السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته

   عذرا بين يدي جنابك الشريف، أن تطاول على مقامك بعض النكرات هنا وهناك وأنى لهم.

   عذرا .. عن حرقة القلب الخافتة

   عذرا .. عن تباطؤ الحركة وسهو القلم

   عذرا..

   فحسبنا أنك بنا “رؤوف رحيم”، وعزاؤنا قول ربنا “إنا كفيناك المستهزئين”.

   آثرت أن أفتتح ندائي هذا بهذه الكلمات التي ترسم بعضا من معالم علاقة أمة الإسلام بنبي السلام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وهي علاقة محبة وتعظيم واتباع وفداء، مفهومة عند كل مسلم سليم الفطرة، مستغربة عند بعض من بني جلدتنا المتصدرين عالم “الثقافة” والصحافة.

   أقف وقفات خاطفة مع الصحفي المسلم الذي يعيش معنا في الوطن وينتسب معنا إلى الدين، والصحيفة التي تصدر لنقرأها نحن أبناء الشعب المغربي المسلم، لأستفهم هذا الاستسهال الخطير في إعادة إنتاج عمل شنيع قبحته الأمة جمعاء وجميع العقلاء وكل الفضلاء بل وكثير من النظراء، ألا وهو إعادة نشر الرسوم الكاريكاتيرية تحت مسميات واهية ودواعي أوهى.

   وأبادر إلى القول بأني أنطلق من افتراض سلامة نية هذه الصحف فيما أقدمت عليه، لذلك لن أغوص في الحديث عن الأسس العقدية والفلسفية والفكرية لمفاهيم الحرية والمسؤولية والمقدس، معتبرا أنها خطوة غير محسوبة وغير مقدرة من قبل المقدمين عليها، ولكني أشير إشارات واضحة لكل ذي لب يعززها إجماع غير مسبوق من أمة على حرمة المساس بمقدساتها.

   وأثني بالتأكيد على قيمة حرية الإعلام ومحوريتها في البناء السليم لكل مجتمع يريد السير إلى الأمام والقطع مع ذهنية التسلط وآليات الوصاية والقمع. وفي هذا السياق استغربت كغيري التضييق الكبير الذي مس الجسم الصحفي في عدد من جرائده ومجلاته من قبل سلطات التضييق المغربية، والتي أقدمت خلال الأشهر الأخيرة على تحريك القضاء لإخراس أصوات إعلامية تجاوزت “الخطوط الحمراء” ولم تنضبط لقواعد “اللًعِب غير المشروعة”.

   وهو ما جعل كل الأصوات الحرة تنادي برفع هذه الوصاية المخزنية عن سلطة الإعلام، طارحة من جديد سؤال الحرية في مغرب “العهد الجديد”، وهو مانتفق معه وندعو إليه بكل قوة.

   لكن من جهة أخرى، إنٌ تطاول بعض وسائل الإعلام على المساس بالمقدسات الحقيقية والعقائد الثابتة للشعب المغربي وأمة الإسلام، والتي على رأسها حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليدعو إلى الوقوف بجدية مع مفهوم المسؤولية لدى الصحفي وحقل الإعلام بشكل عام.

   فقد أقدمت كل من “النهار المغربية” و”لوجورنال إيبدو مادير” ومجلة “تيل كيل” في خطوة مستغربة مستهجنة لا مبرر لها على الإطلاق، بإعادة نشر الرسوم “المسيئة” إلى شخص المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، تحت دواعٍ مختلفة تتراوح بين إطلاع المواطن، والرد على الإعلام الغربي، والدعوة إلى تفهم مبررات الآخر ولم لا فتح نقاش محلي حول حدود الحرية أتقف عند المقدس أم تتجاوزه.

   إن القول بإطلاع المواطن المغربي على هذه الرسوم لمعرفتها، قول متجاوز زمنيا ومردود عليه من قبل المواطن نفسه، الذي خرج يحتج ويندد ويبكي لمجرد نشر هذه الصور، فكيف تسوغ لنفسك أيها الصحافي إعادة إنتاج الإساءة؟.

   كما أن مواجهة أقاويل بعض وسائل الإعلام الغربي، لا تستلزم استصحاب الرسوم، وإلا فدونك -أيها الصحفي “الغيور”- مئات المقالات وآلاف الكلمات التي نسجت غيرة على الحبيب صلى الله عليه وسلم، رافعة شعار “فداك أبي وأمي يارسول الله”، فلا تكن خارج سرب الإجماع، ولا تطعنٌا من الخلف، وإلا فالحبيب صلى الله عليه وسلم خصيمك.

   أما من ركب موجة الحرية إلى حد دعوتنا إلى تفهم الإساءة وإعطائها عنوانا آخر من بُنَيٌات “العقلانية الملحدة”، فإنه يواجه أمة رافعة يديها بالدعاء على المعتدي، ونبيا تكفل مالك الملك بالدفاع عنه. فلا تدخل نفسك-أيها الضعيف- فيما ليس لك به طاقة، ولا تتلاعب بمصيرك، فإني مشفق عليك. قد خانك حسن التقدير، فأفق من غفوتك.

   إن هذه المبررات الأوهى نسجا من بيت العنكبوت، لتخفي وراءها -مع التزامنا افتراض سلامة النية- إما حرصا على الشهرة والسبق الصحفي ورمزية “فتح الطابو” أو الكسب المالي لاحتمال جاذبية القراء، وهي دواعي دنية وحقيرة بالنظر لعظم هذا العمل القبيح، ترويج رسوم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والاجتراء على مقامه الشريف، والتقليل من مكانته القدسية في نفوسنا وقلوبنا، وهو ما يتعارض كلية مع تمام الإيمان ومطلق الدين، قال حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: “لا يؤمن الرجل حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين”.

   أهمس ختاما في قلب الصحفي السليم الفطرة الذي لم يقدر الأمر جيدا، قبل أن تَحْسب حسابات الإعلام والسياسة، والشهرة و”المكسب” الرمزي والمالي، والسبق الصحفي و”الانتحار” المهني … وغيرها من حسابات الدنيا.

   تذكر أنك تتعامل مع نبيك الكريم، الذي جاء لدعوتك وهدايتك إلى خيري الدنيا والآخرة.

   قائدك الذي جعل لك ولأمتك عزا وكرامة ودينا وهوية ونسبا شريفا.

   رسول ربك إليك الذي لا نجاة لك ولا إيمان إلا بمحبته وتعظيمه وتوقيره.

   المشفع فيك يوم العرض، حيث لا قلم ولا جريدة ولا إسم.

   فانظر أيتناسب ذلك مع فعلتك الشنيعة؟.

   أدعك وقلبك الآن، لأنفث في أذن كل حقود، خارج عن دائرة سلامة الفطرة:

   مت بغيظك وحقدك .. وتسربل في حسدك وحَنَقك .. فوالله سيخزيك الله، وتدور دائرة مكرك عليك.

   أما حبيب الأمة ونبيها صلوات ربي وسلامه عليه، فقد حماه رب العزة قبل غضبة الأمة “فقد نصره الله”، وهو صلى الله عليه وسلم في كنف خالقنا “وإنك بأعيننا”.