في إطار أنشطتها الفكرية والثقافية نظمت الكتابة الإقليمية للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان  الرباط- بمقر نادي الفكر الإسلامي يوم السبت 26 محرم 1427هـ الموافق لـ25 فبراير 2006م ندوة حول الكتاب الذي صدر أخيرا للأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان تحت عنوان “مقدمات لمستقبل الإسلام” وذلك بمشاركة الأستاذين: بدر إدريس أهلال ومحمد ضريف، وبحضور عدد من الفعاليات الفكرية والسياسية بالمدينة.

تناول الكلمة في البداية الأستاذ بدر إدريس أوهلال، وهو باحث في الفكر الإسلامي وأحد نشطاء جماعة العدل والإحسان موضحا أن كتاب “مقدمات لمستقبل الإسلام” يركز على فكرتين أساسيتين:

الفكرة الأولى: مفادها أن مستقبل الإسلام مرتهن بمقدمة جوهرية هي: التربية ثم التربية ثم التربية، ذلك أن كل من خبر دعوة الأستاذ عبد السلام ياسين فسيتأكد له أهمية هذه المقدمة باعتبارها أصلا ثابتا في مشروعه التغييري.

الفكرة الثانية: هي فرع عن المقدمة الأولى الأصل و تقوم على ضرورة تأسيس الفهم الواضح والشمولي للإسلام أي ضرورة تأسيس المنهاج.

انتقل بعد ذلك الأستاذ بدر إدريس أوهلال إلى قراءة لدلالة غلاف الكتاب متوقفا عند الثنائيات التي تؤسس المسافة فيما بينها فكرة تخترق دائما كتابات الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين.

فدلالة الألوان قوية هنا: إذ يحيل اللون البني على الصحراء والموت، أما اللون الأزرق فهو يحيل على الحياة، وبالانتقال إلى أسفل الغلاف نقرأ خطورة الانغماس وما ينتج عنه من موت للدعوة والإسلام، أما أعلى الغلاف ففيه استشراف لحياة الدعوة ومستقبل الإسلام، انطلاقا من هذه الثنائيات وقف الأستاذ بدر على مجموعة من الثنائيات الحاضرة في كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، ومنها: البرنامج/المنهاج، الحاضر/المستقبل، التربية/السياسة.

إن المرشد عبد السلام ياسين – يقول الأستاذ بدر أوهلال  يلح على أن روح الإسلام ينبغي أن لا تذوب وتتبخر في دوامة الحريق والانشغال اليومي للحركة الإسلامية.

نعم، إن الأستاذ عبد السلام ياسين يؤكد على أهمية التعامل والانشغال بالحاضر لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب الاهتمام بالوجهة المؤسسة لمستقبل الإسلام الذي هو بشارة من الله تعالى أي أنه موعود الله عز وجل، وبالتالي فهو غيب، لأجل ذلك فعلى المؤمن أن يتسلح في فهمه للمستقبل بأدوات منسجمة مع فهمه للمستقبل بما هو غيب، متميزا بذلك عن الخبير المنقطع عن الوحي المعتمد على أدوات منقطعة عن المستقبل. وقد أوضح الأستاذ بدر أن إلحاح الأستاذ عبد السلام ياسين على أهمية التطلع للغيب إنما كان لما يعانيه بعض إخواننا الإسلاميين من ضعف تطلعهم وترقبهم للغيب بما هو موعود من الله عز وجل، وبشارة من رسوله الكريم، وإسقاطه بذلك من كل حسابات المستقبل الغائبة عن تفكيرهم لصالح انغماس في الحاضر دون وجهة تؤسس لمستقبل الإسلام.

وقد ختم الأستاذ بدر إدريس أوهلال مداخلته بالتأكيد على أن جماعة العدل والإحسان ليس جماعة انتظارية بل هي جماعة تريد أن تؤسس لمقدمات لا يمكن من دونها أن يصح مستقبل الإسلام، فكتاب “مقدمات لمستقبل الإسلام” يضع أيدينا على مقدمتين أساسيتين:

– الأولى: المقدمة الإيمانية: التربية ثم التربية ثم التربية.

– الثانية: الفهم: لابد من تأسيس فهم صحيح لإسلامنا، أي لابد من تأسيس المنهاج.

فهاتان المقدمتان تسمحان للمراقب أن يفهم طبيعة السلوك السياسي لجماعة العدل والإحسان.

تناول الكلمة بعد ذلك الأستاذ الباحث محمد ضريف  أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية  متحدثا عن أهمية المقدمات عند أصحاب المشاريع الكبرى باعتبارها إطارا يضبط حركة الفعل.

وبما أن القراءة هي تفكيك وإعادة صياغة فقد أكد الأستاذ محمد ضريف في بداية مداخلته على أهمية استحضار صنفين من الضوابط في قراءة كتاب “مقدمات لمستقبل الإسلام”.

أولا: الضوابط السياقية:

إذ ينبغي أن نقرأ الكتاب بارتباط بما قبله وما كتب بعده، فالكتاب مكمل للمنهاج النبوي، كما أن الوقوف على الإشارات الكبرى للكتاب مرتهن بقراءة كتابي “سنة الله”، “والعدل”.

ثانيا: الضوابط الإشكالية:

فالكتاب يتمركز على ثلاث إشكاليات كبرى ومتداخلة، ويمكن لكل إشكالية أن تتحصل المشروعية لتصبح عنوانا للكتاب.

الإشكالية الأولى: معالم في طريق القومة: فالقومة مسار يتشكل من عدة مسارات، فالتربية لحظة من لحظات القومة، والتنظيم لحظة من لحظات القومة، والزحف لحظة من لحظات القومة.

الإشكالية الثانية: مقدمات في فقه التغيير.

الإشكالية الثالثة: مقدمات إعادة تشكيل العقل القرآني.

فيمكن قراءة هذا الكتاب انطلاقا من ضوابط إشكالية وسياقية.

انتقل محمد ضريف بعد ذلك للحديث عن ثلاث مقدمات مركزية لمستقبل الإسلام والتربية ناظمة لها.

المقدمة الأولى: إعادة تشكيل العقل القرآني

إذ الكتاب ينتقد نظرية الانقطاع المعرفي، ونظرية نقد المعرفة، ليتحدث عن مواصفات العقل القرآني، فهو: عقل تفاعلي، بمعنى أنه يستمد معرفته من القرآن والوحي، ثم من عبرة القرى أو دروس التاريخ، فدروس التاريخ لا تتناقض في العقل القرآني مع موعظة القرآن.

فهو عقل تواصلي على مستويين: يفكر في الحاضر المتردي ويحاول أن يغيره ليبني المستقبل، والأستاذ عبد السلام ياسين  يقول محمد ضريف- ينتقد عند هذا المستوى نظرية الانقطاع المعرفي.

وهو عقل تواصلي لكونه لا يميز بين شرع الله وقدر الله، أي أنه عقل يأخذ بالأسباب من جانب الإيمان بشرع الله، ويؤمن بقدره، من هنا لا يمكن أن نتحدث عن تمايز بين الموعظة القرآنية وموعظة القرى، وبين شرع الله وقدر الله.

المقدمة الثانية: إعادة الجيل القرآني

وهنا يمكن  حسب محمد ضريف – الحديث عن هذا الإعداد على مستويين، الأول: تكامل الوظائف، فهناك وظيفتان: الإحساني الجهادي، والإحساني العبادي.

الثاني: القبض على الجمر: أي جيل قرآني يؤمن بالتدافع، فالأستاذ عبد السلام ياسين في هذا الكتاب ينتقد فكرة الانزواء لا ينبغي أن تتخلى الحركة الإسلامية عن مسؤولياتها، إلى جانب ذلك فهو جيل منضبط السلوك، ينبذ العنف، ويتحلى بالرفق والتدرج.

المقدمة الثالثة التي ذكرها الأستاذ محمد ضريف في قراءته لكتاب “مقدمات لمستقبل الإسلام” هي التهيؤ لاستقبال الدولة القرآنية، ومنطلق هذا التهيؤ هو الإيمان بحتمية قيام هذه الدولة، انطلاقا من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن مسار الدولة العربية “نبوة، خلافة، ملك عاض، ملك جبري ثم خلافة ثانية قادمة”، وعند هذا المستوى -يختم ضريف مداخلته- لا بد من استحضار مراحل الوصول لهذه الدولة، وهي: إقامة الدولة القطرية، ثم تحرير الأقطار، ثم التأسيس للخلافة الثانية.

بعد ذلك فتح المجال للحاضرين الذين طرحوا أسئلتهم وملاحظاتهم وأفكارهم، مؤكدين القيمة التربوية والفكرية لكتاب “مقدمات لمستقبل الإسلام”.

المراسل