ما معنى الإنسان، وما مصيره؟

   في وضع التقابل بين الخالق والمخلوق تظهر وحدة الجنس البشري الذي يشارك الكون كله في مخلوقيته ويختص، وبعده جنس الجن، بكونه محل نظر الله في الكون، كرمه الله وبعث إليه الرسل ودعاه بواسطتهم للهدى، وطلب الدار الآخرة ورضى الله عز وجل وشرف هذا الجنس البشري بالتكليف بالعبادات والسعي إلى الله ليظهر ما أودع فيه من استعداد للكمال الروحي.

   هذه هي رسالة الحق التي جاء بها الأنبياء والرسل للناس كافة يخبرونهم بالغيب كما أوحى إليهم به، لكن الناس يكذبون الرسل يلتفتون عن الحق الموحي به يعوقهم عن التصديق عوائق أنانيتهم المستكبرة وعقلياتهم العقلانية أو ما دون ذلك وعاداتهم في المتاع واللذة والتجدر في المكانة الاجتماعية وراحة متابعة الهوى والشيطان والرأي العام السائد.

   الناس يأبون أن ينظروا إلى أنفسهم ويسألونها: من أين وإلى أين؟ ولم وجدت ومن أوجدني؟ وإن فعلوا فقليل منهم من يرضى بالجواب السهل البسيط الذي جاءت به الرسل، إنما يقفون عند أجوبة لقنوها من العقلية التي تكونت لهم ومن الثقافة التي زرعت في كيانهم فينكرون الله وينكرون البعث بأقيسة منطقية إن كانوا سذجا، أو بإلحاد “علمي” مدروس أو بلامبالاة الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

   يأبى الإنسان أن يرفع نظر قلبه ليتطلع لسر الوجود ويؤثر دعة الغفلة واللهو وحب الشهوات، لذلك ينزلق من الوضع الذي يكون بصره شاخصا فيه إلى خالقه يتلقى دعوته ويعمل على الشريعة الإلهية ملبيا النداء فتتشعث همته من وحدة الغاية إلى تعدد الأهداف وتشتت الجهود والإخلاد إلى الأرض واهتماماتها في أفق محدود، فهي إما دهرية ساذجة أو دهرية متطورة تسمى وجودية أو تاريخانية أو مادية جدلية إلى غير ذلك من المذاهب.

   إذا طرحنا سؤال المعنى والمصير فيجب أن نطرحه بالنسبة لأفراد الإنسان ومصير كل فرد بعد الموت، فإن معقد كل عمل وكل علم لما هو شعور كل فرد بنفسه ومعنى وجوده، وإن مجتمعا يتكون من أفراد وتربطهم دواعي الوطنية والقومية والعرقية والفخر الحضاري غير مجتمع يحمل أفراده على التعاون هم الآخرة وضرورة تهيء الحساب فيها، ليس الإنسان المادي الصانع الجاهلي، ولا الإنسان المفتون في دار الإسلام الغافل عن ربه، اللذان يلزقان بقيم الأرض لزوقا منكرا كالإنسان المومن الموحد الغاية، ولا المجتمع الإسلامي المنشود الذي نطرح أسئلتنا معالم لتأسيسه بممكن دون بناء أفراد يعملون لآخرتهم فيكونون بذلك أقدر على امتلاك مشاكل دنياهم.

   يقول أعداء الإسلام أننا قوم رجعيون ننظر إلى خلف ونحلم بتجدد عهد غبر ونتحجر على ماض مات، تلك أمانيهم نسخر منها كما يسخرون، وننبههم إلى أن المتخلفين فكريا من أدعياء الإسلام الذين يبررون غواياتهم باستدعاء الماضي بعد أن يموهوه لا يكفي تحليلكم لوصفه، ويصفه الله تعالى كلما ذكر لنا في كتابه المنافقين وتظاهرهم بالإسلام وكيدهم له باسمه.

   يقول أعداء الإسلام بشعارهم، ذات اليمين وذات الشمال، أن الإسلام رجعية، ماذا يعني هؤلاء المتحكمون في التاريخ في زعمهم العارفون بمساره ومراحله ومآله المحتوم بكلمة رجعية؟ إنهم يقابلونها بمفهوم التقدمية، وعندهم تقدم ورجوع في خط تاريخاني مادي أرضي كافر، أولئك الدهريون المحدثون إن كانوا فلاسفة ومثقفين أو حاملي شعارات من جملة المنافقين الذين تعج بهم الديار.

   عندما نستعمل كلمة: مصير، فإنما نعني بها المفهوم القرآني لا مفهوم تلامذة الفلسفة الهيجلية الماركسية، فمصير المؤمن بالله واليوم الآخر مصير يرجوه سعادة في الجنة وحظوة عند ربه ونورا أبديا وكمالا روحيا، فإن كانت هذه الكلمة اللامعة في ضمائر أجيالنا ببريق الوعد الخلاب كلمة “التقدمية” تعني الكثير في تخطيط وشعارات واستراتيجية الاشتراكيات القومية ببلادنا، فإنها لا تعدو علاقات الأرض وعلاقات الإنصاف في المعاش والحرية بما تلوح به لكل فرد من فرص المتاع وتسلق السلم الاجتماعي.

   ولاشك أن من يعد الناس بهذا كله خير ممن يجرمهم منه، لكن أين نحن من موعود الله الذي يصف لنا مصير الإنسان بعد الموت حيث يلقى ربه وهو عنه راض ويخلد في النعيم بجواره؟ هذه تقدمية أسمى ولاشك، وهي تمر من الطريق الوعر طريق العدالة الحق والحرية المكرمة للإنسان لا التي تربت عليه لينحدر في دوابيته، لا نحب أن نتبنى شعارات الجاهلية فنقول، إن الإسلام تقدمية، فنضل ونضل بمجاراة فكرهم وتعبيرهم، لكنا نحرص أن نطرح أسئلتنا ونحن نحدد مفاهيمنا في وجه شعاراتهم، إن الإسلام إخلاص الوجه لله بشخوص البصر إليه، بصر الهمة، وهذا يقتضي طاعته، وقد أنزل تعالى أن نحكم بالعدل وأن لا نكره الناس على دين وأن نكرم الإنسان من حيث هو إنسان، يكفيه مؤهلا لهذا الإكرام أن لا يقاتلنا في الدين، فكل العوائق في وجه المومنين الصائرين إلى ربهم التي تمنع دون هذا ينبغي أن تزال، فإذا قلتم العدل، قلنا نعم وزدنا عليه ما أمرنا الله به من الإحسان، وإذا قلتم الحرية للإنسان من حيث هو إنسان قلنا نعم لمن لم يحاربنا في الدين.

   ومن بعد ذلك وقبله فمصيرنا غير مصير التاريخيين الدهريين، إذ التاريخ يمر عندهم على منحدر الحتمية التي تؤدي إلى “جنة الشيوعية” الموهومة، ونحن مصيرنا إلى الله في جنته ورضاه، لنا معنى واتجاه، ومعناهم، في رأي أنفسهم، أنهم دواب تأكل وتروث وتبتلعهم الأرض آسفين على لذات لم ينهبوها قانعين بمجد اجتماعي تركوا سمعته.

أي مجتمع؟

   المجتمع الاشتراكي، كما يحلم به منظرو الاشتراكية، مجتمع عدل وحرية، أما في ممارسات الاشتراكية “العلمية”، وهي وحدها التي تحققت في روسيا وغيرها، فتتنافى فيها العدالة الاجتماعية والحرية، ونرى اليوم زعماء الغرب الجاهلي يكشفون هذه العورة من خصومهم إذ ينادون بحقوق الإنسان وينتصبون للدفاع عنها إعلانا عالميا عن أنهم حماة الإنسانية المعذبة في دهليز الاشتراكية المؤدي إلى الجنة الموعودة.

   نحن بكل نبضة قلب مسلم مومن مجاهد في الله ننشد سعادتنا أولا قبل سعادة المجتمع، وسعادتنا التي نريد ونرجو سعادة في الآخرة دار الخلود، وهذه من كل مومن أنانية سامية لا تنسفل به أبدا إلى الأثرة واستغلال الضعيف، فأنا لا يعنيني إلا أن يرضى عني ربي ويتم لي نوري، لكن ذلك لا يمكن إلا أن أمسكت بخناق أنانيتي الأرضية وروضتها على طاعة الله بالإحسان، بعد العدل في حق الناس جميعا، وكل فرد فرد في أمة الإسلام بعد أن تحيى إن شاء الله تدفعه نفس الرغبة إلى نفس الموقف من الناس أجمعين.

   الجاهلية تتراوح مجتمعاتها بين مجتمع الفردية الأنانية في غابة الرأسماليين ومجتمع المجموعة كما نحتها ستالين وفي كل الثورات الاشتراكية نجد أن المد الثوري يؤول إلى اشتراكية علمية، ويستعصى على الاشتراكيين حيثما تولوا الحكم أن يغيروا مجرى الجشع الإنساني والاستغلال الاجتماعي الطبقي إلا بالمذابح الفظيعة ثم لا يكون إلا طبقية بيروقراطية ولو بعد حين، ومن يتأمل مذابح الكامبدج وتململ الصين الشيوعية في بحثها عن طمأنينة بيروقراطية بعد الأمل الذي كان عقد على نموذجها يتبين سبيل المجتمع الناعم باشتراكية نجحت والمجتمعات السائرة على ذلك النهج الرهيب.

   واشتراكيونا يجهرون بشعارات الاشتراكية الديمقراطية الأوربية، نوع منها أو نسيب قومي لها “أصيل”، لكنهم عندما يكونون وحدهم لا يفكرون إلا بالاشتراكية “العلمية” أي بماركس أي ماركس يصادف استحسانهم، فقد وزعوه مراحل وشخصيات…

   ويقول المموهون من الأدعياء أو الأغرار الجاهلون منا باشتراكية إسلامية فيخلط الأولون عن قصد ومماراة ويخلط الأغرار عن غموض في الفكر لا عن قصد تحريف الإسلام، لا أذكر ديدان القراء الذين يلفظون العبارات اللزجة، فأولئك لا يفهمون ما يقولون.

   إن المجتمع الإسلامي الذي نريده مجتمع إسلامي وكفى، ومتى سميناه اشتراكيا أو أضفنا إليه نعتا غير ذلك عرضنا فكرنا للخلط ومزجنا اهتمامات الأرض بمعاني السماء، فأين الغاية العلوية من الأهداف المادية وإن كانت تلك لا تبلغ إلا عن طريق هذه !