أولا: تقديمإن هذه الانتخابات تنسب إلى الشعب الفلسطيني وحده فقط، حيث هو رائدها الوحيد في ظل ظروف خاصة تتميز باحتلال بغيض ومتعجرف ومستكبر، مارس على امتداد عقود من الزمن أبشع أنواع التنكيل منذ أن كان مجرد عصابات قتل مع الاحتلال البريطاني إلى أن صار “دولة” قائمة على كل معاني الغصب والاغتصاب.

ومن هنا تستحق هذه الانتخابات كامل العناية والدراسة، خاصة وأن فوز حماس كان على حساب أعرق حركات التحرر العربي؛ وهي حركة فتح التي تشكل عمود منظمة التحرير الفلسطينية التي لا تمثيل لحماس فيها لحد الآن.

لقد تميزت هذه الانتخابات، كذلك، بالنزاهة والشفافية، لكن الميزة الكبيرة هي أنها خارجة من صلب عمل تاريخي تحرري قاده الشعب الفلسطيني بصمود قل نظيره في التاريخ البشري. فقد قدمت فتح وحماس، كما باقي الفصائل الفلسطينية، كواكب من الشهداء، وشرد الشعب الفلسطيني وهجر وعُمل على طمس هويته.

وهكذا، فالانتخابات الحقيقية هي التي تكون باكورة كفاح مرير، يثمر الوعي الكامل بالقضية وتفاصيلها وأساليب إدارة التدافع حولها وعليها.

من الفائز، إذن؛ حماس الحركة أم حماس القضية؟ ومن الخاسر فتح الحركة أم سوء تقدير مستوى الصراع وطريقة عرض القضية في لحظة هيمنة الصهيونية وتحكمها في مواقع التأثير العالمي؟ أم الخاسر هذا ومعه الكيان الصهيوني الذي لم يفلح في تقويض مقاومة الشعب الفلسطيني ودفعه إلى الاستسلام الكلي الذي يشكل العمق الاستراتيجي في سياسة “الدولة العبرية” وحلفائها من أمريكا وغيرها؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة، وغيرها، قد لا تكفيها الصفحات، ولذلك، ولأجل استيعاب المسألة يمكن إيراد دروس سبع مصدرها التأمل العميق لهذه التجربة الرائدة في المقاومة والعمل لأجل الحرية عقودا من الزمن.

ثانيا: الدروسالدرس 1: لقد راهن الكيان الصهيوني، وما زال، على الاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين، لكن تميزت القيادات بقدرة كبيرة على الانضباط رغم واقع التناقضات الجوهرية بين الفصائل، سواء من حيث المرجعية الفكرية أو التنظيمية الحركية. وليس ذلك بعزيز على من عاش حياته تحت قهر الاحتلال المباشر وعرف دسائسه ومكره. وما ترتب على هذا؛ هو الوضوح الكبير في مرجعيات الفصائل على مستوى عال من التفصيل لدى الشعب الفلسطيني، المعروف بمستواه الجيد من حيث الوعي والنباهة. ولذلك نلاحظ القادة يتخاطبون بمفاهيم: من قبيل القومي، والإسلامي، والديموقراطي، والتقدمي، مع العلم بدلالاتها المرجعية الفكرية والتنظيمية الحركية. وما ترتب على هذا انكشاف الامتداد العمودي للحركات الفلسطينية، وإن غلبت عليها السرية التنظيمية في غالب الأحيان. كما أن هذا الانكشاف العمودي أعطى للشعب الفلسطيني إمكانية معرفة قاداته معرفة واضحة لا لبس فيها، وقد تجلى بالنسبة لحماس في مستوى وعدد الكفاءات والأطر التي ظهرت بعد الانتخابات وقبلها بحيث استطاعت تغطية جميع حاجياتها التواصلية والتأطيرية وإن ظهر أن فوزها الساحق كان مفاجأة لها نفسها. إنه الدرس البليغ أن تسطيع حركة في ظل ظروف الاحتلال الصهيوني والملاحقة الأمنية والاغتيالات الشخصية أن تخرج في لحظة حاسمة عُدة كبيرة من هذه الكفاءات والفعاليات والأطر المرتبطة بجماهير الأمة وقضاياها التفصيلية، وفي نفس الوقت توفرت على قدرة متميزة في استيعاب الحاجيات الخارجية والضغوط المتواصلة من الداخل والخارج.

كما ترتب، كذلك، على مبدأ الوضوح انكشاف الامتداد الأفقي الذي لم يخضع، من حيث طبيعة الولاء، إلى الاعتبارات الضيقة؛ من قبيل العائلة والقبيلة و أشباه ذلك؛ بل ارتبط اختياريا بمستوى وضوح المرجعية المؤطرة للصراع والتدافع مع الكيان الصهيوني وحلفائه أيا كانوا.

ويمكن اعتبار هذا الدرس من أهم الدروس المستفادة من مدرسة مسيرة التحرر والانتخابات الفلسطينيتين؛ ذلك أن قدرة القادة على ممارسة الوضوح المرجعي دون خوف من آثاره من حيث “الامتداد الجماهيري” يشكل أداة قوية لخدمة المصالح العامة للأمة، لأن المسؤوليات تتحدد بناء على الاختيار الحر، ولذلك لا نستغرب إذا وجدنا الشعب الفلسطيني من أقدر الشعوب على إثارة قضية الفساد الإداري والخلقي في ظروف كان غيره سيلتمس عذر المرحلة ليغض الطرف عن ممارسات أبنائه وهم المستهدفون جميعا من الاحتلال.

ويعتبر هذا العامل الممتد عقودا من الزمن في الخطاب الفلسطيني من أنجع الوسائل الذاتية في حصول الشفافية والنزاهة الضرورية في الانتخابات.

فإن كان الشعب الفلسطيني يرزح تحت نوع من الاحتلال المباشر، أدت قوة المصادمة معه ميدانيا إلى ضرورة ممارسة هذا المستوى من الوضوح، فإن باقي البلاد العربية والإسلامية لا تخلو من هذه المواجهة المباشرة مع الاحتلال، وربما يكون الأمر أكثر خطورة في حالة التسرب الهادئ من خلال الإعلام والتربية والتعليم والإدارة والحكم والاستخبارات، وغيرها من وسائل صناعة الرأي والاقتناع. ولذلك فإن مطلب وضوح الخطاب المرجعي على مستوى كبير من التفصيل يؤدي إلى أن يدرك الشعب نوع البرامج ويستوعبها في سياقها الكلي من أهم ضمانات النزاهة والشفافية وحسن الاختيار، وأن اللجوء إلى ممارسة الغموض لا يكون إلا كارثة حقيقية على الشعب وقضاياه.

فليكن التنافس على قاعدة الوضوح المرجعي، وليراجع كل حساباته بعد النتائج&

الدرس 2: وهو مبني على الدرس 1؛ ذلك أن تجدر مواقف حماس استند إلى أساسين:

الأول: وضوح المرجعية الإسلامية من حيث التصور، إذ يلاحظ الصفاء على مستوى المفاهيم وبنائها.

ومن راجع أدبيات هذه الحركة سيكتشف ذلك بمجرد الاطلاع.

الثاني: اكتشاف وسائل عملية ترسخ معنى المرجعية في بعدها التربوي النفسي الذي يثمر نوعا من التعاطي الحركي المشع عموديا (على مستوى تنظيم الحركة) وأفقيا (على مستوى علاقة الحركة مع الشعب)، مما يعطي قوة جماهيرية عريضة ومؤثرة كليا في حركة المجتمع عموما.

وهنا لا بد من الإشارة إلى ضرورة التمييز بين الخطاب النخبوي وبين الخطاب الجامع؛ أي الذي يقدم الفكرة في عمقها الكامل مع وضوحها وبساطتها ليتحقق استيعابها من طرف النخبة وعموم الناس على السواء، فتكون الثمرة العملية مفهومة ومدركة من الجميع. وهو ما يتطلب عملا ميدانيا كبيرا وشاملا.

ومن راقب عمل حماس سيلاحظ ذلك دون كبير عناء.

ولعل ما يشكل عمود المسألة أن حركة حماس من أكثر تنظيمات “الإخوان المسلمون” في العالم ارتباطا ب”مأثورات” الشيخ حسن البناء رضي الله تعالى عنه وأرضاه&

وبهذا، فإننا إزاء أداة هامة في تحقيق الشفافية الذاتية والنزاهة الحقيقية، ذلك أن حصول الاختيار على قاعدة ممارسة واضحة ضمن معاناة خدمة قضايا الأمة من أهم وسيلة لإضفاء المصداقية على العملية الانتخابية.

وإذا جمع الدرس 1 والدرس 2 كونا شرط الشروط في نجاح العملية الانتخابية. وبهذا يمكن القول: إن الانتخابات التي تمارس في ظروف الغموض وحرص البعض على ممارسته مع سبق الإصرار والترصد لا تكون إلا ملهاة.

ومن ثمة فإن مقدمة المقدمات لحصول الاختيار الصحيح عبر انتخابات حقيقية؛ هي الدفع عمليا وتصوريا إلى استقامة الخطاب والتخاطب على قاعدة مزاولة الوضوح من خلال وسائل تفصيلية تضمن تكافؤ الفرص في سياق تدافعي شريف خادم لقضية التحرر والحرية عنوانها الاختيار الحر في الانتخابات الحرة وإن تحت مطرقة الاحتلال المباشر أو غير المباشر.

الدرس 3: تميزت حماس، وهي تخوض الانتخابات، بإعلان تشبتها بمبادئها الأصلية التي تأسست لأجلها، مع إعلانها برامج تفصيلية لإدارة السلطة الفلسطينية وإعادة تجديد هياكلها مع منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك ضمن خطاب مرن ومتماسك ومنفتح، لا تقدم حماس بديلا وحيدا، وإنما وسيلة لإعادة جمع شمل الشعب الفلسطيني على قاعدة إسلامه وحقوقه في أرضه ضمن محيطه العربي والإسلامي دون أن تتجاهل محيطه الدولي، إضافة إلى العمل على تجديد هياكله السياسية والمجتمعية.

والدليل على هذا عملها الكبير لأجل صياغة إطار مرجعي ينظم العلاقات بين الفصائل الفلسطينية تجسد عمليا في عدم سقوطها في اقتتال داخلي على الرغم ما تعرضت له سواء من جهة الاحتلال أو من جهة السلطة وبعض عناصر حركة فتح.

وما يستفاد من هذا أن العمل على صناعة مرجعية منظمة للعلاقات ومؤسسة لطبيعة إدارة التدافع المجتمعي والسياسي على قاعدة إرادة الأمة في السيادة والحرية من أهم مداخل استقرار الوطن وبنائه بأيدي أبنائه.

ولعل هذا المدخل الأهم من المداخل المهملة، سواء من حيث التنظير والممارسة عند كثير من السياسيين والمفكرين. ومن هنا نستمد نباهة السيد علي السيستاني في العراق، مثلا، حيث أول من دعا إلى صياغة الدستور بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وهو ما يبين ضرورة الاجتماع على مرجعية منظمة تجنب الأمة مزالق المبادرات الفردية تجاه قضايا مصيرية مشتركة، لا يمكن أن تحسب عواقبها إلا من خلال الجميع عدا المحتل والاستبداد البغيض. كما تجدر الإشارة هنا إلى دعوة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان في المغرب إلى ضرورة صياغة ميثاق إسلامي المبنى والمعنى ينظم العلاقات بين أطراف الحقل السياسي والمجتمعي في المغرب، ويؤسس لمرحلة تحول تاريخي ومصيري في إدارة شؤون البلاد تقطع مع الاستبداد والقمع والتبعية، لتعيش الأمة استقلالها وحريتها الكاملين. وهو ما يحتاج إلى دراسات وأعمال متعددة لإيجاد شروط ذلك؛ الفكرية والسياسية والنفسية وغيرها.

الدرس 4: تميزت حركة حماس بميزتين أساسيتين:

الأولى: العمق التربوي المترتب على البرنامج التربوي المؤطر لفعل الحركة الجهادي اليومي.

الثاني: عمق فكري- لا شك أنه نابع من العمق الأول- مستوعب لآفاق المستقبل ومؤطر لها، ولذلك عرفت حماس بقدرتها الكبيرة على استيعاب الآخر وفتح قنوات التواصل المندرجة استراتيجيا في خدمة هذا الأفق.

فالمطلع على أدبيات حماس، والمتابع لتصريحات قادتها يدرك أن تفاصيل الخطاب ترتبط تماما بأفق التدافع الحضاري التاريخي بين حضارة الغرب وحضارة الإسلام. وهو التدافع الذي يفرض على الإسلاميين الخروج من خطاب تعميم مفهوم العدو الذي يشمل كل مخالف إلى ضرورة البحث عن التحالف التكتيكي أو الاستراتيجي أو هما معا بما يمكن من اختراق الغرب الذي كشفت الانتخابات الفلسطينية عن حقيقة تناقضاته.

إن هذا الاختراق القوي والهادئ والهادف للوسط الغربي، سواء داخل البلاد الإسلامية أو داخل الغرب نفسه، الذي يجعل بين عينيه الأفق الواسع والبعيد في العلاقات الدولية من جميع جوانبها، يوفر مرونة كبيرة ومساحة حرة تساعد على عرض القضايا الإسلامية والإنسانية بما يحرج كل من يدوس حقوق الناس وكرامتهم بمنطق المستكبر المتسلط.

الدرس 5: ولذلك كانت الانتخابات الفلسطينية محرجة للغرب بفوز حماس. ومن هنا كشفت عن حقيقة التناقض الحاصل في بنيته المرجعية، المتجلي عمليا في الموقف التالي: “مع الديمقراطية، لكن ليست التي يفوز فيها الإسلاميون”.

إن هذا التناقض هو ما جعل كثيرا من البلاد الإسلامية والعربية تؤدي ثمنا باهظا، سواء من حيث بناء الدولة أو المجتمع، أو من حيث الواقع الاقتصادي والاجتماعي. ولعل أبرز مثال على ذلك: الجزائر، وغيرها من البلاد الإسلامية كمصر والسودان&

إن حماس استطاعت، بتضافر مع معطيات دولية كثيرة، كالحرب في العراق، وما يسمى بالحرب على الإرهاب، أن تبين للعالم أن الغرب مهدد ليس من جهة “الإرهاب” بل من جهة ترهل بنيته الداخلية التي تخفيها عنا قوته المادية، ولذلك فالدفع بإبراز هذه الحقيقة لتؤثر في موقف الشعوب والفضلاء الغربيين وتعمل على تغيير مواقف الساسة والعسكريين الذين يريدون أن يخضعوا العالم لمنطقهم الوحيد من أهم مطالب المرحلة.

ومن ثم فإن الفضلاء والعقلاء مطالبون بخوض معركة فكرية وعملية تؤدي إلى اختراق الغرب لتقويض موقع الفئات المتنفذة العاملة على نهب خيرات الآخرين والاستهتار بوجودهم وكرامتهم ومصائرهم، وتوسع هامش ومجال الفئة التي تتبنى القضايا الإنسانية وتستند إلى مرجعية الضمير الإنساني، وهو ما سيؤدي حتما إلى تحول جوهري في طبيعة العلاقات الدولية؛ سواء من حيث التصور أو من حيث آليات تنظيمها وتنفيذها.

الدرس 6: إن فوز حماس يعد خسارة حقيقية للكيان الصهيوني الذي لم يترك وسيلة إلا استعملها لطمس هوية الشعب الفلسطيني وتمزيقه وتشريده، كما يعد خسارة لكل من ساند “الدولة العبرية”، خاصة أمريكا.

لقد كرست هذه الدولة كل جهودها لتنال الاعتراف وتستقر على الأرض، لكن حصل على أغلبية أصوات الشعب الفلسطيني، برنامج ومشروع عدم الاعتراف والمقاومة الشاملة.

وهذا هو الدرس البليغ، ذلك أن من لم يملك عمق النظر وحكمة التصرف في إدارة مسائل التدافع، خاصة في اللحظات الحرجة، قد يؤدي بالسفينة إلى غير وجهتها.

فقد ظن الكثير أن السفينة ستستقر على شاطئ أسلو وفروعها، لكن دوما المقاومة الحقيقية هي الملاذ.

فهي التي أخرجت الاستعمار، وهي التي قاومت وتقاوم أثاره على البلاد والعباد، وهي التي ستبني المستقبل وتجمع شمل الأمة وتحمل رسالة السلام والرحمة إلى العالمين لما تنهار بين يدي الحق حضارة قامت على التوسع والاستعمار وتدمير القيم الإنسانية.

إننا إزاء مرحلة تاريخية ستكون فيها سنة 2006، بتقويم النصارى، عامرة بمؤشرات التحول التاريخي في مسار الإنسانية عموما، والمسلمين خصوصا.

ودون ذلك عقبات ومعانات، لاشك أن حماس وأمثال حماس سينالون منها القسط الأوفر، لكن من عرف ما يطلب هان عليه ما يلاقي ويبذل.

وذلك الدرس العظيم، فسبحان من اختار الشيخ أحمد ياسين المعاق المشلول أن يكون شيخ المجاهدين ورمز الباذلين في فلسطين، ويستشهد عن طريق صاروخ “سماء أرض” لتصعد روحه، وأرواح الشهداء والمجاهدين، متلألئة من الأرض إلى السماء. وكأن في ذلك إشارة إلى الفرق بين حضارة مستعلية لكنها لازقة بالأرض، وبين حضارة مرتبطة بالأرض لكنها ممتدة في أعماق العلو والسمو بقيمها ومثلها. ومن هنا يكون الخطب أعظم والدرس الفلسطيني أبلغ: كيف أكون مرتبطا بحقي في الوطن والأرض لكن نظري ممتد إلى الأفق الأبعد؟

ولذلك، فليس التحدي أمام حماس ما يترتب على دخول السلطة من تبعات مادية وسياسية واجتماعية، فذلك يهون ويعالج إذا وفقت حماس في الحفاظ على هذا العمق والصفاء الرابط بين الأرض والسماء؛ به تتحرك وعلى أضوائه تعالج جميع القضايا التفصيلية المادية والسياسية. (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).

الدرس 7: لا أحد ينكر أن فتح قدمت تضحيات كبيرة، وفتح لم تمت كما ماتت باقي الحركات القومية والتحررية في العالم العربي والإسلامي، ولاشك أن مستقبلها مرهون بقدرة مناضليها النظيفين، خاصة من الشباب الذين خرجوا من صلب الانتفاضات التي كانت ضد تبعات أسلو وفروعها، لكن الدرس البليغ أن حكامنا لم يقدموا لشعوبهم ما قدمت فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وباقي الفصائل التاريخية، لكن لما كان واقع الاختيار الحر اختار الشعب الفلسطيني حركة حماس. ولذلك فعلى الحكام أن يفهموا جيدا الدرس الفلسطيني، فلا خيار بقي بين أيديهم، وهم لم يفعلوا إلا أن ملئوا السجون وشردوا العائلات وباعوا الأرض ومكنوا للاستعمار الجديد، إلا أن يسلموا لهذه الشعوب بالحرية الكاملة في الاختيار، وأن يتنحوا “ديمقراطيا” وإلا فالطوفان سيجرفهم إلى ما جرف أمثالهم من طواغيت الزمن البشري.

إننا أمام مرحلة بدت واضحة المعالم، يتمحور مضمونها على أمرين:

الأول: أن تراجع الأحزاب الخارجة من فترة الحرب الباردة وما بعد الاستعمار المباشر مواقفها تجاه الإسلام والحركات الإسلامية، بناء على المعطيات الواقعية.

الثاني: أن يفهم الحكام أن الإسلام زاحف، لأنه مرتبط جوهريا بوجود الأمة من عدمه. والتاريخ لا يرحم، فمن عاكس إرادة شعبه لا شك أنه سيؤدي ثمن موقفه.

وإنه الإسلام أو الطوفان، هذه هي الحقيقة. وقد عرضها الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان بالمغرب، منذ بدايات السبعينات من القرن العشرين للتأمل بين يدي العقلاء والفضلاء، إنقاذا للأمة من براثين العنف والتبعية والتخلف.

فهل من مجيب، هل من مجيب، هل من مجيب؟

وهل من مستوعب للدروس الفلسطينية؟

ذلك ما ستجيب عنه الأيام القادمة.

والحمد لله رب العالمين.