سؤال:

أثارت الرؤى المتداولة في الجماعة تساؤلات المتتبعين حول النوايا الحقيقية للعدل والإحسان في اقتحام العقبة وتحقيق القومة الإسلامية بالمغرب، ما رأيكم في ذلك؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم.

أولا إن أمر اقتحام العقبة وتحقيق القومة لم يبق عندنا في حكم النوايا بل أصبح مشروعا عمليا قضينا حتى الآن في تشييده زهاء ثلاثة عقود. وهذا يؤكد نظرتنا المنهاجية للتغيير من كون اقتحام العقبة، بل العقبات الكثيرة والصعبة، وتحقيق القومة ليس طفرة تحدث بين إغفاءة وانتباه بل الأمر إعداد طويل الأمد وصبر ومصابرة وأناة وتدرج.

وإذا كان من حقيقة لنوايانا فكونها صادقة وطامحة في أن يكون الاقتحام والقيام عملا جماعيا تشترك في إنجازه كل الطاقات والإرادات النبيلة والغيورة، وهذا يؤكده بالملموس تفاعل الجماعة مع محيطها.

أما فيما يتعلق بالرؤى التي تنشرها الجماعة فإننا نعتقد كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. وهي بالنسبة إلينا تسر ولا تغر نستأنس بما تحمله من إشارات غيبية ،كما أمرنا بذلك، ونعطيها ما تستحق من عناية وتقدير جعلا أئمة المسلمين وخصوصا علماء الحديث منهم يخصونها في كتبهم بأبواب منفردة .

إننا نتعامل مع الرؤيا التعامل الشرعي الذي بقدر ما يفرض لها التوقير والتقدير يضع لها منهجا صارما للتعامل وهي كونها رموز تحتاج إلى تأويل من قبل من لهم علم التأويل، وكونها لا تنشئ حكما شرعيا جديدا ولا تلغي سابقا، إلا أن البعض يحاول أن يحشرنا مع العرافين والمشعوذين في نظرتهم لهذه المسألة، ونحن من ذلك براء.

سؤال:

نشرت إحدى الأسبوعيات المغربية في وقت سابق تقريرا حول النشاط الدولي للجماعة وتأسيسها لفروع ومطابع ومؤسسات ببريطانيا والولايات المتحدة وكندا في الوقت الذي يتشبث الشيخ عبد السلام ياسين بالتوجه القطري في نشاط الجماعة، ألا تر ون بأن هذا يشكل تناقضا في التوجهات الأساسية لفكر الجماعة؟

جواب:

لقد اطلعنا على ما نشر وهو عار عن الصحة تماما. فالتوجه القطري لجماعة العدل والإحسان على المستوى التنظيمي ثابت من الثوابت التي لم يطرأ عليها أي تغيير عندنا. لكن الجانب الإحساني، وهو الشق الأكبر من دعوتنا، لا يمكن أن تحده حدود جغرافية على اعتبار أنه يتوجه إلى الإنسان أي إنسان، وهذا نابع من عالمية رسالة الإسلام في دعوتها لتوحيد العبودية لله عز وجل في كل المعمور. وفي تحرك رسالتنا الروحية والفكرية الدعوية في العالم تنتج لها صداقات وعلاقات فردية ومؤسسية تدخل في باب التواصل والتعارف فيما لا يتناقض مع قطرية حركتنا تنظيميا وماديا.

سؤال:

وجهت أصابع الاتهام لجماعة العدل والإحسان بوجود صلات لها بالولايات المتحدة عقب دعوة ندية ياسين لإلقاء محاضرة بجامعة بيركلي والتي تلاها الحوار مع صحيفة الأسبوعية الجديدة، حيث عبرت عن أفكار مناهضة للنظام المغربي، هل تساندونها في هذه التوجهات؟

جواب:

في إطار علاقات الصداقة والحوار والتعاون المعرفي والعلمي والتضامني نحن لا نقتصر في ذلك على بلد واحد، ونحمد الله تعالى على ما تحظى به جماعة العدل والإحسان من ثقة وما لقياداتها من مكانة لدى العديد من مؤسسات البحث والجمعيات التضامنية والحقوقية والاجتماعية والشخصيات المرموقة في العديد من بلدان العالم العربي والإسلامي وإفريقيا والأمريكيتين وأوربا وآسيا.

أما سؤالك حول هل نساند الأخت ندية ياسين فيما أدلت به في الحوار الذي أعقبته المحاكمة الجائرة فأنا أقابله بسؤال آخر طرحناه لحظتها وما نزال نطرحه وهو؛ هل فيما قالت أختنا ندية ما يتناقض مع مشروع الجماعة؟ بل أنا أقول أنها لم تعبر إلا عن جزء يسير من المشروع الواسع للجماعة والذي يعرفه الخاص والعام. فالجماعة، على المستوى العدلي، لا طموح لها أقل من الخلافة على منهاج النبوة على مستوى الأمة الإسلامية يسبقها تحرير الأقطار من كل أشكال الجبروت والدكتاتوريات والاستبداد مهما اتخذت لها من مسميات وأوصاف.

ما حصل هو أن المخزن وعدد من أبواقه سعوا إلى تضخيم المسألة والحال أن الأستاذة ندية ياسين عبرت فقط عن رأي علمي أكاديمي في مسألة دستورية خاضعة للنقاش والرأي والرأي الآخر ويتكلم فيها آخرون غير الأخت ندية.

أما مسألة تدخل أمريكا لصالح الأستاذة ندية فهذا ادعاء سقط باستئناف محاكمتها في 14 مارس القادم.

سؤال:

تقوم جماعة العدل والإحسان بمبادرات عديدة لتشكيل مؤسسات على غرار باقي الأحزاب السياسية مثلما هو الشأن بالنسبة لتأسيس الدائرة السياسية واللجنة الحقوقية ومركز البحوث والدراسات، هل يعني هذا وجود استعدادات لأعضاء الجماعة من أجل الانخراط في العمل السياسي؟

جواب:

ما أشرت إليه من توجه الجماعة نحو مَأسسة نفسها بما يستجيب لحركتها الدعوية الواسعة ليس بالأمر الجديد ، ربما الجديد هو إعلانه، في حين أن جماعة العدل والإحسان منذ تأسيسها وهي تنظم حركتها وطاقاتها ومبادراتها تنظيما دقيقا وحديثا يستوعب حجم مشروعها والأعداد الغفيرة من الملتحقين بها، ويؤهلها لتكون في مستوى انتظارات الشعب المغربي منها.

وقد وفق الله الجماعة لتجد لها مكانا محترما في معظم مؤسسات المجتمع المغربي بقوتها التنظيمية والاقتراحية. وبهذا تكون الجماعة منخرطة في صلب العمل السياسي منذ نشأتها في تجاوز عملي للمفهوم الضيق للعمل السياسي الذي يحصره في المشاركة الانتخابية. فنحن نميز بين المشاركة السياسية والمشاركة الانتخابية؛ المشاركة السياسية تنبني على التأثير في الشأن والقرار السياسيين، والجماعة تعتبر نفسها من أهم المؤثرين في القرار السياسي في المغرب، وهذه خلاصة يتفق حولها الجميع إلا مكابر. والمشاركة الانتخابية، متى كانت سليمة هي جزء من المشاركة السياسية وليست كل شيء. بل إنه في واقع مثل الواقع المغربي حيث الانتخابات ألعوبة ومهزلة وشكليات بلا جوهر وعملية متحكم في خيوطها، فإنها تصبح بلا معنى ولا لون ولا رائحة غير رائحة التزوير وشراء الذمم. وفي هذه الحالة نرى كم من مشارك انتخابي ليس بالضرورة مشاركا سياسيا لأنه ببساطة لا تأثير له في صنع السياسة وقراراتها، وبالمقابل نرى من لا يشارك في الانتخابات بشكلها الحالي ومع ذلك يؤثر عميقا في القرارات السياسية.

سؤال:

ساندت جماعة العدل والإحسان إسلاميين في موريتانيا ودعت إلى الإفراج عنهم، كما عبرت عن تأييدها لنشاط العديد من الجماعات الإسلامية في العالم، هل هذا يرتبط بتوجه جديد للانفتاح على العالم الخارجي وبناء علاقات جديدة؟

جواب:

نصرة المظلوم ومساندة المستضعف أيا كان وحيثما وجد واجب شرعي نقوم به منذ نشأة الجماعة. ونحن نعتز بما يقوم به أبناء العدل والإحسان وبناتها، وإن كان غير كاف في نظرنا، تجاه إخوانهم المضطهدين. كما نفخر بالعلاقات المتميزة مع أهل تلك القضايا وهي نابعة من الثقة المتبادلة بين الجماعة وغيرها من العاملين في حقل الدعوة إلى الله تعالى وسائر العاملين لصالح الإنسانية.

سؤال:

ماذا بعد الشيخ عبد السلام ياسين؟ وهل ستتعرض الجماعة إلى بروز تيارات جديدة؟

جواب:

من فضل أستاذنا المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله وأطال عمره، وأفضاله غير محصورة بعد فضل الله سبحانه على جماعة العدل والإحسان أمران مهمان للغاية: الأول ربط أعضاء الجماعة بالمشروع وليس فقط بالأشخاص، وإن كان للأشخاص وزنهم المعتبر. وهذا أنتج، بحمد الله، حملة كثيرين لمشروع العدل والإحسان وهم أهل ثقة وتقدير لدى كل أبناء الجماعة. وإذا كان من الوفاء الاعتراف بفضل الصحبة الأولى والتأسيس والبناء الطويل العميق إذ لا شيء يمكن أن يعوض حنان الأبوة، فإن ذلك لا يمنع بل هو حافز على حسن تدبير الجماعة في كل الظروف.

الفضل الثاني من أفضال الأستاذ عبد السلام ياسين هو تربية أبناء الجماعة على منهاج مرن في كيفية إدارة كل الآراء والطاقات والمبادرات والأفكار ضمن وحدة التصور. أكيد أن هذا الأمر صعب المنال لكنه غير مستحيل وأعتقد أن عمر الجماعة حتى الآن والمنعطفات التي مرت منها والامتحانات التي اجتازتها كل ذلك يؤكد أنه لا خوف على الجماعة من عدم السير في نفس المشوار مستقبلا إن شاء الله.

سؤال:

تساندون في كتاباتكم ومؤلفات الشيخ عبد السلام ياسين إقامة الدولة الإسلامية، ما هو رأيكم في طبيعة النظام الحالي بالمملكة؟ وهل لديكم نوايا انقلابية على غرار الجماعات الإسلامية في المشرق العربي؟

جواب:

لسنا انقلابيين ولا نؤمن بالانقلابية. كما أننا بالمقابل غير راضين على طبيعة النظام وطريقة تدبيره لأمور البلاد والعباد.

أما عن طريقة تغيير الواقع والخروج به من المأزق الحالي والتردي الذي يعيش فيه فإن فيما يقع الآن في كثير من دول العالم دروسا بالغة لمن أراد أن يتذكر ويتعظ وإلا فإن سنن الله الماضية في التاريخ والدول والأمم لا تحابي أحدا.

سؤال:

هل ستوافقون على دخول العمل السياسي إذا عرضت عليكم مبادرة تأسيس حزب سياسي من جانب السلطات المغربية؟

جواب:

كما قلت سابقا نحن في صلب العمل السياسي ونحسب أننا نؤثر في أهم قراراته، وهذا هو المهم. أما مسألة الحزب السياسي فهذا حق وليس منة أو مكرمة كما هو سائد اليوم. أما المشاركة السياسية فهي ليست رهينة عندنا بصفة الحزبية، وليس الحصول على حزب رهين عندنا بالقبول بالمشاركة في الانتخابات مهما كانت حالتها وأجواؤها.

سؤال:

ما هي رؤيتكم للمستقبل السياسي بالمغرب؟

جواب:

كله خير إن شاء الله إذا ما وفق الشعب المغربي ومكوناته الصادقة في تجاوز مخلفات الواقع الحالي الذي لوثه الماسكون بزمام الحكم طيلة العقود الماضية.

لكن الخير ليس دائما سهلا أو هدية، فنحن واعون بحجم التحديات والعقبات. وثقتنا في الله عز وجل كبيرة، ورهاننا على أصالة وعزة وعنفوان الشعب المغربي كفيل بأن يذلل كل الصعاب بتوفيق من الله سبحانه.

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.