنا ومجتمعنا. بل أعني الأسبقية الاعتبارية، والاهتمام المركز. والحياة متحركة، وعجلة التاريخ دائرة. وسط المعمعة لا خارجها. لا يستوي القاعدون والمجاهدون. تموت وتنتهي إن تخلفت عن ركب لا ينتظر.

عبارة “نِحْلَةُ الغالب” صاغها ابن خلدون رحمه الله وأودعها ملاحظته الثاقبة المشهورة التي تقول: إن المغلوب يقلد الغالب. ولنسمع كلامه.

قال رحمه الله في المقدمة: “فصل في أن المغلوب مولَع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”.

“والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقَر عندها من تعظيمه، أو لما تُغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقادا، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به”.

كلمات نتأملها لنكشف المداخل النفسية من تعظيم الغالب لقوته، ثم الانقياد له، ثم مغالطة النفس وإقناعها أن الغالب القوي أكمل، ثم رسوخ كل ذلك عقيدة، ثم انتحال جميع مذاهبه والتشبه به والاقتداء في الشعار والزي وسائر الأحوال والعوائد. ونزيد نحن: والثقافة والسياسة التابعة والاقتصاد الاستعماري وتبرج النساء وتفسخ الأخلاق. إلى آخر الأوبئة.

في فصل آخر من المقدمة يتحدث ابن خلدون رحمه الله عن “دين الانقياد”. يقصد بذلك ما تتوارثه الأجيال الرازحة تحت نِير الملك العاض والجبري من عادة الخضوع للحاكم، إلى أن يصبح ذلك الخضوع عقيدة راسخة متجذرة في النفوس، لا تنكر ولا تغير ولا تتحدث عن إنكار النفوس المتدينة لذلك الدين المتدنية المنحطة.

النِّحلة لغة الدين. فهما مرضان في جسم الأمة ممتزجان في مرض واحد: مرض موروث عن انحطاط قرون، ومرض طارئ هو ما أصابنا من الاستعمار. هما دينان يصبان في عقيدة واحدة: دين الانقياد ونحلة الغالب حسب تعبير حكيمنا ابن خلدون رحمه الله. مرض ونحلة ساكنان في جسم الأمة وعقلها ونفسها.

في أسفار التاريخ وفي ذاكرة الأمة سرد لما ارتكبه الاستعمار ويرتكبه من مخاز ومظالم وفظائع. يا لَلمسلمين والبوسنة في هذه الأيام الأليمة تعاني مالا يصفه القلم من عدوان مجرم!

تزول مع الأيام الآثار العمرانية الاقتصادية مما يجنيه الغالب في حق المغلوب. وتبقى الإصابات الذهنية النفسية الثقافية التي تخضع لها النفوس تتجرعها كرها، ثم تبررها مغالطة، ثم تتبناها تقليدا للنحلة الغالبة، ثم تصطفيها عقيدة ومذهبا ونمط حياة وأسلوب حضارة وغاية وجود. رواسب فينا متراكمة طبقا عن طبق.

مع الهوى الفردي ونزغات الشياطين يسكن في أعماق نفوس المسلمين مثبط التشبه وخاذل المماثلة. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من التشبه بالكفار في أحاديث كثيرة أوصلها بعض الحفاظ إلى ثمانين حديثا.

“نحلة الغالب” ميل من نفس المغلوب وانهزام، حتى ولو لم تكن للغالب خطة “لتنحيل” المغلوب. فكيف والاستعمار الحاضر له خطة واستراتيجية وتكتيك للغزو الثقافي الاقتصادي السياسي، ووسائل إعلامية مالية عسكرية!

كيف والغالب أصبح له بين ظهرانينا من بني جلدتنا خلفاء ووكلاء متشبعون ومتشبعات بمذهبه وعاداته وفكره. مخلصون ومخلصات لقضيته في صميم الأمر وإن كانوا وكن يدعون الوطنية والنضال لنصرة القوم!

عصرنة لاييكية قبل كل دين. هذا نداء الغالب يردده بين ظهرانينا الوكلاء والوكيلات. و يدعو الله ربنا إلى اقتحام العقبة، ويرسم رسوله صلى الله عليه وسلم المنهاج الواعد بالرشد للأمة والفلاح للمتقين. فما مكانة أخت الإيمان من القوة الاقتحامية، ما حظها من الجهاد؟ ما نصيبها من حمل العبء الثقيل؟