أية أفكار؟

   يتخذ بعض الحكام في دار الإسلام فتاوى المدجنين من علماء الشريعة مطية توصلهم إلى حيث يبررون كل أعمالهم النابعة من فكرهم القومي الثوري أو القومي الآخر، وهكذا يستحيل علم الحق وهو علم الشريعة المطهرة إلى بضاعة تشكل وتصبغ على هوى الزبون الذي يعطي على علمية التمويه المال والجاه والكراسي.

   كان العلم في عرف المسلمين ولا يزال هو العلم بما أنزل الله وبما أمر وبما فعل رسول الله وبما قال وأقر، وكان العالِم هو الإمام في الأمة والمرشد والمربي وحامي الدين، كان هو رجل الدعوة المؤيد بما عنده من الحق المنصور باجتماع الأمة عليه في وجه الحاكم، ولم يلبث أن انفصم ما بين رجال الدولة من آصرة الاحترام والاستنصاح وبين رجال الدعوة وبقي بعض رجال الدعوة صامدين يصدعون بكلمة الحق وبعض رجل الدولة يستمعون، وكثير من الجانبين باع دينه لصاحبه.

   واليوم يقال: هذا عالم دين استصغار لمكانته وتمييزا له عن العلم الرائج في الوقت وهو علم المادة وعلم استصلاحها وصناعتها، ومن هذا العلم المادي علم السياسة وعلم الاقتصاد، مادتهما الإنسان في مجتمعه، بأفكار سياسية يتحرك الطبقة المعنيون بالأمر العام، وهي أفكار مستوردة لما كان ! والعلم الحق، العلم بمعنى الإنسان ومصيره وعلاقته بخالقه وبما يقربه منه أصبح هينا على الأمة حين هانت على العلماء أنفسهم واستقالوا من المهمة التي كتبها الله عليهم وهي أن يقودوا الأمة وينيروا لها الطريق.

   إننا بحاجة لعلماء حق العلم ليعطونا أفكارا نعمل بها، ليترجموا لنا كتاب الله وسنة رسوله قوانين واضحة قابلة للتطبيق على تدرج لنتحرر من الإديولوجيات، إننا بحاجة لعلماء يمارسون مسؤوليتهم التربوية ويفرضون على رجال الدولة الخروج من التبعية الفكرية ومن ضلال الحكم بغير ما أنزل الله.

   هلموا يا رجال الدعوة، يا علماء المسلمين إلى ربكم !

أي نظام عمل؟

   من يبدأ الخطوة الأولى نحو بعث الإسلام؟ ثم ما العمل وما أسلوبه وما غايته؟ أيمكن التحول بفعل ينصب على الشعب من أعالي السلطة السياسية؟ أم لابد من غضب جماهيري يؤطره في المبدأ والنهاية نخبة من المثقفين العقلانيين؟ أهو إصلاحية أم ثورية؟ أهو سياسة رجعية يمينية أو طفرة يقوم بها أهل اليسار؟ نضع أولا للناس تحديا عاليا إن تعلقت به همم بعض رؤساء دولنا، هذا التحدي هو عمل عمر بن عبد العزيز الخليفة الصالح، إنها سابقة فذة لكنا نقول للناس لعل الله تعالى يرفع بعض عبيده من قادتنا لتلك الهمة القعساء ! فلا نغلق باب إمكانية بعث الإسلام من أعلى، لكن على شرط عمر بن عبد العزيز.

   أما بعد، فإن مفاهيم الإًصلاحية والثورية واليمين واليسار مفاهيم جاهلية، ونحن رجال الدعوة يإيماننا بالله نتميز عن مروآت اليسار الاشتراكي وعن محافظة خصومهم على ذلك المستوى بارتفاعنا إلى الله، إننا نرى من رجال السياسة الجاهليين من برم بالتقسيمات السياسية إلى إصلاحية وسط ويمين ويسار وصار يدعي أنه خارج كل تلك التصنيفات، لعله يبحث عن إنسية من نوع ما، لكن أنى له أن يكون مع الله بإيمانه ومع الناس بالرحمة الصادقة والجدب الذي لا ينتظر جزاء على الأرض بل يطلب الآخرة وجزاءها.

   عملنا نحن أمة الإسلام يوم نتولى المسؤولية عمل مرتبط بالله من حيث الغاية والحوافز والشريعة وبالعالمين من حيث الأخوة في الله، ومن بعدها الأخوة في الإنسانية، نكون من المحسنين لأننا نبعد الله كأننا نراه، ونحسن للمسلمين ذوي قربانا وللناس كافة لأنهم عيال الله، لن يكون عملنا “لعبة” بين الناس بقوانين الديمقراطية المفتوحة الغربية ولا بقوانين الديمقراطية المركزية المنغلقة وراء الستار الحديدي في روسيا والستار الدموي في كامبدج، ولن يكون عملنا تقليدا قرديا لترتيبات الناس وشكلياتهم، سنخترع عملا إسلاميا في أشكاله، وسنجدد الإيمان الخالد الذي لا تنال منه تغيرات الزمن ووسائله، الإصلاح تعبير لا بأس به إن كان يعني القضاء التام على البغي وأسبابه وعواقبه، والثورة تعبير لا بأس به إن نزعنا سم العنف الذي يعبر عنه لنصنع منه ترياق القوة.

   للعمل الإسلامي غدا يدان، يد مفتوحة بالخير وهي يد الدعوة، ويد حديدية هي يد الدولة، فإذا صغت عمل اليدين كان الرفق ولم يكن العنف وكان نداء الفلاح لكن بصوت جاهر لا ينكسر، لا تحسبوا أن العمل الإسلامي أخلاقية مترهلة ولا قسر جاف، نحن رجال الدعوة، في انتظار أن يستجاب لندائنا، لا نملك إلا أن ننتح يد الرحمة لعناق الأخوة نضم فيه كل من قبل أن يصادقنا في الله ويؤاخينا، وعلى رجال الدولة أن ينظروا في أمرهم لعلهم يدركون أن يدا واحدة لا تصفق، ولن يصادفوا إلا خواء ما داموا يعرضون عن الدعاة إلى الله أو يلاحقونهم بالتحقير والكيد والتعذيب.

أي شكل حضاري؟

   الثقافة الجاهلية تمثل روح الظلام الهاجم علينا في ديارنا، ومسارب هذا الروح إلينا هو حاجاتنا إلى أشياء الحضارة الجاهلية وأنماط نظامها وأشكال بناها المرصودة للتعامل مع الإنسان الدوابي بالإنسية الجماهيرية الكاسحة لكل الإنسان أو بإنسية التحرر من كل التزام خلقي في بلاد الفردية الغابوية، وإذا كان المعنى الجذري للحضارة هو فن تعامل الناس في المجتمع، أي تحاضرهم وتعايشهم وتفاعل بعضهم مع بعض بم يليق من لطف بالإنسان واحترام لشخصيته ورفع لاعتباره عند نفسه وعند المجتمع فإن الحضارة الجاهلية هاوية بهذا المعيار، فالإنسان في كولاك الجماهيريات مهضوم الكرامة، وكل بلاد الاشتراكيات العلمية كولاك، والإنسان في غابة الرأسمالية يعصف به العنف وتصنع منه الحضارة الصناعية لولبا في الآلة الجهنمية المنتجة التي تبتلع مع خيرات الأرض وطاقاتها وطيب مائها وهوائها روح الإنسان، والإنسان في الحضارة الجاهلية بشقيها قد انتهى من اعتبار نفسه أي شيء غير الدابة المسوقة بعصا النظام المجموعي أو بضرورة التوقيت الصناعي وحشر المدن المضببة المزدحم الجهنمي، هذا إن لم ترم الحضارة الجاهلية الإنسان في هوامش الإجرام والمخدرات وقطعان الهبيز، ويصبح الإنسان الجاهلي تحت نير حضارته يبتغي معنى لموجوده ويتلهى بالمطالبة بالحرية إن كان في شرق الجاهلية وبالعدل إن كان في غربها، أما نحن فلا تزال تفتننا الحضارة الهاوية بإفرازاتها من منتوج صناعي وفني، وتروج لهذه الفتنة ثقافتنا المترجمة عن الجاهلية، وهذه الترجمة تضاعف من ردائلها لأن الذي يترجم لنا عميل مفتون باع روحه للجاهليين أو شيطان ملحد يزوق ويوسوس.

   إن مشروع الانبعاث الإسلامي لا يكون له المعنى الكامل إلا إن اقترح على المسلمين اختراع حضارة إسلامية تتخذ من الأشكال في التنظيم والإنتاج والتربية والمعاملة اليومية والإدارة والعمارة ما يساير إحياء الإنسان من موت الكفر والغفلة عن الله ويعاضده.

   وإن صفة الحضارة الإسلامية الأولى هي النظافة العامة: نظافة الذمم ونظافة الناس والمدينة والأشياء، ونظافة كل هؤلاء مما يلوث المعنى والجسم من أوحال الأخلاق الرديئة وأوحال الشهوات ففي هذه الأوحال تعيش الديدان الطفيلية التي تنجس المجتمعات بانتهاب الأرزاق وتدفع المحرومين إلى ممارسة رذائلهم على مستوى أحط وأخس، مثال ذلك أن الطفيلي في الطبقة المترفة من المجتمع يحتاج إلى أرجاس ثمينة يسخر في سبيل إنتاج وسائلها عامة المجتمع، فتتحول نية المجتمع الاقتصادية والإنسانية آلة لإرضاء هوى ذلك المترف وبالمحاككة تسري الرذيلة من أعلى إلى أسفل ومن مخدر الجاه والمال إلى مخدر الحشيش ودهان الأحذية.

   ثم بعد النظافة البشر والاستبشار والأمل الباسم للإنسان، فإن الحضارة الجاهلية حضارة مكفهرة سوداء، ويكفي أن نفتح سمعنا لتأوهات الجماعات التي تتأسف على فساد البيئة بفعل تلك الحضارة الملوثة (بفتح الواو وكسرها).