ليس في الأمر مبالغة، إنها حقيقة ساطعة، يدل عليها هذا المنع المتكرر للفنان الموهوب رشيد غلام ولفرقته، التي تضم نخبة من أجود المنشدين. أعرف، مثل غيري، أن هناك متغنين برسول الله صلى الله عليه وسلم، يظهرون على التلفاز، وينظمون سهرات، ويتغنون متى شاؤوا، أين شاؤوا… ذلك حقهم، بل ذلك أبسط حقوقهم، لأن حق الفنان لا يقف عند تمتيعه بالحرية، التي عليها مدار فنه، والتي هي عنده ضرورة كضرورة الماء للزهرة التي نريدها أن تزيد الطبيعة ابتهاجا بعبقها وتفتحها. ولكن حقه يتجاوز ذلك إلى دعمه ماديا ومعنويا، وتيسير السبل أمامه، ليرتقي بفنه، ومن تم بمجتمعه، متى تأسس ذلك الفن على ذوق سليم. أعرف، مثل غيري، أن هناك فنانين مرموقين مسموح لهم بالتغني برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك أتشبث بالعنوان أعلاه لأني أعرف أيضا أن الفنانين لهم من رقة المشاعر ورهافة الحس ما يجعل المس بأحدهم مسا بهم جميعا، وحصار بعض الفن حصارا للفن برمته.

بدأ مسلسل منع الفنان رشيد غلام، صاحب الصوت الشجي، واللحن الجميل، والكلمات الرقيقة، منذ سنة 1998. واشتدت وطأة منعه وحصاره منذ مشاركته في مهرجان الرباط سنة 2002، حيث تأكد لمن شاهدوه وسمعوه آنذاك أنه فنان متميز بكل المقاييس، ولعل هذا ما جعل التلفاز المغربي يبث مشاركته أكثر من ثلاثين مرة، وأضعاف ذلك فعلت الإذاعة المغربية، ولازالت تفعل إلى يومنا هذا. ولا نعرف أي منطق هذا الذي يسوغ منع فنان من المشاركة في سهرات ومهرجانات وفي الآن نفسه يسمح بإذاعة أغانيه في المذياع؟ تكرر المنع في العديد من المناسبات، من أهمها منعه من المشاركة في مهرجان الموسيقى الروحية بمدينة فاس سنة 2004، ومنعه من الظهور بالقناة الثانية في رمضان الماضي بعد تسجيل مشاركته في حلقة من حلقات برنامج” شذى الألحان”، حيث ألغيت الحلقة في آخر لحظة بطريقة مستعصية على الفهم.

مرة أخرى يتم منع غلام من المشاركة في مهرجان الموسيقى الروحية بمدينة فاس. فبعد أن تم الاتصال به، وبعد أن ظهر اسمه ضمن المشاركين في مهرجان هذه السنة على الموقع الإلكتروني المخصص لذلك، تتصل به اللجنة المشرفة لتخبره، بكل بساطة، أن إدارة المهرجان ألغت مشاركته. لماذا يا ترى؟

فكل من يعرف غلام من قريب أو بعيد يعرف أنه لا يتغنى بمآسي الكثير من المغاربة، وما يكتوون به من فقر وبطالة وظلم وجهل… ولا يدعو في غنائه إلى انقلاب أو ثورة… إنه يتغنى بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم. فلماذا يمنع من المشاركة في مهرجان الموسيقى الروحية، ومشاركته ليس فيها من نغمة سوى نغمة الحب، وليس لها من إطراب إلا في عشق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ كيف يمنع من المشاركة، وهو الفنان المتميز بشهادة إدارة المهرجان، التي قالت عنه -قبل أن تمنعه- أنها يشرفها مشاركته، لأنه فنان مغربي يجيد فن السماع الصوفي؟ لماذا يمنع من المشاركة وهو الفنان المقتدر في مضماره بشهادة فنانين كبار؟ كيف يحاصر فنان يتغنى بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي تشارك فيه فرق تنتمي إلى معتقدات مختلفة كالزارداشتية والهندوسية..؟ لائحة الأسئلة تطول. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذه الأيام انخرطت بعض المؤسسات الرسمية للدولة في الانتفاضة التي عرفتها الأمة الإسلامية للتنديد بالإساءة لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مشكورة على ذلك في كل الأحوال، لكن يحق لنا أن نتساءل أليس في منع التغني به صلى الله عليه وسلم نوع من الإساءة؟

ثم أين هي شعارات “حرية الفن” و”دعم الفنان” و”تشجيع الإبداع”… لماذا تتحول، في كل مرة، هذه الكلمات الكبيرة إلى كبائر ظلم وهضم للحقوق في الواقع؟ لماذا ينتفض بعض الناس دفاعا عن حرية عبادة الشيطان ولا ينتفضون للدفاع عن حرية التغني بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ هل المخزن وشرذمته أذكى مما نتصور، بحيث يعلمون ما للكلمة المنغومة الصادقة من أثر بليغ على القلوب والأرواح، ويعرفون أن التعلق بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أقوى عامل في نقض غزلهم ودفع ظلمهم؟

يبدو والله أعلم أن الحرية شعار لا أثر له في مغربنا الحبيب، خاصة إذا تعلق الأمر برجال ونساء العدل والإحسان. فالتحليل السياسي ممنوع إذا كانت صاحبته الأستاذة ندية ياسين نجلة مرشد العدل والإحسان، والتعليق الصحافي ممنوع إذا كان سينشر في “رسالة الفتوة” جريدة شباب العدل والإحسان، والتغني برسول الله صلى الله عليه وسلم ممنوع إذا كان المتغني هو رشيد غلام منشد العدل والإحسان…

بل إن إحدى الجرائد، التي لا يشرفني ذكر اسمها، ذهبت إلى التحريض ضد الموظفين المنتمين للعدل والإحسان الذين أصبحوا يتكاثرون في بعض الوزارات… أي غباء هذا؟ ألا يعلم أصحاب هذا المنطق الأخرق أن جماعة العدل والإحسان أكبر بكثير مما يتصورون؟ ولله الحمد وله الشكر.

صبرا غلام. إن ليل الظلم قصير. وإن الله مع الذين صبروا. أعرف أن حرية الفنان هي حياته، لكن أعرف أيضا أننا في جماعة العدل والإحسان نتربى على أن تكون همتنا أكبر من هذه الحياة الدنيا الزائلة.