لا يزال الجميع ينتظر ما سيؤول إليه أمر الرؤى والمبشرات، التي قامت لها الدنيا ولم تقعد، ولا تزال “العدل والإحسان” في الواجهة، رغم أنف من آمن وصدق بأن التاريخ انتهى. وفي انتظار أن تتحقق البشرى، نتحدث عن بعض الخرافات التي افتضح أمرها على يد رواة تلك البشارات.

قبل الحديث عن تهاوي الخرافات أمام المبشرات، لا بد من الإشارة إلى خرافتي الحقيقة والإنصاف وحرية التعبير والتي ظهر للعادي والبادي أنها مجرد علك للمضغ، يمكنها أن تفعل أي شيء إلا أن تكذب ما نراه من استثناء مقصود لتنظيم جماعة “العدل والإحسان”.

فالاثنا عشر طالبا لا زالوا في السجن لم ترهم عيون مخرجي “الحقيقة والإنصاف”، والأستاذة نادية ياسين ممنوعة من مغادرة أرض البلد وملامح المحاكمة بادية في الأفق، لا لشيء إلا لكونها تكلمت في نظام الحكم، تماما كما تكلم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في نظام الحكم، في حديث الخلافة على منهاج النبوة.

إن حديث الخلافة على منهاج النبوة بصريح عباراته، يقول بأنه لا يصلح ولا يليق ولا يقبل، لهذه الأمة من نظام في الحكم غير الخلافة على منهاج النبوة، فهل ستقودنا متابعة الأستاذة نادية ياسين، إلى متابعة سيد هذه الأمة وسيد الناس أجمعين صلى الله عليه وسلم؟

ندع الجواب للأيام، ولنتابع مسلسل تهاوي الخرافات ولنكتف بخرافتين كبيرتين، لتمكنهما من النفوس والعقول لدرجة أنهما صارتا من بديهيات التفكير في واقع ومستقبل هذه الأمة.

أول الخرافات المفضوحة هي أن التاريخ انتهى على ما نحن عليه، وأن المستقبل قريبا كان أو متوسطا أو بعيدا، هو مجرد نسخ منقحة ومزيدة عن حاضرنا، وأن الحلم بما هو أفضل جريمة في دين الواقعية، التي صارت موضة العصر، يستدل بها الجميع، بما فيهم “إسلاميون”، للتدليل على رجاحة العقل ومسايرة زمن النسبية ولتبرير واقع يسود الاعتقاد أنه هو عين ما ارتضته الأقدار الإلهية وحتى قيام الساعة.

لقد كان لقرون الانحدار، منذ عهد الخلافة الراشدة، تأثيرها السيئ على شخصية المنتمي لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان ذلك أحيانا بتزكية فقه تابع خاضع لظل السيف، لا يستشار إلا للتبرير والتسويغ والمسايرة والمداهنة للحاكم. حتى أتى على الأمة حين من الدهر صارت تؤمن بأن الحضيض هو عين العقل ومسايرة الحضيض ومداراته هو عين الحكمة، والحلم بالمجد هو الخرافة.

هذه “الخرافة” ندد بها واستهجنها الجميع وحتى”الإسلاميون” من أبناء هذا البلد السعيد وللأسف، جمعوا البشارة النبوية الواردة في ما صح من أحاديث، إلى جانب ما ينطق به الدجالون وما تبيعه العرافات للمغفلين من أحلام.

كما أن الصحف والمجلات، من شدة إيمانها وخشوعها بين يدي محراب ديانة الواقعية، تناولت أمر الرؤى والمبشرات وكأنه مسألة تهيؤات وتخيلات، مثل تلك التي تداعب خيالات عشاق السمر والسهر، حين يجتمعون في جلسات استرخاء على الأرائك، يتبادلون بها الحديث ويشربون على نغماتها أقداح الشاي.

هذا الهجوم الشنيع على الرؤى والمبشرات ومعه حتى الحديث النبوي المبشر بالخلافة على منهاج النبوة، أكبر دليل على أن قرون العض والجبر، امتد بها السواد لدرجة أنها تمكنت من العقول والنفوس، ووطنت فيها عقيدة تمجد مسايرة الانبطاح، وتبرر للعجز والانتظار، وتحرم أي حلم جميل. حتى ولو كان وعدا نبويا.

إن ثقافة الواقعية والعقلانية بما تعنيه من معاني الركون إلى الجمود، وذهنيات المسايرة والمداورة بما تعنيه من تصالح بليد مع واقع مرفوض، وعقليات التبرير والتسويغ بما تعنيه من حرص على عدم إزعاج راحة سادة عصر الحضيض، كل ذلك أصبح بمثابة تماثيل ومعبودات كثيرة الرواج في زمن يسود الاعتقاد أنه توقف، وتاريخ صوروه ظلما وعدوانا أنه انتهى.

إن هذه القيامة الإعلامية التي قامت ضد رواة الرؤى والمبشرات، سببها الرئيس هو تهاوي تلك التماثيل والمعبودات، أمام حقيقة واضحة وصريحة، وهي أن نهاية التاريخ على ما نحن عليه هي خرافة تفضحها البشارات النبوية الموثقة، وتبشر بحلول تباشيرها الأولى إشارات إلهية يخص بها الله من يشاء من مؤمنين ومؤمنات.

من ذوي النوايا الحسنة، وهم قلة جد قليلة، من يعترف بموعود الله، لكنهم ينصحون بأن البيئة المناسبة لتنزيل بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير موجودة بل وأصبحت مستحيلة، وأنه علينا قبول منطق الأشياء، ومنطق ما يفرضه الواقع الذي لا نملك رفعه شئنا أم أبينا، فهل هذا قول سليم؟

بالطبع لا، إن أمر هذا الدين موكول إلى الله عز وجل، فهل كانت بعثة نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام مسبوقة باستشارة فرعون؟

إن تجديد هذا الدين لا يكون بتصالح بليد مع واقع نعتقد أنه يوما ما ينتفض لوحده ضد نفسه، وإنما التجديد يكون بتحطيم ما ينحته التقليد من تماثيل نظل لها عاكفين، ندافع عنها بأطروحات جميلة المظهر عذبة النغمات فاتنة الملامح، نعتقد أنها مشتقات سليمة من مفاهيم كالحكمة والعقل والتبصر والحنكة، فيما هي سليلة أمراض عششت لقرون في العقول والقلوب والإرادات.

أول الخرافات إذن أن التاريخ انتهى. فما هي الثانية؟

ثاني الخرافات هي ذلك الاعتقاد بأن البيئة النفسية والاجتماعية والسياسية…. غير مناسبة لأن ينزل الله فتحه الموعود. فالله عز وجل ينظر إلى القلوب والنفوس أولا، لا إلى ما تبثه الدعاية الفرعونية المستخفة بالناس.

إن هذا الكم الهائل من الرؤى والمبشرات دليل على وجود طبقة واسعة ممن يستحقون استقبال موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموقف آلة الدعاية الإعلامية المضادة أمام هذا الواقع بالتمويه والتمييع هو موقف بديهي ألفه محترفو الدعوة إلى الله ورثة الأنبياء. لا يحق لنا اعتماده في تقييم حقيقة الواقع. فشهادة الزور لا يعتد بها، فالقرائن كثيرة ووسائل الإثبات لا تنقصنا.

خلاصة:

من مساوئ العمر المديد لمجددي هذا الدين، أنهم يعيشون ليروا تنطع وقلة أدب عبدة أوثان الجمود والتقليد والاستماتة في الدفاع على “ما وجدنا عليه آباءنا”.

من محاسن العمر المديد لمجددي هذا الدين، أنهم يعيشون ليروا كيف أن ما أنبتوه وسقوه ورعوه، قد أثمر ما به يتحقق شرط موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إسلام وإيمان وإحسان، يعصم المرء من الانحناء إلا لنداء الوحي، وما يهبه الله من نور لا يكتشفه إلا من ألفوا مناجاته في الثلث الأخير من الليل، السائرون في الظلم إلى المساجد.