يعرف قطاع التعليم ببلادنا، مثل القطاعات الأخرى، أزمات خانقة على جميع المستويات… فقد كثرت الاحتجاجات في هذا القطاع وتنوعت، من مسيرات ووقفات واعتصامات، بل بلغت حد التهديد بالاحتراق، وغير ذلك من أساليب للتعبير عن رفض العاملين في هذا القطاع وخريجيه للسياسة المتبعة. فبعد أساتذة التعليم الإعدادي وخريجي سلك التبريز المداومين منذ مدة في اعتصام أمام مقر الوزارة الوصية وغيرهم، جاء دور هيئة المفتشين ليدخلوا ساحة المواجهة في مدينة الرباط بعد أن عبروا عن مطالبهم بكل الأشكال المتاحة لهم.

في هذه الأجواء المضطربة، وفي هذه الظروف المتدهورة، والتي لا تخدم مصلحة بلادنا، وإنما تهدر جهود العاملين في هذا القطاع الحيوي، أضرب أساتذة التعليم العالي العاملين في مؤسسات تكوين الأطر التربوية ثلاثة أيام من الأسبوع المنصرم (28 فبراير و1 و2 مارس) ويأتي هذا الإضراب الذي شل العمل في مؤسسات تكوين الأطر التربوية من المدارس العليا لأساتذة التعليم التقني، والمدارس العليا للأساتذة، ومركز تكوين المفتشين، بعد إضرابات أخرى سبق أن قامت بها هيئة التدريس في هذه المؤسسات احتجاجا وتنديدا بمشروع قانون جديد أخرجته الوزارة الوصية تريد من ورائه إقبار وتجاوز مراسيم تطبيقية للقانون 01.00 المتعلق بتنظيم التعليم العالي، والتي صادقت عليها حكومة تضم وزارات من بينها وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي في مجلس 22 يناير 2004.

ما الجديد في هذه المراسيم التي رفضها الأساتذة جملة وتفصيلا ورفضوا حتى مناقشتها؟

إنها تستثني المدارس العليا لأساتذة التعليم التقني، والمدارس العليا، ومركز تكوين المفتشين من قائمة مؤسسات التعليم العالي غير التابع للجامعات.”إن المشروع المذكور فضلا على أنه ارتكز على تبريرات واهية تتناقض مع واقع وحقيقة كل مؤسسات تكوين الأطر ومع روح القانون 01.00، فإنه ضرب في العمق مطلب توحيد التعليم العالي وشمولية الإصلاح الذي تنادي به نقابتنا، وينفي تماما عطاء هذه المؤسسات في تكوين أجيال من المكونين، ولا يراعي بتاتا مكانتها.

لقد جاء في رسالة موجهة لمكاتب الفروع الجهوية للنقابة من طرف كل المكاتب المحلية للمؤسسات التي مسها الحيف طلب للتضامن الفعلي، فكان رد أغلب الفروع الجهوية في الجامعات المغربية سريعا وإيجابيا، حيث عبر الأساتذة عن تضامنهم الكامل من قبيل: “وإن مجلس الفرع الجهوي لجامعة شعيب الدكالي بالجديدة إذ يؤكد لكم تضامنه الكامل وتثمينه لكل أشكال نضالاتكم بما فيها الوقفة الاحتجاجية المقرر خوضها يوم الأربعاء 01 مارس 2006 أمام مقر الوزارة الوصية” (بيان تضامني يوم 28/2/2006).

ومن الواجب التذكير بأن مشروع القانون الجديد لا يمس النظام الأساسي، ولا أي جانب مادي لهيئة التدريس في هذه المؤسسات. ورغم ذلك عبر الأساتذة عن استيائهم ورفضهم لأنهم لا يرون فيه مصلحة للبلاد ولا للعباد. باعثهم الغيرة على مصير التعليم بشكل عام، ومستقبل هذه المؤسسات بشكل خاص، واستنكار لما آلت إليه الأوضاع من ارتجال في التدبير والتسيير، وإهدار للطاقات، وتضييع الوقت في سن قوانين ثم التراجع عنها دون احترام وتقدير الأطر العليا العاملة في القطاع، والمتوفرة على كفاءة عالية وتجربة طويلة في الميدان. هذه السياسة الأحادية في التسيير والتدبير للشأن العام هي التي بوأتنا آخر الرتب في سلم التنمية البشرية في التقارير الدولية.

فأين النقابة الوطنية للتعليم العالي من هذا الصراع المصيري لهذه المؤسسات ؟

لقد أخبر ممثلو أساتذة هذه المؤسسات في أحد مجالس التنسيق القطاعي التابع للنقابة الوطنية للتعليم العالي بالأمر، حيث تمت قراءة هذا المشروع دون أن يتسلم الأساتذة نسخة منه للمناقشة أو المدارسة في جو تشاركي و”ديمقراطي”، كما يتغنى به في كل محطات هذه النقابة العتيدة. فأعرب الأساتذة عن رفضهم بوضوح تام مستندين إلى قرارات المؤتمرات السابقة وتوصيات الندوات المنظمة داخليا، لكن أعضاء المكتب الوطني يريدون من هذا المجلس شيئا آخر غير رفض الأساتذة بل كانوا يبحثون عن تبريرات لسياسة الوزارة في التعامل مع هذا الملف.

فلماذا لم يتبن المكتب الوطني هذه القضية العادلة؟

لقد تبين بعد هذا المجلس للأساتذة أن مصير هذه المؤسسات في مهب الرياح السياسوية والمصالح الفردانية. وإثرها تنظم الأساتذة بشكل مسؤول وحضاري وأسندوا مهمة التنسيق للجنة تضم الكتاب المحليين في هذه المؤسسات مع حرصهم على أن يكون النضال في إطار النقابة الوطنية للتعليم العالي. وجاء في البيان الصادر عن الجمع العام للمدرسة العليا للأساتذة بمراكش في إضراب يومي 14 و15 فبراير 2006: “وبعد استحضار تسويف المسؤولين في الوزارة والقيادة النقابية لفترة طويلة بمبرر يعزي تأخر المراسيم إلى بعض الصعوبات التقنية و المسطرية فقط، وبعد استحضار تجميد المكتب الوطني لجميع الهياكل النقابية لكي لا تساهم في إدارة هذا الملف المصيري والحساس رغم النداءات المتكررة من المكاتب المحلية ومكاتب الفروع…” (لينتهي البيان باستياء وإحباط وخيبة أمل): “إذا كنا بالأمس قد تعاملنا بحسن نية مع هذا الملف وفوجئنا بعد ذلك بتجاوز البلاغ المشترك الصادر في 14/02/2004 بين نقابتنا ووزارة التربية الوطنية، وبتجميد أشغال اللجنة الثلاثية الخاصة بإلحاق هذه المؤسسات بالجامعة، فإن الأساتذة واعون اليوم بحجم ما يحاك في الخفاء لأجل الإجهاز على هذه المؤسسات، ولن يسمحوا بالتالي بتكرار مسلسل التراجعات. هذا ويعبرون للجنة التنسيق الوطنية الخاصة بالمدارس العليا للأساتذة عن يقظتهم وتعبئتهم واستعدادهم الكامل للمساهمة في جميع الأشكال النضالية التي يمكن اتخاذها إلى غاية تحقيق مطالبهم العادلة، والمراعية لمصلحة الوطن العليا.” يحاك في الخفاء؟ ممن؟ ولماذا؟

لقد تخلى المكتب الوطني عن الدفاع عن مصالح وحقوق أساتذة التعليم العالي العاملين بهذه المؤسسات كما فعل مع أساتذة كليات الطب والصيدلة من قبل، والأساتذة الحاملين لشهادة الدكتوراه الفرنسية …هذا ما يجب أن ينتظره أعضاء نقابة ما عندما تصير هذه الأخيرة مقاولة تابعة للحزب والمناضلون سابقا مقاولون اليوم يجيدون المناورة في سوق المؤتمرات الكاسدة.

والمؤتمر الأخير للنقابة الوطنية للتعليم العالي دليل قاطع على هذا الكساد…كان فريدا من نوعه بحيث دام خمسة أيام عوض ثلاثة في سابقة لا مثيل لها، صادق المؤتمرون على تقرير أدبي بطريقة غريبة جديدة لا تمت “للديمقراطية” بصلة لكنها وسيلة ناجعة لضبط الزبناء المناضلين. وانتهى المؤتمر بعد ما نفذت كل أساليب “الكولسة” للخروج في اليوم الخامس بلجنة إدارية لا تمثل إلا حزبها، بعد ما انسحبت جميع التيارات خاصة الإسلامية، وغابت مصلحة أستاذ التعليم العالي في هذا المؤتمر بشهادة جميع المراقبين قبل الغيورين على التعليم العالي، وكانت النتيجة انتخاب أجهزة لا صلة لها بواقع التعليم العالي ومعاناته وإحباطاته اليومية.

إن الدرس النقابي المستخلص من الحركة التي قام بها أساتذة التعليم العالي في مؤسسات تكوين الأطر التربوية هو ضرورة التفاف جميع الفاعلين الفضلاء في كل ساحة نقابية من جميع الفئات وجميع التوجهات السياسية تحت سقف واحد لتدبير مصلحة القطاع في وضوح تام وتحت أعين الأعضاء الممثلين بشكل من الأشكال وفي ثقة متبادلة للحفاظ على ثقة من اختاروهم وحملوهم مسؤولية الدفاع عن مصالحهم، متحررين من الأوامر والتوجيهات الحزبية الضيقة التي لا ترى في النقابة إلا أداة للمقايضة والمساومة في أنظمة سياسية متخلفة.

إن العمل النقابي اليوم رغم ما حققه من مكاسب على الصعيد القانوني و التنظيمي، لا يزال حبيس فكرة تتجلى في المناورة والاصطدام والإقصاء على حساب مصلحة العاملين في هذا القطاع أو ذاك وعلى حساب الثقة والكفاءة والمردودية والتنافس الشريف، وسبب ذلك كله العلاقة التي تربط العمل النقابي بالعمل الحزبي في بلادنا وهيمنة المصالح الشخصية على النضال الشريف.

إن العمل النقابي اليوم في بلادنا مطالب بأن يتحرر من هذه الدوافع والبواعث الرخيصة، وأن ينتفض ضد الرواسب المستوردة والغريبة عن مبادئنا الإسلامية. مستنيرا بقول الله تعالى: “وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (الآية 3 من سورة المائدة). إن العمل النقابي بر لأنه عمل إنساني وشريف، عمل طيب صالح إذا أريد به رضا الله تعالى والدار الآخرة ثم خدمة المسلمين وطمأنتهم على مصالحهم لينصرفوا لعمران بلدهم وبناء مستقبل أبنائه، وإذا أضيفت إلى هذه النية الحسنة حسنة التقوى و السعي والتعاون لتوفير الظروف أثناء العمل وقبله وبعده لعبادة الله تعالى، ومعرفته، والخوف من عقابه، والطمع في رحمته، كان ذلك سعيا حميدا وجهدا محصنا من دوافع الأهواء والنفوس التي تسعى للرئاسة والظهور تلبية لمصالحها الشخصية أو الفئوية الضيقة بغير حق.