إنما يتقبل الله من المتقين (سورة المائدة، الآية: 29)

هكذا أجاب ابن آدم المحسود أخاه الذي هدده بالقتل غيرة وحسدا لما تقبل الله قربانه ولم يتقبل من أخيه، كما قص الله تعالى علينا قصتهما في سورة المائدة.

ثم قتل أخاه فكان من الخاسرين. خسِر نَفسه كما خسرها أصحاب النار الذين قال الله تعالى فيهم: )قد خسروا أنفسَهُم(.(سورة الأعراف، الآية: 52)

تطغى على أبناء الدنيا وبناتها أنفسهم، يتحكم فيهم الهوى ويمسك بزمام إرادتهم ليقودهم إلى الهلكة الأبدية والخسران المبين. نفسهم أهلكتهم، هواهم/أسقطهم في مهواة. خسروا أنفسهم لما آثروا النزوات واستجابوا للغرائز السافلة الدنيا معرضين عن النداء الأعلى إلى الله و إلى الأخرى.

قال الله تعالى: )فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى(.(سورة النازعات، الآيات: 37-40)

الصنف المفلح الرابح هم الذين ينهون النفس عن الهوى، تقودهم إرادتهم الصامدة في وجه الهوى، يزَعُهم الخوف من مقام ربهم. ولهم الجنة في الآخرة. ولهم بها الوعد والبشرى. وهم المتقون الذين يتقبل الله عملهم. يُقَدِّمهم على غيرهم صالح الإيمان وصالح العمل وثابت العزم لا النزعات الساقطة الخسيسة.

وعد الله المتقين الحسنى وعده الحق سبحانه : )أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها. حسُنت مستقرا ومقاما(.(سورة الفرقان، الآيتان: 75-76) الغرفة الجنة، أعالي الجنة، أعلى مقام في الجنة. من أحلى ما فيها التحية والسلام من ملائكة الله الذين يدخلون عليهم من كل باب. أعلى ما فيها من نعيم النظر إلى وجه الله الملك الوهاب.

لا مكان في تلك المقامات لإماء الهوى وعبيد النفس الهابطة. إنما المستقر والمُقام لعباد الرحمان، وهم المتقون.

صفتهم البارزة التي نالوا بها الجزاء السني والمقام العلي هي الصبر كما قرأنا في الآية الكريمة: )يجزون الغرفة بما صبروا((سورة الفرقان: الآية: 75) وتحية الملائكة لهم كما جاء في آية أخرى: )سلام عليكم بما صبرتم(.(سورة الرعد، الآية: 25)

هذا الصبر الذي هو أبو الفضائل وأمها ما هو؟ قال أئمة اللغة: “الصبر الإمساك. والصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه”.

الصبر صبران إذاً: صبر على وصبر عَن. “صبر عن” هو الإمساك عن ما يقتضي العقل والشرع الإمساك عنه. و”صبر على” هو حمل النفس وإرغامها وإن كرهت على أفعال وأخلاق وعبادات وأقوال يأمر بها العقل والشرع.

نهي النفس عن الهوى يشبه زجر الدابة ومنعها من علفها. وذاك هو الأصل اللغوي لفعل “صبر”. قالت العرب: صبرت ُالدابة أي حبستها عن العلف.

هكذا نرى أن معالجة النفس وزجرها عن اتباع الهوى وعن زلقات الغريزة وخُطْوات الشيطان وحملها على الطاعات لله عبودية له وخوفا منه وتصديقا بوعده هي الخصلة التي تدور عليها سعادة المرء وشقاؤه، خسرانه أو فوزه.

جاء وعد الله عز وجل للمتقين الذين صبروا بالغرفة والتحية والسلام في أواخر سورة الفرقان، بعد سرد صفات عباد الرحمان )والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما(.(سورة الفرقان، الآية: 74)

انظري يا أخت الإيمان في مصحفك من الآية 63 من سورة الفرقان، وادرسي وابحثي في التفاسير وناقشي مع المومنات صفات عباد الرحمان، وتعلَّمي أن كتاب الله تعالى جاءنا بلسان عربي مبين، والعرب تخبر بصيغة المذكر عن الجمع من نساء ورجال. تغليب لغوي فقط. وعباد الرحمان هم النساء و الرجال الذين اكتملت فيهم الصفات الخلقية الصبرية الواردة في الآيات الكريمة. تحكّم الرجل والمرأة في الهوى هو المعيار لا الجنس.

والسعادة الأخروية لا يحتكرها من يدعيها من المترهبين. هاهم أولاء عباد الرحمان مستقرين أزواجا في أسرتهم مع ذرياتهم. من فضائلهم الحميدة وأخلاقهم المجيدة وعباداتهم الرشيدة أنهم يدعون ربهم هنا في الدنيا )يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما(.(سورة الفرقان، الآية: 74) يقوله الزوج الرجل وتقولها الزوج المرأة. والذرية الصالحة والوُد بين الزوجين سعادة تبدأ من هنا في الدنيا قرةَ عين. قرة العين غاية السرور. والذي يفرح له المومن وتفرح المومنة فوق كل شيء الاطمئنان إلى أنهما وذريتهما سائران في طريق السعادة الأخروية.

كيف اكتساب الفضائل الإرادية القوية الممانعة للهوى المتحكمة في النفس وفي وجهة السير. بعبارة أخرى كيف السبيل إلى السعادة؟ وهل الصبر يُسعد خارج الإيمان؟ هل هو فضيلة بشرية في الفِطر كلها أو هو والإيمان كسب وتربية؟ كيف يتجدد الإيمان وكيف يبلى، كيف يزيد وينقص؟ كيف تتدرب الإرادة وتقوى؟ كيف تنهى النفس وتصرف عن الهوى؟

أسئلة جوهرية يأتي البحث فيها إن شاء الله.

ونتأمل هنا طريق السعادة التي يسلكها المتقون عباد الرحمان. إنها طريق شاقة. إنها عقبة. إنها امتحان وابتلاء. إنها بكل المعنى الثقيل ثقلا بليغا لكلمة “صبر”. إنها مسؤولية. إنها قوة. إنها إرادة. إنها اقتحام. و كلمة اقتحام تحمل معاني جِساماً. قال أهل اللغة رحمهم الله: “الاقتحام توسُّط شدة مخيفة”.

في سورة البلد دعوة ملحة من الله عز وجل للإنسان ليقتحم العقبة. دعوة للإنسان ذكرا وأنثى. وقد تحدثنا في غير هذا المكان عن فهمنا للعقبة واقتحامها. فنعود إلى الدلالة اللغوية لكلمتي “صبر” و”اقتحام”، و لمقتضيات الصبر والاقتحام في عالم يفور ويثور ويمور. والأخت الصالحة مدعوة لكسب الفضائل ومقاومة الرذائل وامتلاك القوة الإيمانية الإرادية لتَرقَى صعُدا في معارج الكمال الروحي والكمال العلمي والكمال الخلقي والكمال الجهادي.

قدمنا في هذه الفقرة الأولى من الفصل الأول الحديث عن القوة الذاتية للمومنة والمومن لأن القوة الذاتية في خوض معركة الإسلام ضد الجاهلية هي العامل الحاسم. لأنها الشرط في تنزل نصر الله. أقصد بالقوة الذاتية قوة الإيمان الفاعلة المعزَّزَة بأخلاق الإيمان وإرادة الإيمان المتوجهة الوجهة المرضية عند الله، الواعية بصعوبة الطريق السعادي ووعورتها وعقباتها، السخية بالمال والنفس تبذلهما ثمنا بخسا لجزاء الغرفة والتحية والسلام والنظر إلى وجه الله الكريم.

وفي عشرات الصفحات التالية. إن شاء الله مجال فسيح لننظر في حاضر الإسلام والمسلمين، وحاضر العالم، وعقبات الواقع، ومغريات الهوى، ومسالك خطوات الشيطان، ومشاكل السياسة، وعويصات الاقتصاد، وتردي وضعية المرأة والرجل، وواجبات النهوض بالمسلمين، وملامح مستقبل تنذر بوادره بمعارك ضارية لابد للمسلمين والمسلمات من خوضها.

نقع في أُحموقة من الجهل بديننا إن نحن وقعنا في بسط مشاكل العالم حاضره ومتوقَّع مستقبله ساكتين عن الجوهر. والجوهر الجوهري هو معرفة إلى أين يسير هذا الذي ينطق بالإسلام، وهذه التي تهتف بحياة الإسلام، وهؤلاء الذين يرفعون الشعارات الإسلامية، ويعنفون أو يتسيسون، ويساومون أو يستعصون، ويقاومون الطاغوت الحاكم في بلاد المسلمين ويصانعون.

تلك وذاك وهؤلاء ما يحركهم؟ ما منتهى علمهم بالله؟ ما حقيقة إيمانهم؟ وما التربية التي تلقوها وأداروها فيما بينهم؟

أحموقة في الدين، وجهل بمعنى الجهاد، وتخل عن السلاح، وخوض في الباطل إن نحن قاومنا الطاغوت الخارجي و فينا، في نفوسنا، طاغوت الهوى يصول ويجول، لا ندري كيف نعالج سطوته، بل لا نعي أيَّ شيء يستبد بنا: أهو الغضب لله والاستجابة لنداء الله، أم هي غريزة الدفاع والمقاومة والتكتل ضد الظلم التي يستوي فيها الناس على صعيد الوطنية والإديولوجية والقومية؟

يهدد وِجهتنا وخلوص إرادتنا التسطح المُعدي مع النظراء والخصماء والأمثال والأضداد. في ميدان الاجتماعيات تتربص بالمومنات والمومنين دواعي القعود. في ميدان المواجهة تتربص بهما منازعة الأعداء والخصوم: تقرع ويقرع، يفعل وترد الفعل. فلا تشعر يوما إلا وقد طرحت فكرك وحدت عن وجهتك وتبنيت أسلوب الآخر واصطبغت بصبغته ولبست لبوسه.

قوم يريدون تغيير حال المسلمين بحمية. نساء فُجعن بفظاعات البوسنة والهرسك. طالبة تحجبت حماسا. أخرى تأثرت بموعظة. واحدة مات قريبها فانزجرت أياما وتخشعت.

مساكين هم، مسكينة هي: زارهم وزارهن طيف توبة لم تتحقق. واحدة ما فتحت المصحف، أخرى سمعت آيات الله تعالى تتلى فما وجِل قلبها ولا ازداد إيمانها. والكل يجري في تباشير الفجر الإسلامي على الأصوات العديدة للصحوة الإسلامية المباركة.

إلى أين و كيف؟ ما إرادتك وما قدرتك على الاقتحام؟ هذا أولا. والحمد لله الأول والآخر.