اليقين صفة من صفات الإيمان والصلاح، ومقام من مقامات الصدق والفلاح، لا يهبه الله تعالى إلا لخاصة عباده من الأنبياء والأولياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ومن أوتي اليقين فقد أوتي حظا عظيما، فما معنى اليقين؟ وفيم يكون اليقين؟ وكيف يتعلم ؟ وما هي صفات الموقنين؟

اليقين في اللغة من أيقن يوقن إيقانا فهو موقن، ويقن ييقن يقنا فهو يقن واليقين نقيض الشك(لسان العرب)، واليقين طمأنينة القلب على حقيقة الشيء واصطلاحا تصديق جازم لا يقبل الشك، واليقين والإيقان العلم دون الشك، يقال: يقنت الأمر بالكسر يقنا وأيقنت واستيقنت وتيقنت كلها بمعنى واحد، وأنا على يقين منه. وإنما صارت الياء واوا في قولك موقن للضمة قبلها وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها.(1)

وقيل اليقين هو ارتفاع الريب ومشهد الغيب. وقد وصف الله المؤمنين بالإيمان بالغيب والإيمان التصديق وإنما يصدق المرء الشيء حتى يتقرر عنده فيصير كالمشاهد والمشاهدة بالقلب هي اليقين.(2) فعلم كل عاقل بالموت مثلا هو علم يقين فإذا عاين الملائكة فعين يقين فإذا فارق الموت فهو حق اليقين. والعلم والعين والحق والمعرفة كلها مراتب ترتقى في الإيمان، فما السبيل إلى هذا الترقي؟

نور اليقيناليقين علم قلبي ومشاهدة وحق ومعرفة، اليقين نور، علم اليقين هو العلم بما أخبرنا الله به عن طريق نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتصديق ذلك، وحق اليقين هو التحقق من ذلك التصديق حسا ومعاينة ومعايشة، وقيل عين اليقين “ما أعطت المشاهدة والكشف”، ونور اليقين من نور الله قال الإمام أحمد رضي الله عنه: اليقين نور يجعله الله في قلب العبد حتى يشاهد به أمور آخرته ويخرق بقوته كل حجاب بينه وبين ما في الآخرة حتى يطالع تلك الأمور كالمشاهد لها”.(3)

قال سفيان الثوري رضي الله عنه: “اليقين أن لا تتهم مولاك في كل ما أصابك”، وقال أيضا: “ابتداء اليقين المكاشفة لقوله لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ثم المعاينة ثم المشاهدة”. (4)

فسيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علما يقينا لا يحتمل النقيض ولكنه أحب أن يشاهد ذلك عيانا ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، (5) وقال عياض: لم يشك إبراهيم بأن الله يحيى الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الأحياء فحصل له العلم الأول بوقوعه وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته. ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين وإن لم يكن في الأول شك لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين.(6) وقيل أن معنى قوله تعالى: “أو لم تؤمن” أي أو لم تصدق بعظم منزلتك عندي واصطفائك وخلتك؟ قال سهل بن عبد الله التستري: سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين.(7)

فإذا أشرق نور اليقين في الصدر ذهبت الحيرة وزالت المخاوف واطمئن القلب ونشطت الأعضاء للطاعة.

الإيمان كلهعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اليقين الإيمان كله” (8)، فأقوى قوة للسلوك إلى الله واقتحام عقبات النفس وإكراهات الواقع هي قوة الإيمان ولما يستقر الإيمان في القلب ويصدقه العمل الصالح بالجوارح تتشكل قوة اليقين التي لا تهزم.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: “اليقين هو أصل الإيمان فإذا أيقن القلب انبعثت الجوارح كلها للقاء الله بالأعمال الصالحة”، وإذا كان الإيمان شعبا ومدارج للسالكين فكذلك اليقين ليس على مرتبة واحدة إنما هو على مراتب متفاوتة بتفاوت إيمان المؤمنين وقابليتهم وحظهم في السلوك إلى الله، وقبل ذلك ومعه وبعده بتوفيق الله تعالى ومنه وفضله وعطائه. وقد تنتهي أعمار الناس ولا تنتهي مدارج اليقين. قال سفيان الثوري رضي الله عنه: “لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطار اشتياقا”(9) كما ينبغي (مقام) كما ينبغي .. لطار القلب … القلب …. اشتياقا. سبحان الله! ليس اليقين برهانا فلسفيا، ولا استدلالا كلاميا، ولا إقناعا عقليا، ولا مطالعة فكرية، إنما هو نور يقع في قلب متشوق. قال صلى الله عليه وسلم للصديق الوفي رضي الله عنه وهما في الغار، والأذى يلاحقهم من كل جهة: “لا تحزن إن الله معنا” معنا الله.”ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟” يقين في الله، في معيته ونصره، ولو أجمع أهل الأرض قاطبة إنسهم وجنهم ليشككوه ما وجدوا عنده مثقال ذرة من الشك في الله، قال عز من قائل: “أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟”.

سئل سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه :يا أمير المؤمنين ! ما الإيمان؟ فقال: “الإيمان على أربع دعائم: على الصبر والعدل واليقين والجهاد”. مهمات هي دعائم اليقين يا مدعي. ونفسي الغافلة أقصد. الصبر مع العدل واليقين مع الجهاد.

على اليقين كنت وعليه متاليقين تصديق ممتد من الدنيا إلى الآخرة، يقين متصل من هنا إلى هناك من غير انفصال، قال الله تعالى: “والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون”(البقرة الآية4) إيمان بكل ما جاء به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من شعائر وشرائع وأخلاق وأخبار، وبما جاء به النبيئون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن به مؤمنون. “وبالآخرة هم يوقنون” بما في الآخرة من حياة برزخية وبعث ونشور ووقوف وحساب وميزان وشفاعة وجنة ونار، يوقنون بالرجوع إلى الله مولاهم الحق “الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم”، والظن هنا بمعنى اليقين. “ولا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح” (10).

سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حارثة: “كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: “أصبحت مؤمنا حقا. قال فانظر ما تقول فإن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا وسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. قال صلى الله عليه وسلم: يا حارثة عرفت فالزم (قالها ثلاثا) رجل نور الله قلبه”. (11) في قلبه نور به يرى ما لا يراه غيره: العرش والجنة والنار. عرف معرفة اليقين، فلزم الصيام والقيام ومراقبة الحق عز وجل.

وقيل في تفسير قوله جل وعلا: “يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية” المطمئنة هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله، الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شك ولا يعتريها ريب. قال الحسن: هي المؤمنة الموقنة. وقال مجاهد: الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة. وقال ابن كيسان: المطمئنة بذكر الله، وقيل المخلصة: قال ابن زيد: المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث. (12)

المؤمن الموقن يهون الله عليه مصائب الدنيا بحسب ما معه من يقين، فيحقر ما يعظمه الغافلون ويفضل ما يدوم على ما يزول، فيحيى موقنا ويموت موقنا مطمئن القلب، ويقال له: “…على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله”. اللهم اجعلنا كذلك. (13)

تعلموا اليقينليس اليقين مجرد اعترافات وقناعات نظرية، يتلوها التلهي والحلم، أوالتأفف والحوقلة القاعدة، إنما اليقين الحق هو حمل هم الجهاد على بصيرة، وعلى جميع المستويات وفي مختلف الظروف، ولا يمكننا أن نفهم اليقين أكثر من فهم الصحابة رضي الله عنهم له، فلقد تعلموه من المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم بالصحبة والنصرة مع الصبر والتجلد في مواطن الجهاد. عن خالد بن معدان رضي الله عنه أن سيد الموقنين صلى الله عليه وسلم قال: “تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه”، فالأمر إذن علم يتعلم، والتعلم فعل يتوقف على وجود شخص المعلم الماهر المتخصص في المادة التي يعلمها، لأنه من المحال على فاقد العلم أن يعلم، كما يتوقف أيضا على إرادة ورغبة المتعلم أو المتعلمين في الطلب والتحصيل وعلى صبرهم ودأبهم، “حتى تعرفوه” … حتى.

وأهمية تعلم اليقين كأهمية تعلم القرآن، لأن القرآن بلا يقين لا يفيد ولا يثمر سلوكا، بل ينبغي أن يتعلم الإيمان قبل القرآن كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وإلا فيمكن معرفة حروف القرآن وإتقان قراءته بلا إيمان، قال الله تعالى: “كذلك نسلكه في قلوب المجرمين” الذين يعلمون بألسنتهم، وقلوبهم منكرة مرتابة. نسأل الله تعالى أن يعلمنا اليقين والقرآن معا.

قال تعالى: “قد بينا الآيات لقوم يوقنون” أي بينا العلامات والدلالات الواضحة لمن آمن وصدق واتبع نور الوحي بكليته، والمؤمنون وحدهم هم الذين يعلمون أنها آيات من ربهم فيتعاملون معها بيقين لا يتزعزع، حتى ولو جاءتهم البلايا من كل جانب وجمع لهم الناس فإنهم يظلون ثابتين بل يزدادون إيمانا، وأولئك هم المهتدون، إذ جعل الله لهم بصائر من عنده يتبصرون بها، أنوار من الله يرون بها، “هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون”(الجاثية 20) قال ابن كثير: “أي القرآن للذين يوقنون”، الذين يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أمر ولا يخشون الناس في اتباعه، الأمر عندهم أمر الله والحكم حكم الله، “أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون”، (المائدة50) أما المنافقون فقد قال فيهم العليم الخبير: “إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم”. فلا يستجيب لنداء الله ولا يدعن له ولا يطلب حكمه ولا يريده ولا يسعى إلى تطبيقه إلا من آمن واتقى وكان على يقين بالله وبالآخرة، قال الحق سبحانه: “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم”الآية، وقال أيضا: “إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه” قال ابن عباس ليميز أهل اليقين من أهل الشك. (14)

أهل اليقينقال الله تعالى: ” الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون”(النمل3)، فاليقين بالآخرة لا يعني التواكل والكسل والخمول، وترك الدنيا جملة ومقاطعة الناس، بل يعني المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إلى الأعمال الصالحة وهم لها سابقون “سابقوا إلى مغفرة من ربكم”. وإنما ذكر اليقين في سياق إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وليس خارجه، ليعلم أنه علم وعمل، فهم وسعي، تربية وتنظيم، ليعلم أنه قيام لله بالحق، هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم على يقين من أمرهم وهم “شهداء لله بالقسط”. قال الإمام الشوكاني في تفسير هذه الآية: “ولا يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح” (15).

الموقنون لا يرجون غير الله ولا يخافونه إلا هو، لا يحزنون إذا حزن الناس ولا يشوش إيمانهم إذا ارتاب الضعفاء، لأنهم عرفوا الله وكانوا مع الله فكان الله معهم، عرفوا معرفة اليقين أن النصر من الله، وأن وعد الله حق فشمروا لنيل الرضا والرضوان. واحسرتاه! على المتشككين والمنافقين، فهم “لا يوقنون” وحتى إذا ما شاركوا في أعمال الجهاد بنية من النيات -غير وجه الله تعالى- فإنهم يثبطون العزائم وينكصون إلى الخلف ويشمتون في الصادقين ويتقاعسون عن مهمات البناء وأخيرا يفشلون وتذهب ريحهم…وفي الآخرة…

ذكر ابن إسحاق في قوله تعالى: “ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا” الآية أنزل الله النعاس أمنة لأهل اليقين فهم نيام لا يخافون والذين أهمتهم أنفسهم أهل النفاق في غاية الخوف والذعر (16)، رجال رفعهم اليقين إلى أئمة الهدى، وقوم حرمهم ضعف اليقين من الأمن ومنعهم من الجهاد.

قال فضيل بن عياض رحمه الله: “خمسة من السعادة: اليقين في القلب والورع في الدين والزهد في الدنيا والحياء والعلم” (17). أهل اليقين في فرح دائم بالله ، وهم جبال في التوكل، لا يأكلون بدينهم، ولا يطلبون ما في أيدي الناس، يستحيون من الله ويراقبونه بعلم وخشوع وانكسار.

سلام على نزل الكرام أحبـتي *** يوفون في البأساء والخوف جـاثم

توعدهم بالفتك جمع مجـمـع *** وقالـة سـوء حولهـم تتعـاظـم

فزادهم الله اليقيـن كـرامـة *** وباء بما كـادا عـدو ولائـم(18)

“يهدون بأمرنا” لا يمكن للدعوة الإسلامية أن تستقيم على أمر الله تعالى تربية وبناءا، وانتصارا واستمرارا إن شاء الله إلا إذا قادها الربانيون أئمة الهدى الذين يمتلئون يقينا في الله وبالله وبآياته في خلقه، فيعلمون بأمر الله اليقين في الله، بهمتهم وحالهم وسيرتهم ومقالهم. قال فيهم جل ذكره: “وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون”: (السجدة24).

– “وجعلنا منهم”: جعل الله ، خلق الله ، بعث الله. من الناس، من أضعف خلقه، ماذا؟

– “أئمة يهدون بأمرنا”: “جمع إمام والإمام هو الذي يؤتم به في خير أو شر وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير يؤتم بهم ويهتدى بهديهم كما حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة “وجعلنا منهم أئمة” قال رؤساء في الخير، وقوله: “يهدون بأمرنا” يقول تعالى ذكره يهدون أتباعهم وأهل القبول منهم بإذننا لهم بذلك وتقويتنا إياهم عليه.

– “لما صبروا”: “بمعنى لصبرهم عن الدنيا وشهواتها واجتهادهم في طاعتنا والعمل بأمرنا، قال ابن مسعود: وجعلنا منهم أئمة يهدون أتباعهم بإذننا إياهم وتقويتنا إياهم على الهداية إذ صبروا على طاعتنا”، (19) وقال ابن كثير رحمه الله: “أي لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك زواجره وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله ويدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. فالصبر لا يكون إلا على ما يسمعه المؤمن من الأذى والتكذيب والاستهزاء، فإن الله قد وعد الصادقين بالنصر وإعلاء الحجة وإظهار الدعوة، ووعده سبحانه حق لا خلف فيه” (20)

– “وكانوا بآياتنا يوقنون”: يتقنون العمل بالأسباب توكلا، لكنهم لا يتعلقون إلا برب الأسباب استمدادا واستنصارا. لا يقين لهم إلا به.

أنت في الأرض مخلف فتوكل *** شمر الساق لاقتحام بلوتــه

سنن الصدق والتقى منهج النـ *** ـجح فأيقن بالله إما اتـقيتـه

فتحه واليقيــن في بركــات *** مغدقات إن في التقـاة دعوته فالدعوة إلى الله إذن من الله تعالى لإمام هاد يجمع الله حوله جماعة من المؤمنين والمؤمنات من “أهل القبول”.إمام هدى أو أئمة هدى، “يهدون بأمرنا”. بأمر الله تعالى.

فمن يسمع ويفهم عن الله ليعرف أن اليقين تشرب قلبي من الأئمة الهادين بأمر الله، الصابرين على الأذى الموقنين بوعد الله لعباده الصالحين بالنصر والتمكين في الدنيا، والفلاح والرضا في الآخرة؟

النصر مع الصبرمن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: “فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكرهه خيراً كثيراً واعلم أن مع الصبر النصر واعلم أن مع الكرب الفرج واعلم أن مع العسر اليسر”(21)، وقال جل وعلا: “فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون”(الروم60) أي فاصبر على “مشاق التكليف وهداية الناس” ولا يستخفن حلمك ورأيك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون، إن وعد الله بنصرك عليهم حق ولا تترك الصبر لمعاندتهم وتجبرهم واستهزائهم وكيدهم، والصبر هنا هو الصبر الإيجابي على الحق، وليس الصبر السلبي على الباطل، الصبر الجميل في تحمل مهمات الجهاد اقتحاما ومدافعة، لا الانتظار والتقاعس والمداهنة والتسويف والتبرير. الصبر جندية ومواجهة “وإن جندنا لهم الغالبون”، “والله مع الصابرين”.

قال تعالى في قصة طالوت: “ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين” برزوا للجهاد والموت في سبيل الله، وسألوا الله أن يفرغ عليهم الصبر في الجهاد -لا في القعود- وسألوا النصر والتثبيت في الميدان، “وقد خص الله بذلك القوم الذين يوقنون لأنهم أهل التثبت في الأمور والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة فأخبر الله جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه الصفة صفته ما بين من ذلك ليزول شكه ويعلم حقيقة الأمر إذ كان ذلك خبرا من الله جل ثناؤه وخبر الله الخبر الذي لا يعذر سامعه بالشك فيه، وقد يحتمل غيره من الأخبار ما يحتمل من الأسباب العارضة فيه من السهو والغلط والكذب وذلك منفي عن خبر الله عز وجل.(22)

قال الإمام علي كرم الله وجهه: “الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد”، وقيل: الشكر نصف الإيمان والصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله (23)، وقال ابن تيمية رحمه الله: “بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدنيا والدين”، ذلك أن سيادة دين الله في الأرض تتطلب صبرا ومصابرة في الأوامر وعلى النواهي ومع النوازل والأقدار “ونبلوكم بالشر والخير فتنة”، ودوام الصبر يحتاج إلى يقين لا ينفد وقصد لا ينحرف وعزم لا ينتكس.

كاد قلبي يطير”وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون” (الجاثية 4) أي في خلق كل منكم من نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة إلى أن شب وصار إنسانا يقول أنا.. أنا..أنا الذي…أنا هو.. وخلق ما في السماء من أجرام وكواكب ومجرات& وما في السماوات وما في الأرض من دابة أي ما يدب على الأرض من الناس والأنعام وغيرهم آيات لقوم يوقنون وفي اختلاف الليل والنهار ذهابهما ومجيئهما وما أنزل الله من السماء من رزق (ماء الوحي وماء الغيث) فأحيى به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح تقليبها مرة جنوبا ومرة شمالا وباردة وحارة آيات لقوم يعقلون فيوقنون، وهي آيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته وفضله وهي حججه على خلقه. قال جل ذكره: “قد بينا الآيات لقوم يوقنون”، (البقرة118) وكل الكون آيات.

روى البخاري من طريق سفيان قال حدثوني عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب والطور فلما بلغ هذه الآية “أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون” (الطور36) كاد قلبي يطير.(24)كاد القلب الموقن المفعم بالشوق أن يطير “وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا”.

هلك المرتابونكان معاد بن جبل رضي الله عنه يقول في خطبته: “هلك المرتابون”، أي خاب وخسر الذين لا يوقنون، الخراصون، قال قتادة: هم أهل الغرة والظنون. خفاف العقول الذين يستخف بهم ويسقطون صرعى للشيطان ويبيعون دينهم بأبخس الأثمان، يبيعون الدين بالتين كما قال سيدي عبد القادر الجيلاني. قال الله تعالى في فرعون (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ) (الزخرف: 54)، حملهم ارتيابهم على اتباع الظالم وتبرير ما هو فيه من الظلم والغي. يخبطون في ظلمات الشك في وعد الله ووعيده، لا يقين لهم ولا يؤمنون إلا بما رأته أبصارهم، قال القوم الفاسقون لسيدنا موسى صلى الله عليه وسلم: “أرنا الله جهرة!”، فهم لا يؤمنون بالغيب، بل يتشككون ويرتابون، ويتبعون أهواءهم بغير علم ولا هدى، ومثلهم قالوا لسيدنا نوح عليه السلام: “فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين”، قال: “إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين”، وهم الذين حذر الله منهم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: ” فاحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك” أي اثبت على ما أنت عليه من الحق الذي لا مرية فيه، واحترز من العناصر المريضة الشاكة والقابلة للتشكيك أن تتسرب إلى صف المؤمنين فتنقل إليهم عدوى الوهن.

عدم اليقين مرض في القلب، وضعف اليقين من استيلاء الغفلة على القلب فتمنع ولوج النور فيه. وإيمان العبد على قدر يقينه ومن ثم كان الأنبياء أوفر حظا في اليقين.(25) وإن من ضعف اليقين إرضاء الناس بسخط الله تعالى، أو حمدهم على عطائه سبحانه، والغفلة عن أن عطاء الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كره كاره، ولولا ضعف الإيمان واليقين لما خشي الناس الناس في الله “أتخشى الناس والله أحق أن تخشاه”. ومن قوي يقينه علم أن الله تعالى هو الوهاب الكريم النافع الضار وأنه لا معول إلا على رضاه وليس لأحد غيره من الأمر شيء، فلا يهاب أحدا ولا يخشاه.عرف فقصد.

الموقنون لا يخذلون، لأنهم لا يرجون غير الله ولا يريدون إلا وجهه ولا يرهبون سواه.

اليقين والمعافاةخطب الصديق رضي الله عنه فذكر النبي صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم: “عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وهما في الجنة وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار وسلوا الله اليقين والمعافاة فإن الناس لم يعطوا شيئا أفضل من المعافاة أو قال: العافية ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً” (26)، لا عافية في الدين مع التحاسد والتباغض والتقاطع والتدابر، وهي موانع الأخوة والتحاب في الله، والتعاون والتطاوع لنصرة دين الله. فإذا حضرت الكراهية بين المسلمين غابت المحبة وإذا غابت المحبة غاب الإيمان وإذا غاب الإيمان….ضاع فلان وفلان!

وأخيرا ندعو بدعاء جامع كان يدعو به من جاد بكل ما يملك ثمنا ليقينه(أبو بكر رضي الله عنه): اللهم هب لي إيماناً ويقيناً ومعافاة ونية. آمين.

الهوامش:

(1) تفسير القرطبي الجزء 1، ص180

(2) فيض القدير ج 1 ص259

(3) طبقات الصوفية ج1 ص 119

(4) حلية الأولياء ج 10 ص 203

(5) البداية والنهاية ج 1 ص 167

(6) فتح الباري ج 6 ص413

(7) شرح النووي على صحيح مسلم ج2 ص184

(8) حاشية ابن القيم 12ص291، وذكر الإمام البخاري هذا الحديث في صحيحه موقوفا على ابن مسعود (فتح الباري ج1 ص48)

(9) فتح الباري ج1 ص48

(10) فتح القدير للشوكاني ج7

(11) شعب الإيمان ج 23 ، والمعجم الكبير ج9

(12) فتح القدير ج 13

(13) رواه ابن حبان وابن ماجة من حديث أبي هريرة وأحمد من حديث عائشة. فتح الباري ج3 ص238

(14) التمهيد لابن عبد البر ج17ص 54

(15) فتح القدير ج7

(16) فتح الباري ج7ص365

(17) حلية الأولياء ج10 ص 216

(18) تفسير القرطبي ج 21 ص112

(19) الإحسان، ج 1 ص406

(20) فتح القدير ج7

(21) رواه الحاكم في المستدرك ج14 وتفسير البغوي ج2 سورة الأنعام

(22) تفسير القرطبي ج 1 ص515

(23) شعب الإيمان ج 10

(24) تنوير الحوالك ج 1 للسيوطي ص76

(25) فيض القدير ج1 ص215

(26) شعب الإيمان ج11