أية وسائل؟

   من معاني قيام المومنين بالشهداء لله انتصابهم كأمة نموذجا للأمم قويا محبوبا، ومن مقومات القوة توافر الوسائل المادية وتدبيرها التدبير الحكيم، أي أنه لابد من اقتصاد قوي يكون القاعدة المادية للأمة الإسلامية.

   المواد الأولية والمال وفيران في أيدي المسلمين، رغم أن التوزيع يتراوح بين البؤساء العالة على الإحسان الأممي في بنغلاديش وبين البذخ في دول البترول، يتجاوب الفقر المخزي والترف الفاضح من صحراء القوميات الإسلامية، وتتهاطل الدولارات كما يتهاطل النسل المبارك إن شاء الله فيضغط المال الوفير في اتجاه تصنيع مصنوع مشتري جاهز ومعه ضرورة انقسام الأمة الإسلامية إلى مالكين متخمين في منصات القرار الحاكم وإلى سواد متعاظم من الأجراء، ويضغط تهاطل بني آدم في اتجاه مطالبة تلح أكثر فأكثر على العدل الاجتماعي وتصبو إليه مهما كانت الوسيلة.

   يعني هذان المال والتضخم الديموغرافي يجريان بنا إلى استقطاب طبقي بين دولة إسلامية ودولة وداخل هذه الدول واحدة بواحدة، والاشتراكيون يحبون هذا ويعلمون أن كل ما يخدم استقطاب الطبقات الاجتماعية يفسح لهم الطريق كي ينفخوا في مناخر الأجيال المحروسة حميم الثورة ولهب الكراهية، والمال لا يزداد إلا تهاطلا والنسل كذلك، فإما أن يقتسم هذا المال وينفق على إحياء الإسلام حقا، وذلك ينتشل الذرية الكثيرة المباركة، بإذن الله، من مخالب الكفر، وإما ينفق أقل القليل منه على بناء بضعة مساجد وتوزيع آلاف من المصاحف وبتلف جله على موائد القمار وفي مواخير البلاد السياحية .. وعندها ستتعلم الذرية المباركة، إن شاء الله، أي إسلام يعرض في واجهات القوميات الآيلة للإفلاس.

   ثم لا بد من اختراع اقتصاد نظيف لا يلوث الإنسان، معناه ! ولا جسمه، وإن الطريق العسير جدا يبتغي منا تضامنا وتقللا ووقوفا جماعيا، نحن المسلمين المتفرقين كثيري العدد، في سوق المساومة، على النظام الاقتصادي العالمي، لكي ترسى قواعده على حسابنا.

   إن إقامة اقتصاد إسلامي قوي يريد بناء رجال يستطيعون أن يستقلوا لنا بالتكنولوجيا بعد أن يحذقوها، ويقوموا لنا بمعاناة التخطيط أو التنفيذ الاقتصاديين، ولا يمكن إنهاض رجال من ذلك المستوى لمثل تلك المهمة إن لم ينهض بنا جميعا روح إيماني قوي، إن لم يتجدد إيماننا وتتجدد يقظتنا بحيث نتطهر من رجس الجاهلية فنتعلم منه الحكمة ولا نلقف منها العادات الاستهلاكية، لن يغني عنا شيئا تكديس المعامل الجاهزة في بلادنا بل سيزيدنا ذلك تبعية لأعدائنا.

   ما يجمعنا وما يفرقنا؟ فرضت علينا نكبات ماضية جنتها أيدينا أن نتفرق من أمة إسلامية واحدة قوية إلى دويلات متنافرة، وما أفقنا إلا على صعقة أعدائنا بنا طورا بعد طور منذ عهود القتال وأهم النكبات نكبتنا في ديننا من جراء الاستعمار الذي وطد للكافرين في بلادنا فلم يغادروها إلا بعد أن مسخوا ذممنا وزرعوا الفكر العلماني الملحد في أجيالنا، فهو احتلال لا يزال مستمر في أعمق الأركان من كيان عقول قادتنا للطبقة السياسية.

   فبين القوميات، وهي الصيغ الجاهلية التي تكرس حرقتنا، خصام محتدم وعراك وقتال، وفي داخل كل دولة من دولنا الإسلامية افتراق في مستوى الفكر ومستوى المعاش، وافتراق في الإرادة والشعور، فالشعب المستضعف فقير جاهل لكنه يشعر شعورا راسخا بانتمائه للإسلام، والطبقة المتعلقة في الطرف الآخر تنعم بالأرزاق لا تحس بأن الشعب يوطأ تحت النعال.

   دولنا الصغيرة متفرقة بانتمائها لهذا المعسكر أو ذاك من معسكري الجاهلية، وهي تصطف حماية لمصالحها، وتحت قهر الروادع السياسية والاقتصادية وإغراء المغريات حيث تأمر الدولة المهيمنة من الدولتين الجاهليتين، فإرادة الحليف الولي الجاهلي تتصرف، ويلاتنا قليلا أو كثيرا، لذلك ترى خصوماتها القومية فيما بينها تفتر أو تشتعل بحسب تحرك الذين يمسكون خيوط هذه الدمى العملاقة.

   دولنا تحت هذا الضغط والتضاغط بين الأمتين المسيطرتين على العالم لا وقت لها ولا قسمة لتفكر وتنفذ وحدة بين المسلمين مخططة متدرجة، كل دولة تدعي حبها للوحدة بين المسلمين لكنها غير مستعدة لبذل ما يقتضيها الموقف من تأن وتسامح وتنازل عن الإديولوجيات المفرقة، الإسلام وحده والشعور بالأخوة الإسلامية التي ينبض بها قلوب هذه الملايين الجمة هو الجامع لشتاتنا في عالم الواقعيات القومية، وإن رجال الدعوة هم دعاة وحدة بين المسلمين، فمتى بلغت الضرورات الاقتصادية غاية حدثها وعزم رجال الدولة على التفكير الجدي في الوحدة الإسلامية العامة التي لا تخصص عرقا دون عرق فسيجدون رجال الدعوة أسبق للعمل على التوحيد، إننا معشر الشعب المستضعف نشعر بالأخوة والوحدة عبر هذه الحدود القومية مع كل من له غيرة على دين الله ومع كل نبضة إسلامية وتحرك إسلامي.

   لكن لا بد لرجال الدولة ابتداء من أقاليمهم الحالية أن يبدأوا بتحقيق العدل ويحملوا الناس على جادة الشريعة الواحدة، إن الشعب المستضعف المسكين يئن تحت ظلم الطبقية الظالمة، وأنه لابد من توحيد الأمة في الأرزاق في حيز الدويلات القومية وعلى مستوى التناسب في الرخاء بين الدويلات بعضها مع بعض إن لم يكن العدل بالإسلام فسيدفع الشيوعيون بكل قواهم ليقع التمايز الطبقي ثم ليحتدم الصراع الطبقي، فأنتم تعرفون استراتيجيتهم، أي تخطيطهم الحربي.

   لا ننكر وجود طبقات، بل إن الغريب أن يتأخر الوعي الطبقي كما يريده الإيديولوجيون الحمر رغم تأجج الكراهية في قلوب المحرومين فرادى فرادى، هذه الكراهية تتجمع الآن بسرعة ويذهب وفودا لها ما تبقى لنا من دين، إننا الآن مجتمعات كراهية وإن دعوة الإسلام دعوة محبة، لكن لا محبة إلا بمحو الفروق الاجتماعية في الأرزاق وفي فرص التعلم والصحة والأمن.

   الكراهية تولد الخوف، والخوف يولد الحرب الأهلية، والحرب الإقليمية، والحرب العالمية، فدعوتنا إلى الله دعوة محبة أي دعوة أمن وسلام داخل مجتمعاتنا الإسلامية وعلى العالم.

   لا نطلب من العالم إلا أن يعترف بوجودنا وأن يقبل أن لنا قانونا نقدسه ونحكم به، وبعد ذلك لا ناقة لنا ولا جمل في نزاعات عملاقي الجاهلية، وبهذا فالإسلام إذ يأمر بالعدل الاجتماعي بين أفراد الدولة الواحدة يساهم في محو دواعي الكراهية ويمهد للسلام العالمي.

   أي سلام اجتماعي يمكن ما دام الرأي يستبد به زعيم ثوري تقدمي غذي بالماركسية، بنوع منها قومي أو ببديل لها تحت طلاء إسلامي، أو يوزع على أحزاب ضمن اللعبة الديمقراطية العتيدة؟

   إن أفكار المستبدين من زعمائنا تتراوح بين فكر أمثال العبد الخاسر وجنون من هم على نهجه، وإن الأحزاب السياسية متنازعة نزاعا لا علاج له، أولئك وهؤلاء لا أمل في تجاوب الشعب معهم لبعدهم عن الإسلام وتنكرهم له أو لعبهم به شعارات منافقة، وما منهم إلا من يزايد دعاوي التقدمية لكيلا ينبعث له منافس أكثر تقدمية وأعنف حركة وأعلى صوتا، إن هذه الأحزاب وأولئك الزعماء يزيدون الأمة تفرقة، وفي مغربنا دعاة للتحزب القبلي يعمقون الفلسفة العرقية ويغنون بمجد الأجداد، دعاوي جاهلية تجد في تيار التقدمية مطية لتلعب بالعقول وبمصير الأمة.

   إن قضية الإسلام قضية واحدة، وإن الحل الإسلامي حل واحد، مشاكلنا متعددة متفرقة بتفرق الأفكار وتفرق الإرادات، والذي يجمعنا هو إرادة الشعب المسلم الواحد وشريعة الله الواحدة.

   فمن يمثل هذه القضية السامية العامة الواحدة؟

   إنهم رجال الدعوة المتحدون على الغاية، لا عبرة باختلافهم الراهن لأنه في الأسلوب والمذهب، أما خلافنا مع الأحزاب القومية فخلاف جوهري لأن غايتهم، إن سمت، لا تعدو قيم المروآت، وإن هبطت فإنما هي تخريب صرف وضلال صرف.