تقديم:دفعا لكل لبس قد توحي به كلمة التحرير أبادر بالقول، لا أتحدث عن دولة عربية مستعمَرة من قبل دولة غازية مستعمِرة، كحالة العراق وفلسطين راهنا ومعظم الدول العربية والإسلامية سابقا، بل أتحدث عن واقع هيمنة فئات حزبية أو طائفية أو عائلية من الداخل على دولنا الوطنية و”خوصصتها” في اتجاه الانغلاق عن غير هذه الفئات، مما يجعل الدولة في وضع أشبه بالمستعمَرة ما دام لا يسمح للجميع بالاستفادة من حقوق المواطنة الكاملة ومنها إمكانية الوصول إلى مراكز القرار والتوجيه.

كان باعثي على الكتابة في هذا الموضوع ما شهدته دولة مصر في ماراطونها الانتخابي الأخير، عندما أصبحت كل أجهزة الدولة حريصة على إنجاح “حسني مبارك” الرئيس والحزب الوطني الحاكم حيث استحال آنذاك التمييز بين الأجهزة الحزبية ومؤسسات الدولة المفروض فيها الاستقلال والانفتاح أمام كل المكونات ، وهو وضع شبه عام في الجمهوريات العربية التي “أبدعت” نظاما سياسيا جديدا “الجمهوريات الملكية”.

وأشير إلى تخصيصي الحديث عن ارتهان الدولة من طرف الحزب، رغم وجود أشكال أخرى من “خوصصة الدولة”.

1- واقع خوصصة الدولة العربية:من يتصفح خارطة السلطة في الدول العربية القطرية يخلص إلى أن جهاز الدولة مُخَوصص لفائدة فئات معينة، تحتكر سلطة توجيه الدولة والشعب، وتمركز بين يديها الاستفادة من المصالح المادية والمكاسب الرمزية التي يخولها هذا الجهاز، الدولة.

نعيش في أوطاننا نوعا من الخوصصة السياسية، فما يحدث اليوم من خوصصة للاقتصاديات الوطنية لصالح الامبريالية العولمية الكاسحة، قد تم استباقه على المستوى السياسي بخوصصة الدولة لصالح حزب وحيد يحتكرها لفائدته ويضمها إلى ممتلكاته وفروعه ومقراته، ويصبح أمينه العام رئيس الدولة وقائد الشعب الذي لا يتغير إلا كرها أو بانتقاله إلى دار البقاء!.

ولعل الصورة واضحة إلى الحد الذي نستغني فيه عن استدعاء نماذج استدلالية من هذا البلد أو ذاك، فقد استحال على الحزب الذي وصل إلى السلطة وتملك أجهزة الدولة أن يحتكم إلى الأسس الشفافة والمنهجية الديمقراطية في تدبير الحكم، وحرٌَم اقتسام السلطة أو التداول عليها مع غيره من التنظيمات السياسية.

بل إن الحزب الحاكم لا يلبث أن يُسَيٌِج وضعه الاستعلائي الجديد بتشريعات قانونية تمنع باقي الأحزاب والتيارات المنافسة من إمكانية الوصول إلى مراكز الحكم، وتعمل على إبقائها خارج دائرة صنع السياسات المتبعة. وهو وضع يحرص الحزب المستولي على الدولة إعطاءه المدد الدستوري والسياسي، حتى تكون سلوكاته الإقصائية مرتكزة على سند قانوني.

وهكذا يصبح الحزب الحاكم خصما غير شريف لباقي القوى السياسية، بعد أن بات مستبدا فاقدا للمشروعية الشعبية.

لا وجود إذن في واقعنا العربي الإسلامي لمسمى دولة المجتمع، أي الدولة الخادمة للشعب، المنبثقة عنه، المستمدة مشروعيتها منه. دولة الجميع، على اختلاف التوجهات والتصورات والشعارات، ما دامت الانتخابات هي الحكم والشعب هو السيد.

فوضعنا السياسي أصبح مختزلا في حزب غير مستعد على الإطلاق للتخلي عن زعامة السلطة وإغراءاتها والمصالح التي تقدمها، وقائد “ملهم” أصبح رئيس دولة لا يملك غيره مفاتيح تدبيرها!.

2- الحزب .. مشروع سلطة:تفرغ التشريعات العربية السائدة الحزب السياسي من أبرز أدواره وتلغي أحد وظائفه الأساسية المتمثلة في العمل على الوصول إلى السلطة من أجل تطبيق البرنامج السياسي، مبقية على وجود شكلي للأحزاب، وجود مسيج باستحالة الوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي وامتلاك “حقيقة السلطة”.

وهو وضع شاذ بالرجوع إلى الأدبيات السياسية التي دأبت على ربط الحزب بالسلطة، فهو مشروع سلطة أي سلطة في طور التبلور، وليس فقط تنظيم حُصرت وظيفته في التأطير غير القاصد إلى أجرءة القناعة والتصور في قالب من الحاكمية المسئولة.

وهكذا أعطى الفكر السياسي للحزب مدلولا قويا من خلال المنافسة السياسية المفروض أن تؤدي عبر القنوات الديمقراطية إلى سيادة تصور فكري وسياسي لحزب استحق ثقة الشعب الحر الاختيار. فالحزب وفق هذا المعطى يملك من المقومات الدولتية ما يجعله حاملا لمشروع وتصور يتمايز عن السياسة المنتهجة في مرحلة ما من قبل الدولة التي يعمل في ظلها، وهو إلى هذا الحد أمر طبيعي ومنطقي ومنسجم مع الأسس الديمقراطية.

لكن هنا ينبغي التشديد على أن الحزب ليس مشروع دولة بديلة، فالحزب وإن كان له أن يسير نحو دائرة السلطة لتنفيذ مشروعه المختار شعبيا، فإن عليه أن يبقى حزبا ولا يتحول إلى دولة جديدة عصية على التغيير، مانعا غيره من حق إمكانية الوصول إلى ذات المكان. فالتغيير الدوري، الذي قد تفرزه صناديق الاقتراع، للمشاريع السياسية الحزبية المتنافسة، لا يرقى إلى مستوى نسخ طبيعة الدولة القائمة واستبدالها بدولة حزبية ذات هوية وكيان جديد. ولعلي أتحدث هنا عن وضع طبيعي يسود فيه مناخ الديمقراطية، حين تتأسس البنى النظرية والإجرائية للدولة على أعين الشعب، وتبقى إمكانية الوصول إلى دوائر القرار وصياغة الخطة الحاكمة وصنع أدوات السلطة متاحة أمام الجميع داخل دولة المجتمع.

أما في غياب هذا الأفق المأمول وأثناء سيادة وضع مرضي كالذي نعاني منه، فإن تقمص الحزب السياسي للباس الدولة المشروع، وانتهاجه مسلك التغيير الجذري يكتسي إلى حد بعيد مشروعية معقولة سياسيا ومقبولة شعبيا، شريطة تغيير الجوهر الاستبدادي للدولة القائمة وليس مجرد تبديل إسمها وشكلها، والقطع مع تجربة الدولة الحزبية مقابل بناء مفهوم الدولة المجتمعية.

3- مخاطر الدولة الحزبية:عندما يحتكر حزب ما سلط الدولة وأجهزتها ورموزها ويتحكم في ذاتيتها، وعندما يخوصصها لفائدته جاعلا منها أداة في خدمة مشروعه الخاص نصبح آنذاك أمام الدولة الحزبية المتعددة المخاطر.

وعوض أن تكون الدولة راعية مصالح جميع أبناء الوطن، نابعة اختياراتها من قناعاتهم مجيبة مشاريعها إلى تطلعاتهم، تتحول الدولة إلى ناد خاص يخدم مصالح خاصة ويعبر عن آراء فئة محدودة هم رجال الدولة/الحزب، بل وتتحول الدولة إلى أداة قمعية لغير أشياع الحزب الحاكم إذا تجرؤوا على قول “لا” في وجه السياسة الحزبية/الدولتية إذا ما كانت مفتقدة للسند الشعبي.

إنها صورة شوهاء تميز ساحتنا العربية، وتبقي على المخاطر الأكيدة للدولة الحزبية والتي منها:

– ارتهان الدولة إلى السياسة الحزبية الأحادية، وانمساخ ذاتيتها في كيان الحزب الحاكم، إلى الحد الذي يصعب فيه على المواطن البسيط التمييز بين سياسة الحزب ومشروع الدولة، وهياكل الحزب ومؤسسات الدولة، وصولا إلى حِرمة انتقاد الحزب واعتبار ذلك تطاولا على الدولة وخروجا عن ثوابتها.

– انسداد المناصب الحساسة والمركزية في الدولة على غير القيادات الحزبية الحاكمة أو الموثوق من ولائها، وانمحاء معياري الأمانة والكفاءة في اختيار أطر الدولة، الشيء الذي ينعكس إقصاء للكفاءات الوطنية وتهميشها لها وتعطيلا لمؤهلاتها.

– تكريس الذهنية الاستبدادية والعقلية التسلطية عند العناصر الحزبية الحاكمة، مادامت سلطة الدولة تحت الطلب، والتصرف الحزبي فيها غير مقيد.

– زرع بدور التفرقة داخل المجتمع الواحد، نظرا لسيادة التمييز على أساس الولاء الحزبي وليس على أساس الولاء للدين والوطن.

– قتل الإحساس بالانتماء الكامل للوطن، وخاصة لدى الفئات اليائسة، إذ أن خدمات الدولة، والتي يفترض أنها ملكية جماعية، تصبح موجهة لخدمة أغراض فئوية خاصة.

– ترسيخ مناهج التغيير العنيفة من أجل إصلاح الأوضاع القائمة غير العادلة.

إن من شأن الدولة الحزبية المنغلقة على ذاتها ضد أبناء مجتمعها أن تبعث الأحقاد والصراعات والانقلابات، وهي أشياء تنزلق بمكونات البلد إلى مهاوي التضاد والتصارع، في وقت كان الأولى-في وضع سليم طبعا- تنافسها حول السلطة بشرف وتعاون سواعدها في تشييد دولة المجتمع وبناء مستقبل الجميع.

4- أولوية “التحرير”:أُقَدٌر أن الدولة الآن في حاجة إلى “تحرير” من هذا التسلط الحزبي، وإرجاعها إلى حمى المجتمع، لتصبح حاكمة بين المتنافسين فاصلة بينهم فاتحة أبوابها للأمناء الأكفاء من جميع فئات الشعب.

لذلك على المكونات المجتمعية الغيورة على مصير أوطانها أن تفتح حوارا جديا حول الخطوات العملية التي من شأنها تخليص الدولة من آفة الاحتكار الحزبي، والضمانات الدستورية والسياسية والشعبية التي تمنع تكرار تجربة الدولة الحزبية، تلافيا لتضييع مزيد من الوقت وإهدار كثير من الطاقات.

تحييد آلة الدولة مع رسم طبيعتها وإلزام الحاكمين فيها استمداد المشروعية الشعبية ضرورة ملحة، ولعل وضع ميثاق واضح على أرضية إسلامية جامعة بين مختلف المكونات، لَمِن شأنه أن يسرع خطوات “التحرير” ويجعل وجهتها قاصدة، حتى لا تكون آفاقنا المستقبلية نسخة جديدة لحاضر بئيس.

أولوية هي إذن “تحرير” الدولة، وضرورة أكيدة تخليصها من التخصيص، وإلا ستبقى مجتمعاتنا ودولنا مجرات هامشية تدور في فلك الحزب الحاكم والقائد الرئيس.