أي أسلوب؟   نضع كلمة الرفق أول ما نضع، ففي بدء الانبعاث ونهايته يجب أن يسود الرفق في أسلوب معاملة الإنسان والأشياء، إن الطفرات المحرومة والاستعجال الثوري والعنف الطبقي نزعات تتربص كل من يريد التغيير على درب التخبط الطويل، وكل ما أسس على العنف لا يبني إلا مجتمعا على غرار ما نراه من صنع ستالين بروسيا، فالعنف هناك لم يمت بموت الجبار الشيوعي، وإنما تجدر في المجتمع واستبدل قتل الأجسام بقتل العقول والنفوس في المستشفيات العقلية”.

   الأسلوب الإسلامي رفق في غير ضعف وقوة في غير عنف، فللدعوة إلى الله أسلوبها وهو رحمة صرف، وليد الدولة أسلوبها في المعالجة وهو أسلوب القوة التي توقف الناس عند حدود الله، وبين رفق الدعوة الرحيمة ورفق القوة التي لا تعنف مجال للإنسان كي يفكر ويسترشد ويفر من غلواء الذي يوشك أن يقع في حدود الله إلى رجولة الذي يختار الصدر الرحيم.

   إنه رفق التوبة، ولها باب مفتوح لا ينغلق إلا عند قيام الساعة، ومهما كانت سوابق الإنسان ففي التوبة متسع له بعد رد المظالم، ورد المظالم يعني في السنة العمرية، سنة ابن عبد العزيز، إعادة الرشي والمنهب إلى مالكيه المظلومين، ويعني عندنا فوق هذا تسوية الماضي بحذافيره بحيث لا تراق دماء الرجال، أرأيتم كيف اهتدى الصينيون إلى مروءة “النقد الذاتي” فلطفوا بها من عنف أمثال ستالين ! ما أجدر تلك المروءة أن تتأملها !

   إننا معشر المسلمين نسير في طريق العنف، وقومياتنا المتناحرة نعرض عليها لحل تطاحنها الطبقي الداخلي ولحل تطاحنها بينها أسلوب الإسلام لمعالجة الفتنة.

   هذا في بلاد يعترف قادتها بالإسلام دينا، أما حيث الدولة لاييكية والقادة مرتدون مثل تركيا فللدعوة ذراعان قويان لا بد منهما لقتال الكفر، وإلا فلا دعوة في أحضان نسل المارد “أتاتورك” في زعمه، فالكلمة تعني “أب الأتراك”، إنما كان أبا للكفر ورائدا له في بلاد الإسلام، لعنه الله.

   وفي انتظار بعث إسلامي يقوده مثل عمر بن عبد العزيز وعلى شرطه، أو انبعاث إسلامي تتوق إليه أفئدة الشعب وتعمل له وتبدو بوادره في تحمس شباب الأمة للطهارة والرجولة وإظهاره إسلامه في الجامعات والمدارس والمساجد، ما هو موقفنا.

   ما موقفنا ومنطق الأحداث يتجه بكل البلاد الإسلامية إلى ضرورة الحل الإسلامي !

   في إيران طغى الظلم وعنفت دولة صنيعة للجاهلية حتى جاءها غضب الشعب المسلم من أسفلها فنسف الظلم وضرب لنا وللعالم مثلا، قوة كانت قومة المومنين بإيران لاعنفا، وإنما العنف استعمال القوة في غير محلها.

   إننا نضرب للحكام مثل عمر بن عبد العزيز فيظن أصحاب الإديولوجية المغذون بمفاهيم خارجة عن إطار الفكر الإسلامي أنه حلم ومثالية، وقد يكون من اللازم لكل مقبل على حركة من المسلمين أن يضع في أفق تفكيره وحسابه إمكان تحول مفاجئ في القمة تحت ضغط القاعدة الإسلامية وضغط الضرورة العامة، ولا يمكن إلا أن يكون تحولا من مدار النموذج اللبرالي والاشتراكي إلى مدار النموذج الإسلامي، وهنا يكون مفيدا ذكر عمر بن عبد العزيز وعمله وسابقته.

   نعم الأفراد لا يصنعون التاريخ وحدهم، لكن قيادة الشخصيات القوية لها الأثر الأول في كل حركات التاريخ.

   يمكن أن يحتج محتج أن الشخصيات القوية إذا كانت ذات ماض ومتورطة في طبقية صنائعها وحسابات مصالحها وشروط حلفائها تفقد كل ميزات القوة بل كل مقومات الشخصية، ولعلها ترشح نفسها للعب خلف واجهات الإسلام متذرعة “بالكلام الفارغ” حول عمربن عبد العزيز.

   نعم هذا هو الأقرب لكل توقع.

   لكن رفق الإسلام المبدئي وصرامة الإسلام بعد ذلك حدان للسيف التاريخي المصلت على رقاب قادة البلاد الإسلامية: فإما وجه عمر بن عبد العزيز، وهيهات !

   وإما عمامة الخميني فإن الشعوب الإسلامية لن تثق إلا بالصالحين وسط الفساد، الصادقين وسط الكذب.

   إننا نطالب حق المواطنة أن نعبر وننتظم كما نشاء، فهل نكون حزب معارضة، وهل نلتمس حلفاء من رجال الأحزاب، أم هل نكون عرضة ليلعب بنا الساسة ويتخذوننا لواء في زحفهم نحو السلطة أم هل نسعى نحن للمصالحات والتنازلات وهما خلاصة في السياسة أم هل يكون رفقنا انحلالا تدخل إلينا منه تيارات الأهواء وحب البدعة والرئاسات.

   إن إلى جانب الرفق فضيلة أخرى ضرورية في أي عمل جدي: إنها فضيلة “الصبر”، فنحن عازمون أن نصبر نفسنا للمهمة الشاقة مهمة جمع كلمة رجال الدعوة ثم مهمة تربية جيل مومن، فلن نستعجل ولن تستخفنا المغريات، إننا لسنا للبيع ولا للمساومة، فقد بعنا أنفسنا لله وأموالنا بأن لنا الجنة، فمن يزيدنا على ما بعنا به؟ لن تستخفنا المغريات إلى الطريق المنحدر فنحن سائرون بحول الله صعدا في جهاد أنفسنا وإعداد القوة لغد الإسلام القريب بحول الله ومتى تم إفلاس القوميات، وفي الوقت الذي نختاره نحن، سنقول إرادتنا وسنبرز للعمل على وضح النهار.

   موقفنا واضح: إننا نتخذ لنا شعارا قول الله عز وجل يخاطب المؤمنين، من كان منهم أهلا للشهادة وهم رجال الدعوة، ومن كان منهم مسؤولا عن العدل وهم رجال الدولة: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى”.

   فنقول لكم يا رجال الدولة: “اعدلوا ! اتقوا الله ! احكموا بما أنزل الله ! أما نحن فنقوم لله نشهد بينكم، نراقب ونرى قسطكم أو أقساطكم، لا نريد ما في يدكم من متاع الدنيا وزينة الجاه، وها أنتم في شنآن من أمركم، وقديما قال المثل العربي: في بيته يوتي الحكم !” فإن فتحنا لكم يد الأخوة فإنما نفعل لتخطوا أنتم إلينا الخطى اللازمة، لا لكي نبيع آخرتنا بدنياكم !