في قدَر الله الحنان المنان أن انبرى سفهاء من الدنمارك فاستهزؤوا من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحدت أمته على نصرته كما لم يسبق لها أن اتحدت، وكما لم يكن في حسبانها أن تتحد وهي القصعة التي تداعت عليها الأمم(1). وفي قدَر المدَبر الحكيم أن ينبري سفهاء آخرون كأنهم حُمُر مستنفَرة، ففعلوا فعل السفهاء الأول، وقالوا لهم إنا معكم إنما نحن مستهزؤون؛ “الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون”(2).

زعموا أن حرية الرأي والتعبير التي سالت لأجلها دماء أجدادهم تخولهم الحق في السخرية من أي كان وكيفما كان. لا يكذبن علينا أحد أو يكذب على نفسه، فلا حرية تعبير مطلقة في الغرب، ونسبيتها تفضحها الخطوط الحمراء السميكة حول صحة الهولوكوست اليهودي. نعم أمة اليهود أمة قوية مهابة والويل لمن عاداها من تهمة معاداة السامية، أما أمة الإسلام فهي أمة ضعيفة نزع الله من صدور أعدائها المهابة منها فاسترخصوا دمها. أما مقدساتها فعندهم أرخص.

تنتصر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعوب أمته، لكن فعلها يسطو عليه حكام الدول الإسلامية -أغلبها- لتثبيت حكمهم الجبري… كيف إذن تصون الشعوبُ نصرتَها لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من سطو الانتهازيين؟ وكيف تكون تلك النصرة لبنة، بل لبنات، في بناء أمة قوية مهابة؟

يعزف حكامنا على وتر الانتصار لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مسايرة لما يعتبرونه “المخزون الديني” للشعب، أو منافسة للحركات الإسلامية على ولائه، أو إلهاء له عن محاسبتهم ومعارضتهم. أولى بهم أن يستنكروا الصور الكاريكاتيرية للإسلام الرسمي المسيئة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: مساجد ينهى فيها عن شرب الخمر لا تبعد كثيرا عن محلات تجارية كبرى تبيعه بترخيص رسمي، ومساجد ينهى فيها عن الزنى تتوسط منابر إعلامية وفنية تُشيع مقدماته وتيسره على شباب لا قدرة له على الزواج… إذا كانت مقاطعة بضائع مَن مس بمقدساتنا وقطع العلاقات التجارية معه التزاما ومطلبا شعبيين، فإن حكامنا مطالبون على الأقل بحظر ما يسيئ إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مثال بيع الخمور وإشاعة الصور الخليعة… ربما بعد ذلك نحسن الظن بانتصارهم لمقدسات الإسلام. ربما.

انتهازيون من نوع آخر، يرون في الحدث فرصة لدعاية انتخابية سابقة لأوانها؛ نجدهم اليوم في مقدمة المحتجين وأول المصرحين لوسائل الإعلام، وقد كانوا في أمس قريب، قبيل التسعينيات، يساندون أو يقودون “تقدميين” بالجامعة يحاربون “الأصولية الظلامية العدمية الرجعية” بالتغوط في المساجد الجامعية وتمزيق مصاحفها والتبول عليها… إساءة للمقدسات بالأمس ومنافحة عنها اليوم؟… أكيد أن أمورا كثيرة تغيرت منذ ذلك العهد، لكن لست بالخب ولا الخب يخدعني، وحركات أنامل الزمار لا يوقفها موته…

إن أشكال الانتصار لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تقوم بها الشعوب ما ينبغي لها أن تكون أحجارا تُلقمُها الكلابُ التي تعوي(3)، بل يجب أن تكون لبنات نبني بها أمة قوية مهابة؛ فتكون بإذن الله تلك الأشكال مدرسة لتجديد النيات ورفع الهمم وإحياء الرجولة وتفجير سليم للفطَر الكامنة في القلوب. وتكون فرصة لكل مسلم ليبحث في دواخل نفسه عن صوره المسيئة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فينتفض ضدها ويقاطعها كمقاطعته للجبنة الدانماركية ويصرخ في وجه نفسه كصراخه أمام قنصلية دانماركية: إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إلا ما بعث به؛ إلا سنته؛ إلا…فرط إلا في ذلك… تكون تلك الأشكال الاحتجاجية حربا ضروسا على الوهن…

الهوامش:

(1) حدثنا‏ ‏عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ‏حدثنا‏ ‏بشر بن بكر‏ ‏حدثنا‏ ‏ابن جابر‏ ‏حدثني‏ ‏أبو عبد السلام ‏عن‏ ‏ثوبان‏ ‏قال ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم “‏يوشك الأمم أن‏ ‏تداعى ‏‏عليكم كما ‏‏تداعى‏ ‏الأكلة‏ ‏إلى ‏قصعتها‏ ‏فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم‏ ‏غثاء ‏كغثاء‏ ‏السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت‏” أخرجه أبو داود.

(2) سورة البقرة، الآية 15.

(3) ولو أن كل كلب عوى ألقمته حجرا *** لصار الحجر مثقالا بدينار.