يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الواقعة‏:‏ ‏(‏وكنتم أزواجاً ثلاثة *‏ فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسابقون السابقون أولئك المقربون‏)‏‏.

جاء في مختصر ابن كثير رحمه الله: أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف‏:‏ قوم عن يمين العرش، وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار، وطائفة سابقون بين يديه عزَّ وجلَّ وهم أحظى وأقرب من أصحاب اليمين، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن اللّه‏)‏.

وقال ابن عباس (‏وكنتم أزواجاً ثلاثة)‏ قال‏:‏ هي التي في سورة الملائكة ‏(‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)‏ الآية‏.‏ وقال يزيد الرقاشي‏:‏ سألت ابن عباس عن قوله‏:‏ ‏(‏وكنتم أزواجاً ثلاثة)‏ قال‏:‏ أصنافاً ثلاثة، وقال مجاهد‏:‏ ‏(‏وكنتم أزواجاً ثلاثة‏)‏ يعني فرقاً ثلاثة، وقال ميمون بن مهران‏:‏ أفواجاً ثلاثة، اثنان في الجنة وواحد في النار، قال مجاهد‏:‏ ‏(‏والسابقون السابقون‏)‏ هم الأنبياء عليهم السلام، وقال السدي‏:‏ هم أهل عليين، وقال ابن سيرين ‏(‏والسابقون السابقون‏)‏ الذين صلوا إلى القبلتين، وقال الحسن وقتادة‏:‏ ‏(‏والسابقون السابقون‏)‏ أي من كل أمة، وقال الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة، أنه قرأ هذه الآية ‏(‏والسابقون السابقون أولئك المقربون‏)‏ ثم قال‏:‏ أولهم رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل اللّه.

وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات، كما أمروا. قال تعالى‏:‏ ‏(‏وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض‏)‏‏، فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل وكما تدين تُدان، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏أولئك المقربون في جنات النعيم‏).

وفي شرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لصفات المتقين المقرّبين، قال: وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏يقول اللّه تعالى‏:‏ من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه‏)‏‏.

وهذا الحديث قد بين فيه أولياء اللّه المقتصدين، أصحاب اليمين والمقربين السابقين‏.‏ فالصنف الأول‏:‏ الذين تقربوا إلى اللّه بالفرائض‏.‏ والصنف الثاني‏:‏ الذي تقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض، وهم الذين لم يزالوا يتقربون إليه بالنوافل حتى يحبهم سبحانه وتعالى‏.‏ وهذان الصنفان قد ذكرهم اللّه في غير موضع من كتابه كما قال‏:‏ ‏(‏ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ‏)‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 32‏]‏.

وهذا التفاضل تتجلى قيمته في الآخرة، قال تعالى: ‏( فأما إن كان من المقربين ‏.‏ فروح وريحان وجنة نعيم ‏.‏ وأما إن كان من أصحاب اليمين ‏.‏ فسلام لك من أصحاب اليمين ‏.‏ وأما إن كان من المكذبين الضالين ‏.‏ فنزل من حميم ‏.‏ وتصلية جحيم ‏.‏ إن هذا لهو حق اليقين ‏.‏ فسبح باسم ربك العظيم‏)‏. هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم‏:‏ إما أن يكون من المقربين، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من المكذبين بالحق، الضالين عن الهدى، الجاهلين بأمر اللّه.

وفي حديث البراء إن ملائكة الرحمة تقول‏:‏ أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان، قال ابن عباس ‏(‏فروح‏)‏ يقول‏:‏ راحة ‏(‏وريحان‏)‏ يقول‏:‏ مستراحة، وكذا قال مجاهد‏:‏ إن الروح الاستراحة، وقال أبو حرزة‏:‏ الراحة من الدنيا، وقال سعيد بن جبير‏:‏ الروح الفرح، وعن مجاهد‏:‏ ‏(‏فروح وريحان‏)‏ جنة ورخاء، وقال قتادة‏:‏ فروح فرحمة‏.‏

وروى الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه‏)‏ قال‏:‏ فأكب القوم يبكون فقال‏:‏ ‏(‏ما يبكيكم‏؟‏‏)‏ فقالوا‏:‏ إنا نكره الموت، قال‏:‏ ‏(‏ليس ذاك، ولكنه إذا احتضر ‏(‏فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم‏)‏، فإذا بشر بذلك أحب لقاء اللّه عزَّ وجلَّ، واللّه عزَّ وجلَّ للقائه أحب ‏(‏وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم‏)‏ فإذا بشر بذلك كره لقاء اللّه، واللّه تعالى للقائه أكره‏)‏ ‏”‏أخرجه الإمام أحمد في المسند‏”‏‏.‏

وللسابقين صفات وسمات تميزهم عن غيرهم، وأعظم السبق مناطه القلب لأنه أسمى ما في الإنسان وعباداته أصدق وأخلص.

فهذا سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يصف لنا الحبيب المصطفى سر تفوقه وسبقه، ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقرّ فى قلبه”. وهذا سيدنا سلمان رضي الله عنه سبقنا إلى الجنة وهو في الدنيا بصفاء سريرته وسلامة صدره لأنه كان لا يحمل على أحد ويسامح جميع من أساء إليه ويتصدق بعرضه على كل من آذاه.

فالصفاء والتصديق والصدق من أهم معالم السبق.

جعلنا الله وإياكم من “السابقون السابقون أولئك المقربون”. آمين يا رب العالمين.