تقديم:

في كل الأقطار والأمصار وعلى مر العصور والأزمنة ومع كل الحضارات الغابرة والحديثة كان المسرح حاضرا كشكل من أشكال التعبير الثقافي ووسيلة من وسائل الإيصال والتواصل مع النفس في مختلف مكنوناتها ومع الآخر في جميع تجلياته.

فمنذ أن ولد عند الإغريقيين الأوائل من رحم الاحتفالات الدينية وإلى اليوم، ظل المسرح مقياسا لنمو الشعوب وتطورها وتحضرها ونمائها، لأنه يستمد موضوعاته من الحياة وصيرورتها، ويستمد قوته من تشكل الثقافات السائدة في زمكان معين وتنوعها، ويستمد تأثيره من تأقلمه مع مختلف العصور وتطوراتها، متحديا كل المنافسين الأقوياء الذين وقفوا في طريقه كالسينما والتلفزيون، محتفظا بكونه الشكل الأكثر واقعية في رسم ملامح النفس البشرية في أسمى أو أدنى حالاتها

توظيفات المسرح:

1- المسرح تعبير ثقافي:

ما هي تيمات المسرح التي ظل يعالجها على اختلاف الأزمنة والأمكنة؟

لقد رافق المسرح الإنسان في رحلته الثقافية التي تجلي لنا مختلف المعتقدات والأنساق الاجتماعية التي كان يعيشها ويطورها بتطور أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها. بل كان المسرح المرآة الكاشفة لكل تلك المراحل متأثرا عارضا شارحا أو مؤثرا مشاركا في بلورتها ونشرها. وبذلك رشح نفسه لدور جوهري في إنجاز المهام النقدية والإبداعية التي تتصدى لها الثقافة.

فالمسرح بأنواعه قد تناول في بداية تاريخه قضية الإنسان في الكون وفي علاقته مع أسرار الحياة وظواهر القوى التي تسير في الأرض حيث صور ذلك الإنسان المذعور من شدة صغاره تحيط به كثير من الألغاز متوجها إلى آلهة مزعومة يتضرع ليثير شفقتها راجيا منها أن تنزل إلى الأرض لتشرح له ما ينبغي له فعله.

وبعد أن مل، عدل عن رفع نظره إلى السماء وصار يتفرس في ذاته فاختار نفسه لإنجاز فرجته الخاصة، ليجعل المسرحُ الفردَ محور مواضيعه، وإصلاحَه مبتغاه. عندها دخل المسرح الكنائس التي انتشلته من عالمه الخرافي وأشبعت نهمه الغيبي بما لديها من عقائد، ووجهت أهدافه نحو الإنسان وخلاصه الفردي.

وفي مرحلة متقدمة عكس المسرح مجتمع الأفراد كموضوع للفرجة. ذلك أن الصراعات التي عرفتها المجتمعات بين طبقاتها وما تتحرك في ثناياها من أنماط بشرية كانت موضوع العروض المسرحية التي خرجت من تحت قبة الكنيسة لتعم كل الفضاءات التي يمكن أن يلتقي فيها المسرح بالمجتمع .

أما المسرح الحديث فقد تولد عن الأحداث السياسية والاقتصادية التي عرفت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وتأثر بطفرات علم النفس وعلم الاجتماع في استكشاف الإنسان ومعالجة علاقاته الاجتماعية ومحاولة إعطاء تفسير لها فانكب على تقديم شرائع للإنسان في علاقته مع نفسه ومع الآخر وما ينطوي عليه ذلك من مطامح وتطلعات وانتكاسات.

أما على مستوى العالم العربي والإسلامي فإن المؤرخين المسرحيين انقسموا إلى قسمين:

القسم الأول يرى أن العالم لإسلامي لم يعرف المسرح إلا في مطلع القرن العشرين وذلك خلال التلاقح الثقافي الذي تم بين الشعوب الإسلامية والأوروبية خلال فترة الاستعمار أو من خلال البعثات الدراسية لبعض أبناء المسلمين إلى ديار الغرب، وهذا يعني أن العالم لإسلامي تلقى المسرح في آخر تشكيلاته وبكل تراكماته ورسوبات سنوات تجربته الطويلة فكان التقليد مباشرا والاقتباس موضوعيا.

والقسم الثاني يقول إن العالم العربي والإسلامي عرف المسرح منذ قرون عديدة وفي أشكال متنوعة كاحتفالات “كربلاء” التي يقيمها الشيعة في ذكرى استشهاد الإمام الحسين والتي تتم على شكل عرض تمثيلي لوقائع معركة كربلاء. أو كاحتفالات “سلطان الطلبة” التي عرفها المغرب منذ عهد السلطان مولاي رشيد (1666م) وهي احتفالات سنوية تبدأ ببيع تاج العرش في المزايدة العلنية وينصب مشتريه ملكا على بقية الطلبة لمدة أسبوع يتشرف خلالها بعد صلاة الجمعة بلقاء مع الملك الحقيقي للبلاد ويطلعه على حاجيات الطلبة ومطالبهم، كل ذلك في شكل تمثيلي يشترك فيه كل أهل مدينة فاس العريقة إلى جانب طلبة القرويين.

وإذا سلمنا بهذا الرأي يمكن أن نقول أن المسرح في العالم العربي والإسلامي عرف ارتياحا عقديا وفره له الدين الإسلامي فتفرغ لمعالجة مواضيع نفسية اجتماعية وأخرى سياسية من خلال أشكال عديدة من احتفالات ظهرت هنا وهناك.

2- المسرح أسلوب تطهيري:

إن التطهير عموما هو الهدف النهائي المرصود للمحاكاة المسرحية وليس مجرد الاستمتاع الذاتي، ذلك أن الفعل المرئي والمسموع هو جسد الدراما وصورتها الناطقة بينما تكمن روحها في حمولة الحكاية. بمعنى أن التطهير هو إزالة شيء من النفس.

لكن ما هو هذا الشيء ؟

باستقراء لبعض نظريات المسرح الغربية والعربية نجد أن الشيء المقصود تطهير النفس منه هو شيء متغير بتغير الثقافات وبتغير قناعات المؤلف والمخرج والممثل.إذ يكون التطهير وفق ما يروم عارض اللوحة الدرامية تحقيقه من أهداف وإيصاله من أفكار ومواقف ؛ فمثلا إذا كان يرى أن الحياء عقدة وذنب فإنه يعرضه ويتفنن في إبرازه على أنه مرض حقيقي لابد أن يتطهر المتلقي منه حتى يكون عنصرا سويا، والعكس إذا نظر للحياء على أنه فضيلة وجب التمسك بها فإنه يدفع المتلقي إلى التطهر من عدم الحياء.

ولا سبيل إلى تحقيق التطهير في الحالتين إلا من خلال عملية الفرجة والتي تشترط ضرورة استغلال ملكة الإحساس بالجمال وذلك بإبداع لوحة فنية محبكة بشكل يجلب وجدان المتلقي.إنها باختصار جودة التوصيل بين طرفين:

الطرف الأول هو الفعل ويشترك فيه المؤلف والمخرج والممثل، حيث يلعب هنا المؤلف دور المعالج الأصلي الذي يشخص المرض ويقترح الدواء في حين يتفنن المخرج في المعالجة وذلك بتضخيم المرض وتسليط الأضواء عليه ليكون بارزا ومقززا بشكل يجعل المريض / المتفرج يقتنع بضرورة التطهير منه ويشكل الممثل على الخشبة حال من أحوال الطبيعة الإنسانية ومن خلالها يبرز العلاقة المنطقية بين الداء والدواء والتي تحتل فيها الظرفية الخيالية النصيب الأوفر.

الطرف الثاني هو الانفعال وهو كل ما يبديه الجمهور المتلقي من إدراك ثم انفعال ثم اندماج جمالي مع القالب الفني المقدم له، وما يجعل ذلك مؤثرا هو القدرة التي يتمتع بها الممثل بصفته وسيطا يستخدمه المؤلف والمخرج في الاتصال بالمرضى الذين يتأثرون بموسيقى المشهد وموسيقى الكلام والحركة التي تنتج إيقاعا مستمرا يسبب ذوبانا تغيب فيه الحواس الظاهرة عن الإدراك كأنه الفناء أو التلاشي.

وهذه النظرة سارية المفعول ليس في المسرح فقط بل في السينما والدراما التلفزيونية التي تعتمد جميعها على المغالاة فيما تقدمه من أعمال تذهب إلى أقصى مدى إخافتنا من ذواتنا في الوقت الذي تحرص فيه على تقديم سلالة من الأبطال يجسدون قيم العصر الحديث التي يجب الامتثال لها.

3- المسرح أداء تواصلي:

بعد أن صار الخيال المسرحي حضورا واقعيا بسبب التشخيص، أصبح المسرح ميدانا للتواصل والمشاركة والاحتفال وركيزة من ركائز الإصلاح الاجتماعي حيث يجس الجوع إلى التواصل، ويعمم إلحاحه وضرورته.

فالمسرح هو إحداث حركة في مكان ما قصد التواصل مع عالم آخر.

وجوهر المسرح هو اللقاء، فالممثل الذي يقوم بحركة الكشف الذاتي هو تقريبا من يحقق اتصالا بين الإنسان ونفسه وهذا يعني مواجهة مهذبة ودقيقة وشاملة.

ثم إن المسرح لقاء بين المبدعين وهو ما يهيئ لتواصل متعدد، مركب، وشامل. تواصل بين الأفراد، وتواصل بين الجماعات. ومن البديهي أن هذا التواصل يقتضي تعميم حرية التعبير، واحترام التعددية والاختلاف، وكبح النزعة العدوانية عند الأفراد والأمم على السواء.

إن التواصل يبدأ من المسرح، ثم يتموج متسعاً ومتنامياً، حتى يشمل العالم على اختلاف شعوبه، وتنوع ثقافاته. والمسرح، ورغم كل الثورات التكنولوجية، ظل المكان النموذجي، الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معاً.

وميزة المسرح التي تجعله مكاناً لا يُضاهى، هي أن المتفرج يكسر فيه وحدته، كي يتأمل نفسه في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة، ويعلّمه غنى الحوار وتعدد مستويات التواصل. فهناك تواصل يتم داخل العرض المسرحي، وهناك تواصل مضمرٌ بين العرض والمتفرج. وهناك تواصل ثالث بين المتفرجين أنفسهم. وفي مستوى أبعد، هناك تواصل بين الاحتفال المسرحي ” عرضاً وجمهوراً ” وبين المدينة التي يتم فيها هذا الاحتفال. وفي كل مستوى من مستويات التواصل هذه، ننعتق من كآبة وحدتنا، ونزداد إحساساً ووعياً بجماعيتنا.

ومن هنا، فإن المسرح ليس تجلياً من تجليات المجتمع المدني فحسب، بل هو شرط من شروط قيام هذا المجتمع، وضرورة من ضرورات نموه وازدهاره. فالمسرح هو الذي سيدرّبنا، عبر المشاركة والأمثولة، على رأب الصدوع والتمزقات التي أصابت جسد الجماعة.