1) الحدث الذي أيقظ غيرة المسلمين:إن حدث الساعة المتمثل في الإساءة إلى حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم بنشر هذه الرسوم المشينة جاء ليؤكد لنا مدى العداوة التي يضمرها للمسلمين من يحسبون أنفسهم أئمة الحضارة وقدوة الأمم في التقدم والحرية قال تعالى: “قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر” (الآية 118 من آل عمران) كما قال عز من قائل “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم” (الآية 120 من البقرة) التحذير في الآية للمسلمين من اليهود والنصارى وهم أهل كتاب فما بالك بهؤلاء اللادينيين “”الديمقراطيين”” الرافضين لكل القيم والأديان وكل ما يحد من حريتهم الجنونية البهائمية، لكنهم وقعوا في تناقض سافر: فحرية التعبير عندهم ليست مطلقة كما يدعون بحيث لا يمكن للصحافة الغربية أن تتجاوز بعض الخطوط الحمراء مثل معاداة السامية أو التشكيك في الهليكوست أو انتقاد إسرائيل وكدليل على هذا هو تراجع رئيس القسم الثقافي بالصحيفة الدنمركية التي نشرت الرسوم المشينة عن عزمه نشر نتائج المسابقة الكاريكاتورية لمحرقة اليهود المزعومة والتي أعلنت عنها الجريدة الإيرانية الأكثر انتشارا “همشهري” بعد أن أعلن عن نيته نشر المسابقة لكنه اعتذر في الأخير معترفا بارتكابه خطأ مهنيا؛ إن هذا الفكر الإباحي المتطرف هو الذي جنى على مجتمعاتهم ومزق أسرهم ودمر أصلهم مما دفع بالعقلاء منهم للدعوة إلى تغيير عاداتهم و تخليق مجتمعاتهم للحفاظ على البقية الباقية منها.

إن هذا الحدث ليس فريدا من نوعه وإن من ورائه أياد حاقدة على المسلمين وعلى أنبياء الله سبحانه وتعالى فالقرآن الكريم يعرض علينا أصنافا من الإيذاء الذي تعرض له أنبياء الله على يد الكافرين من بني إسرائيل الذين قتلوا أنبيائهم بل وصلت إيذايتهم لله سبحانه قال تعالى على لسانهم: “وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا” (الآية 64 من سورة المائدة) تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

الفترة الحالية التي جاء فيها هذا الحدث دقيقة جدا حيث تمر الأمة الإسلامية بفترة انتقالية تهيئها لأخذ زمام الريادة ويظهر هذا جليا من خلال الانتصارات المتوالية للأحزاب الإسلامية كلما اقتربت الانتخابات من النزاهة كما هو الحال مثلا في تركيا والأردن ومصر والكويت وفلسطين… ومن خلال عموم الصحوة الإسلامية وعودة التدين هذا على المستوى الداخلي؛ أما على المستوى الخارجي فنلاحظ انتشار الدعوة الإسلامية في صفوف غير المسلمين في أمريكا وأوروبا حيث تتوالى التقارير الغربية حول ازدياد نسبة اعتناق الإسلام بين الأوروبيين فأصبح الغرب يرى في الإسلام خطرا زاحفا لم تعد تمنعه الحدود والبحار بل أصبح واقعا يوميا معاشا في بلده وهذا، حسب زعمه، يهدد كيانه مما يجعله يقوم بردود الأفعال الغير المدروسة ولو على حساب مبادئه التاريخية، و هذا ما وقع مثلا عندما استصدرت فرنسا قانونا يمنع الفتيات المحجبات من التمدرس فوقعت في تناقض سافر مع مبادئ الثورة الفرنسية التي أسست الجمهورية الفرنسية.

2) رد الفعل:”رب ضارة نافعة كما يقال”: لقد كان هذا الحدث سببا في إيقاظ المسلمين من سباتهم فهبوا جميعا لمناصرة الرسول الكريم تعبيرا منهم على محبته و توقيره قال تعالى: “إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتومنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا” (الآية 9 من سورة الفتح)؛ تحرك المسلمون جميعا في كل أنحاء المعمور للتنديد بالحدث فيشعر المسلم منذ الوهلة الأولى بالفرح و الاعتزاز بانتمائه لهذه الأمة و يكتشف أنها ما تزال بخير رغم توالي الجروح والنكبات وأنها موحدة بلا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والحمد لله على ذلك…

إن هذا الحدث أتاح للمسلمين فرصة ذهبية عليهم أن يستثمروها للتعريف بدينهم الحنيف وعرضه بوجهه الصحيح حتى يدحضوا كل الدعوات المغرضة التي تسعى لوصف الإسلام بالتخلف والإرهاب. فعلينا جميعا أن نعبر عن غضبنا لله ولرسوله بأساليب حضارية خالية من العنف من تظاهرات ومقاطعات و ردود مقنعة وقوية عبر وسائل الإعلام وغيرها من أسلحة قوية هادئة وحضارية حتى نظهر للعدو قوة ديننا ووحدة أمتنا وحسن خلقنا… يجب أن لا ننس عندما نخوض هذه الصراعات أن نفرق بين الشعوب وحكوماتها فهذه الأخيرة قد تكون حاقدة ومعتدية، لكن الشعوب غالبا ما تكون بريئة وهي المستهدفة في دعوتنا للعالمين. فعلى سبيل المثال عندما نرفع في تظاهراتنا شعار “الموت لأمريكا” فإننا بذلك نخلط بين إدارة “بوش” المعتدية مع الشعب الأمريكي البرئ من حماقات هذا الأخير وإدارته مع العلم أن نسبة المسلمين في أمريكا تقترب من % 3 (ما يقرب من 9 ملايين مسلم) … كما يجب ألا ننس أيضا أن العالم الآن أصبح قرية صغيرة فكل تظاهرة أو حركة إلا وتنقل إلى ملايين من المشاهدين فلنحذر الأخطاء فهي تتضاعف بعدد المشاهدين المتتبعين للحدث. علينا أن نستغل مظلوميتنا بأخلاق إسلامية رفيعة التي تحرم علينا الاعتداء على الآخر وبذلك نظهر له الوجه الصبيح للإسلام وندفع عنا صورة العنف و الإرهاب التي يحاول الحاقدون من الغرب إلصاقها بنا. وقد أعجبني في هذا الصدد رأي أحد المحللين السياسيين في أحد القنوات العربية حيث قال: “لو كان النبي صلى الله عليه وسلم حيا في زماننا لسامح هؤلاء” وذلك حرصا منه لدعوتهم للإسلام.

3) مسؤولية المسلمين في هذا الحدث:يمكن للمرء أن يجزم أن ما شجع هؤلاء للتطاول على شخص الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم هو ما وصل إليه حال المسلمين من هشاشة في تدينهم والوهن الذي تمكن من قلوبهم جراء ابتعادهم عن سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، إن المسلمين اليوم غارقون في اتباع هواهم وملذاتهم فجانبوا سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبذلك تنامت أطماع أعدائهم للنيل من دينهم ومعتقداتهم وتلك إساءة منهم، غير مقصودة، لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي الأثر عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام وإن ابتغينا العزة من غيره أذلنا الله”.

فليتق الله كل مسلم في نبيه صلى الله عليه وسلم إن زعم أنه يحبه بالفعل: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به” (حديث حسن صحيح).

إن احترام شخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من طرف الأمم الأخرى غير المسلمة يجب أن تفرضه الأمة الإسلامية بعزتها ولا تكون عزة الأمة إلا بصلاح أفرادها ولا يتحقق هذا الصلاح إلا بالرجوع إلى الله واتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نسأل الله تعالى أن يوفقنا لذلك آمين… لا إله إلا الله محمد رسول الله.