أي إنسان؟

   مجتمعات الجاهلية ومجتمعاتنا المفتونة في وحداتها القومية ملفوفة، في رجعية العرق ورجعية الانتماء الإٌقليمي الإيديولوجي، ونستعمل كلمة رجعية وهي من الحراب التي يشرعها في وجوهنا الأعداء، وهي من كلامهم، ليفهموا ما نقصد، الإنسان فيها خسر إنسانيته وخسر نفسه بالكل لأنه غاد رائح في كبد يومي دائم لينتج ويستهلك، إنه دابة اقتصادية لا غير، وتكافأ هذه الدابة بالمتعة المصنوعة صناعة جماهيرية، أو بالثقافة في دنيا الجماهيريات الشعبية، تلك المتعة وهذه الثقافة هي كل معنى الإنسان الخاسر، فأي إنسان نريده؟ أي ما هي الكرامة الإنسانية التي أعلمنا الله بأنه خص الإنسان بها وعلمنا كيف نحفظها عليه؟ إن سلطة الدولة في الأنظمة الجاهلية تسهر على تأمين الحاجيات من طعام وكساء وأمن وصحة وراحة، وهي تنجح في ذلك، على كل حال، أكثر منا، وهذا يؤدي بإجمال معنى تخلفنا، لكن إرضاء هذه الحاجات لا يعد تكريما للإنسان إلا باعتبار جسمه، أي باعتباره دابة فقط، فلو جعلت هذه الحاجات في مكانها وجعل إرضاؤها أساسا ماديا لبناء روحانية الإنسان بالإيمان وتصعيد الحوافز ومرمى عين الهمة لكان ذلك هو التكريم الحق.

   إنسان لله وإلى الله صائر على شريعته، هذا هو خليفة الله في الأرض هذا هو النموذج الإنساني نحو كماله وسعادته، وحوله ينتظم بنو الإنسان في مجتمعاتهم باختلاف أديانهم وأعراقهم، وباختلاف مروآتهم الفردية.

   وهنا نأتي بمفهوم محوري في تصنيفنا للإنسان على سلم الإيمان مع الإبقاء على وحدته بانتمائه للجنس البشري، المروءة بالمعنى الذي نقصده، تصف القيم الإنسانية المشتركة بين الناس أبيضهم وأحمرهم مومنهم وكافرهم، المروءة هي أرضية الاستعداد الخلقي الجبلي، فالكرم وعلو الهمة وحب الصدق والغيرة على الظلم ونصرة الضعيف وحب الخير بصفة عامة خصال مشتركة بين الناس، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما قال: “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا” نسب الجاهلية خيرا، وما هو إلا هذه المروآت، ومتى زال حجاب الكفر أو الغفلة عن ذي المروءة أصبح من خيار المسلمين.

   هذا يعني أن الإسلام لا يعتبر هذه النسمات الإنسانية أرقاما وجماهير بل يهتم بالأفراد ويحلهم محلهم على حسب استعدادهم ويستصلح المروآت لا يكسرها.

   فالعناصر الإنسانية التي ببلاد الإسلام، مهما كان فكرها وانتماؤها الحزبي، تستصلح لغد الإسلام الموعود ويعرف فضلها واستعدادها ويفتح لها مجال العمل، ما بينها بين أن تصبح من خيار الأمة إلا أن تفقه دينها وتخدم بكفاءتها الإسلام، ثم إن سلم المروءة يجمعنا بالجنس البشري كله على صعيد آخر غير صعيد الإيمان، فمروءة الشيوعي منهم أو من بني جلدتنا الغضب على الظلم الاجتماعي ونصرة المظلوم، وهي مروءة كبيرة يرفعها الإسلام ويعرف حقها، وتجارب الأمم ومهارتها مروآت ما أحوجنا إلى تأملها وغربلتها لنغسلها بماء الإيمان ثم نستعين بها على أمرنا.

   إن المروءات وأصحابها من الجاهليين قيم إنسانية مرفوعة حيثما كان الإنسان، وهي عملة مشتركة، وأرضية يستنبت عليها العمل الصالح متى سقيت بماء الإيمان.

   هذا ننبه إليه لأن الفلسفات الإنسية التي تعنى بالإنسان تجعله غاية نفسه صبغت فكر بعضنا حتى أصبح يزعم أن ما يصلح لنا هو إنسية قومية لا أدري أهي شعار باطني نلبسه دون إسلامنا أو دثار نتلفع به من ظاهره، ذاك خلط في المفاهيم، علمنا الله !

أية حوافز؟

   أخلاقيات الأفراد تتظافر في أخلاقيات جماعية وعلى أساس هذه وتلك يبني نظام الأمم وتتماسك مؤسساتها السياسية ومعاملاتها الاجتماعية، ونحن أمة المسلمين نعاني أشد ما نعاني من خراب الأخلاق وطغيان الأنانيات، ولشد ما تنادي القيادات السياسية في دار الإسلام إلى ضرورة التعبئة وشد العزائم، بعضها ينادي إلى تعبئة قومية ويعني مجد الجدود، وأخرى تنادي إلى تعبئة ثورية تقدمية وترفع الشعارات، وكل ذلك واجهة ينصبها القادة يخاطبون من خلفها عاطفة الغضب على العدو الأجنبي وعاطفة الغضب على العدو الطبقي ليخلقوا حوافز تجمع الجهود وتنفذ إلى الهدف القومي الثوري الذي يتلخص في واجب التنمية، ما معنى التنمية في منطق القادة وما معناها في عقلية الشعب المسوق؟ سؤال يستنطق فيه هؤلاء وأولئك فلا يشيرون إلا إلى الغايات المادية البعيدة المنال لأن القادة ما عرفوا أن يقترحوا على الشعب المسلم إلا أهداف المعاش وقلبوا سلم الحوافز فسخروا شعور الأمة العميق بإسلامها لإرساء واجهات القومية والثورية، ولسفالة الأهداف وفساد النيات تمتنع التنمية ويضيع الشعور الإسلامي العميق متبخرا في شعارات منافقة.

   واجهات كذب وخراب في الأخلاق وانهيار في الذمم: الرشوة هي النظام المتعارف عليه في كل مستويات المعاملات والمحسوبية واهتبال الفرص للسرقة والغش واحتكار الأموال، حوافز أنانية لا تعرف معنى للحلال والحرام وحتى للمروءة الإنسانية التي تجعل المرء معتزا بذاته يأنف ، يريق ماء وجه من أجل كسب مادي مهما كان.

   إن بناء الإنسان في دار الإسلام غدا يوم انبعاثنا إن لم يتخذ الشعور الإيماني منطلقا لن يكون إلا بناء صوريا، وإن الدول الإسلامية حين تلد هيكلا إديولوجيا أو مخططا اقتصاديا أو أسلوب سياسيا وتدعو إليه الشعب قائلة: هذه ثورتكم، هذه انتفاضتكم إنما تنسب نسلها لمن هو منه بريء، وهكذا تلصق القيادات السياسية على جبهة الشعب المسلم في غيبوبته خطوط فكرها هي وإرادتها هي وتريد أن توهمه أن تلك الخطوط سمات فخار تشيد بعبقرية الشعب المسلم.

   إن الدولة أعجز من أن تخلق في الشعب حوافز أعلى من تلك التي ترتكز على الخوف والطمع، وإنما يستطيع أن يحرك الأمة إرادة إيمانية استجابة لدعوة إيمانية، فرجال الدعوة هم وحدهم القادرون على تربية الأمة وإيقاظ أفرادها وتعهدهم والحداء لهم بنشيد الجهاد في سبيل الله، إن للدولة في دار الإسلام شأنا أي شأن في رعاية حساب المالية وإدارة الأشياء، وبما أن الدولة هي آخر الأمر مجموع موظفيها وهيكل سلمها الإداري فقدرتها على إنجاز مهماتها رهن بعمل رجال الدعوة في حقل التربية ورفع الهمم وترميم الذمم.

   بأية إرادة نواجه المستقبل المكتوم المكفهر بنذر الكوارث الاقتصادية والعنف القومي، وبأية إرادة نواجه مشاكل حاضرنا الذابل الفقير المشتت؟ يقول التاريخاني الدهري: “إن الحتمية تقودنا على خط الجاهلية حتى الثورة العمالية، فالبناء الاشتراكي فجنة ماركس” ونقول نحن: “إن تباشير الانبعاث الإسلامي تبسم لنا في ملل الأمة من الشعارات الكاذبة وفي تعطشها للطهارة الخلقية والسمو الروحي ثم في إصغائها بعناية وتلهف لرجال الدعوة حين ينادون حي على الصلاة حي على الفلاح”.

أي تضامن؟

   قال الله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي” صدق الله العظيم. هذه الثلاثة المنكرة مرتبطة ببعضها، فحيث يكون البغي تنتشر الفحشاء وحتى تنكر كل أعمال القوم الباغين، والفحشاء كل عمل ابتعد عن شريعة الله، فالبغي هو الظلم الاجتماعي المنافي للعدل، والمنكر هو تعطيل الإحسان الذي أمر الله به، أي المعروف المقبول في العلاقات من حسن رعاية مصالح الناس كافة وضمان الخير العام لهم، فإذا اجتمع البغي والمنكر، أي إذا عطل العدل وعطل الإحسان فتلك هي الفحشاء الاجتماعية وهي ما تشكو منه هذه الأمة.

   إن نداء العدل الاجتماعي نداء قوي جدا لأنه المروءة التي يستجيب لها كل الناس، وقد أساء إلى الإسلام بعض قادته السياسيين وبعض المدجنين من علماء الشريعة وكثير من الانتهازيين بين الفريقين الذين ساهموا، كل بحصيلة بغيه وإمعيته وانتهازيته، في إلصاق سمعة الفتور نحو الضعيف بالإسلام، لهذا نحرص كل الحرص أن نوضح في هذه الرسالة من مجلتنا أننا نشعر شعورا قويا نحو الظلم الاجتماعي، ونؤكد أن العدل آكد واجبات الحاكم وأن الإحسان فسحة أمام المسلم الموسر ليعود بخيره على ذوي القربى، الأقرب فالأقرب، كل المسلمين ذوو قربى بعضهم من بعض، الزكاة نعم ! لكن بعد الزكاة ثم حق وحتى يتم أقصى ما يمكن من الإنصاف وأحب ما يكون من المساواة !إننا مع عمر رضي الله عنه بلا تحفظ، فنحن معه على السنة المحمدية، إذ خليفة راشد أمرنا باتباع سنته، إننا معه بكل عواطفنا وإرادتنا في عزمه أن يأخذ من الأغنياء ويرد على الفقراء، إن ما يتربص بكم يا أغنياء هذه الأمة هو الحقد الطبقي والحرب الطبقية، وسيقتلكم الشيوعيون إن استطاعوا لينصفوا المظلوم، وستكونون عند الله مسودة وجوهكم خجلا لأنكم ساهمتم، بأنانيتكم وجمعكم الحطام، على انتصار الاشتراكية في بلاد الإسلام، أي القضاء على دين الله، نحن ندعوكم للإسلام أيها الأغنياء وأيها الحكام، ويعني الإسلام أن تفكوا تضامنكم الطبقي الاستغلالي وتعطوا المحرومين نصيبهم من الرزق الذي رزقكم الله، أن لا تفعلوا بحافز الإيمان وتسارعوا لتحكيم كتاب الله وسنة رسوله فسيفعل ذلك بكم وبأموالكم رغم أنوفكم وبأيد الاشتراكيين من أبنائكم الذين سيطأون مع رقابكم كل القيم التي ندعوكم إليها لا قدر الله.