عَجَّلَ اللهُ تَعَالَى بِإِعْزَازِ دِينِهِ وَنُصْرَةِ أَوْلِيَائِهِ وَإِظْهَارِ جُنْدِهِ وَدَحْرِ عَدُوِّه آمِين..

بَلَغَ الْمسلمون مِنَ الذُّلِّ وَالْمَهَانَةِ أَنْ يَتَجَرَّأَ مِنَ الناسِ عَلَى نَبِيِّهِمُ الْكَرِيـمِ رَحْمةِ الْعالَمِينَ وخاتِمِ الْمرْسلِينَ مَنْ لاَ يَرْدَعُهُمْ منْ حالِنا رَادِع، وَلاَ يُرْهِبُهُمْ مِنْ جَانبِنَا وَازِع، وَلاَ يَمْنَعُهُمْ عَنْ أَذِيَّـتِنَا مَانِع، وَنَحْنُ أُمَّةٌ كَانَ جَيْشُهَا يُسْتَـنْفَرُ فَيَهُبُّ لِنَجْدَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا..

كَانَ!!!

وَوَاللهِِ مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ آذَوْا أَنْبِيَاءَ اللهِ تَعَالَى..

“مَنْ عَادَى لِـــي ولِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ”.

“لِـــي”.. يُضِيفُهُ إليه سبحانه.

يُؤْذِنُ (يُعْلِمُ) رَبُّنَا مَنْ عَادَى “لَـهُ” وَلِيّاً بِِالْحَرْبِ.. فَكَيْفَ بِمَنْ آذَى وَعَادَى “لَـهُ” نَبِيّاً هُوَ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِمْ؟!!!

لا يجادل مسلم أَوْ ذُو مُرُوءةٍ من الناس في أن جرأة بعض وسائل الإعلام الأوروبية تجاوزت حدودَ ما يزعمون أنه حريةُ التعبيرِ (أحدُ أضلاعِ دِينِهِم الجديد) إلى ما يُشْبِهُ أنْفَاساً حَرَّى لِقِدْرٍ تَغْلِي منذُ قُرونٍ بِمَا تضيق به وتفيض مِنْ حِقْدٍ وَضَغِينَةٍ على ضِرَامِ نارٍ يَعْظُمُ أُوَارُها حيناً بعد حين. ولا يعلم إلا الله ما تتمخَّضُ عنه أيامنا هذه التي حَبِلَتْ بأَجِنَّةِ النصر الموعود بإذن الله.

لِنَعْمَلْ على رَدِّ الاِعتبار لأنفسنا بالمنافحة عن دين الله وكتابه ونبيه وأُمَّتِه بكل ما أوتينا من قُوَى.. نعم.. ولكن لِنَحْسِبْ لفعلنا ولردود فعلنا ما تستوجب من حسابات تُبارك خطواتنا وتحفظ مقدساتنا وتردع أعداءنا.

من الطقوس التي اعتادت عليها الجماهير الغاضبة من تَسَلُّطِ وظُلْمِ وجرائم وعدوان دول الاِستكبار في الأرض أن تَحْرِقَ أعلامها على مَرْأىً من الناس ومن وسائل الإعلام نُصْرَةً للحق وغضباً من الباطل ونِكَايةً برموزه وثأْراً مِنْ أَئِمَّتِه وتنفيساً لِمَا في الصدور. ولعلَّها عادةٌ تحتاج إلى نقاش أرجو أن يتَّسع صدر القارئِ الكريمِ لمشاركتي فيه.

أُذَكِّرُ أوَّلاً بأهميَّة أساليب التعبير عن الغضب، وبضرورة الرَّدِّ والرَّدع بِكُلِّ مُتَاحٍ من مقاطعة اقتصادية وإحراج سياسي وتعبئة إعلامية. وأذكِّرُ ثانيا بضرورة التمييز في التعامل بين صَنِيعَةِ الغربِ الاِستعماريِّ الاِستكباريِّ وَرَضِيعَتِهِ الْمُدَلَّلَةِ “إسرائيل” وبين غيرها من دول المعمور بما فيها دول هذا الغرب. ذلك أن هذه الدولة الخبيثةَ خُطِّطَ لها تخطيطاً ففُصِّلَتْ تفصيلاً على مَقَاسِ أرضٍ معلومةِ الأصحاب من قديم، وقُتِّل أهلُها وأُبْعِدُوا وشُرِّدوا شَذَرَ مَذَرَ. وعلى هذا فإحراق عَلَمِ السَّرَطَان المسمَّى “إسرائيل” هو أقَلُّ مَا يمكن أن يعبر به المرء عن غَضْبَتِه للحق. أما غيرها من دول العالم فلا أظن أن إحراق أعلامها يَصْلُحُ وسيلةً للتعبير عن الغضب من أنظمتها وحكَّامها أو أداةً للثَّأر منهم لأسباب أذكر منها:

أولاً

إن عَلَمَ أي دولة لا يمثِّلُ السلطة الحاكمة حَصْراً، بل يمثل كل مواطنيها الرَّاضِيَ منهم على نظام الحكم والساخطَ؛ وعليه فإحراق الْعَلَم أَذِيَّةٌ وإهانةُ وعِقَابٌ للمعتدي منهم ولِغيرِ المعتدي على حدٍّ سواء. وفي هذا استعداءٌ لمن نحن في غنىً عن عِدَائِهِمْ وتَضْيِيقٌ لدائرة المتعاطفين منهم مع قضايانا. ومعاقبةُ الظالم بالبريء ظُلْمٌ أكبر، إِذْ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.

ثـانـيـاً

إن مِنَ المسلمين مَنْ وُلِدَ ونشأ وترعرع في هذه الدول وَاغْتَرَفَ مِنْ خيراتها وتشبَّعَ بِلِبَانِ حُبِّهَا وارتبط عَلَمُهَا في نفسه بما يرتبط به الْعَلَمُ في نفوس الناس.. وقد أُثِرَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لولا حبُّ الوطن لَخَرِبَ بَلَدُ السُّوء”. فإحراق الْعَلَمِ في هذه الحال تَنْفِيرٌ لِمَنْ أسلم وجهه لله من أهل الديار وإحراج له بين بني وطنه.

ثـالـثـاً

إنْ كنتُ أعيش أنا بين أهلي من المسلمين آمنا في سِرْبِي بِقَدْرِ ما تسمح به أجهزة الأمن من الأمن، فكيف يكون حال جالياتنا مِمَّنْ يعانون من لفحات العنصرية والكراهية ويكتوون بنارها أصْلاً ولا يحتاجون إلى مَنْ وَمَا يَزيدها أُوَاراً؟؟؟ إننا بهذا نُؤَلِّبُ عليهم أهلَ البلاد الأصليين ونَمْنَحُهُم الحجة عليهم والْمُبَرِّرَ للتضييق عليهم.

رابـعـاً

إننا ينبغي أن نحترم رموزَ مَنْ يخالفنا في العقيدة أو الفكر أو الرأي أو الاِتِّجَاه ولو كانت هذه الرموز عبارة عن “قطعة قُماش”.. ولعل إحراق قطعة القماش هذه يُـبَرِّرُ للمتربِّص بنا إحراقَ مصحفنا الكريم كما هَدَّدَ بعضُ المتطرفين في الدانمارك بفعله.

خـامـسـاً

وحتى إن سَلَّمْنَا بأن الدولةَ الْمُحَرَّقَةَ رَايَتُهَا تَـتَوَحَّدُ نظاماً وحكومةً وأجهزةً وإعلاماً ومجتمعاً مدنياً وشَعْباً على العدوان على الإسلام والمسلمين فإنَّنا مَنْدُوبُونَ إلى إِحْسَانِ قراءةِ الميدان وإلى مَدِّ النظر أبعَدَ في أساليب الردِّ حرصاً على تجنُّب ما يُلْحِقُ بنا من الأذى أكثر مما دَافَعْنَاهُ أول الأمر..

يقول عزَّ مِنْ قائل من سورة الحج المدنية: “ذَلِكَ، وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ، إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ” (آية 58).

ويقول تعالى من سورة البقرة المدنية أيضاً (آية 193): “الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ. فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ. وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ”.

وفي ختام سورة النحل المكية، التي أمر فيها تعالى عبادَه المؤمنين بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونَهَاهُم عن الفحشاء والمنكر والبغي، يقول ربُّنا عزَّ وجلّ في الآيات (126-128): “وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ؛ وَاصْبِرْ، وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ، وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ”.

في الآية الأولى قَسَمٌ بأنه تعالى نَاصِرٌ مَنْ عاقب بمثل ما عوقب به إِنْ بُغِيَ عليه فَرَدَّ عن نفسه بَغْيَ الْبَاغي، مع الاِنتباه إلى التلميح في ختام هذه الآية ودلالاته: “إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ”.

وفي الآية الثانية إباحةٌ للقصاص من المعتدي بالمثل مع تَحَرِّي تقوى الله تعالى فيه، وتذكير بأنه تعالى “مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا”.

والآيتان مَعاً نَزَلَتَا في المرحلة المدنية حيث كان للمؤمنين شوكةٌ يُحْسَبُ لها حسابُها.

أما الآية الثالثة فَتُجَوِّزُ القصاص بالمثل مع التذكير بأن الصبر على الأذى خير، وأنه تعالى “مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ”.. مَعِيَّةٌ كفيلة بِمَحْوِ الحزن والضَّيْقِ من صدورهم.. وهذه آية نزلت في المرحلة المكية حيث عَزَّ النَّصيرُ وَقَلَّ الْمُجِيرُ وَطَغَى الْمُبِيرُ كما هو حال الأمة اليوم.

إِنْ عَاقَبْنَا بمثل ما عُوقِبْنَا به ولم نتجاوز الحدود فنحن مُتَّقُون..

فَإِنْ صَبَرْنَا على مرارة الحزن وشِدَّةِ الضَّيْقِ احْتِسَاباً وحِكْمَةً واتِّقَاءً لِمَا ينال الأبرياءَ مِنْ ظُلْمٍ، مع إقامة الحجة على المعتدي واختيار الردِّ المناسب لِرَدْعِه، فنحن على طريق المتقين المحسنين إن شاء الله.

روى مسلم في صحيحه عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلاَ جَزُورِ(1) بَنِي فُلاَنٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ؛ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ؛ وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثاً وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثاً ثُمَّ قَالَ: “اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ” ثَلاَثَ مَرَّاتٍ؛ فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ ثُمَّ قَالَ: “اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ” وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ. فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.

هذا مشهد من مشاهد إيذائه صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية إِذْ كان المؤمنون قِلَّةً مستضعفين يخافون أن يتخطَّفهم الناس، إلى درجةٍ لم يستطع معها ابنُ مسعود طَرْحَ ما وُضِعَ على ظهره الشريف صلى الله عليه وسلم لغياب المنعة، واكتفى رضي الله عنه بالنظر والقلب يَعْصِرُه الألم..

مشهدٌ صَبَرَ فيه صلى الله عليه وسلم عن الرَّدِّ بالمثل، ولكنه ما سَكَتَ وما استكان، بَلْ رَدَّ، صلى الله عليه وسلم، بِمَا هو أبْلَغُ في أنفسهم وأَشَدُّ على قلوبهم وأقوى من أَذِيَّتِهِم:

“اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ”…

عَمَّمَ الدعاءَ على قريش كأنَّه، صلى الله عليه وسلم، يقصد “نظامَ حُكْمِ” قريش متمثِّلاً في رموزِ الكفر منها لاَ كُلَّ قريش؛ وكَرَّرَهَا، صلى الله عليه وسلم، ثلاثَ مراتٍ إلْحَاحاً بالدعاء وإِيقَاناً بالحق وإمْعَاناً في التهديد والوعيد.

ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم:

“اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ…”..

فَلاَ تَسَلْ عن حال أصحاب هذه اللائِحة السوداء وهم يسمعون تخصيصهم بهذه الطَّوامّ من الدعاء!!!

قُوَّةٌ في الحق على قِلَّةِ أهْلِه، ومواجهةٌ صريحةٌ للباطل على سَطْوَةِ حِزْبِه…

قُوَّةٌٌ تَشَرَّبَتْهَا السيدة فاطمة، رضي الله عنها، فَرَدَّتْ على الباطل بالشَّتْم، وهو أَقْصَى ما في وُسْعِ بُنَيَّةٍ صغيرة، وأَدْنَى ما يستحق “فرعون هذه الأمة وشُرَكَاهُ”!

ومِنْ عَجَبٍ أنهم يعرفون الحق ويجحدون بآياته: “قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيُحْزِنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، فَإِنَّهُمْ لاَ يُكْذِبُونَكَ، وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ” (الأنعام 34).

ويقول الله تعالى من سورة الأنعام المكية (آية 109): “وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ. كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ، ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.

نَهْيٌ صريحٌ عن سَبِّ رموز الكفر حتى لا يكون رَدَّ فعلِ أهلِه أن يسبوا الله تعالى وهم لا يشعرون.

نَهْيٌ صريحٌ والمؤمنون من القوة في ضعف، ومن الكثرة في قلة، ومن النصير في غياب. وكذلك المسلمون اليوم:

– أنظمةُ حكامِ المسلمين تُصْلِـتُ سيوف البطش على ما سَمَّوْهُ إرهاباً، وعلى مَنْ يَنْبِسُ بِبِنْتِ شَفَةٍ واحدةٍ في حق ذَوَاتِهِم ومقدساتهم الخاصة، ولا يحركون ساكناً إن أُهِينَتْ عقائدُ ومقدساتُ مَنْ تَأَمَّرُوا عليهم من المسلمين.

– مجتمعٌ مدنِيٌّ بِأحزابٍ منقطعةٍ عن هموم الناس وعن مقدساتهم.. وكلُّ حزبٍ منهم بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.

– إعلامٌ يقوم ولا يقعد إِنْ عَوَى “كَلْبٌ” هنا أو عَثَرَتْ “دُمْيَةٌ” هناك، ويُذِيبُ خَبَرَ إِذَايَةِ النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم في بُرْمَةِ أخباره المتناسلة.

– شعوبٌ إسلاميةٌ مغلوبةٌ على أمرها، منشغلةٌ بهموم قُوتِهَا اليومي تبذل من أجله ما لا يدع لها وقتاً أو راحةً أو مساحةً في “أقراصها الصُّلبة” للاِنتباه لشؤون دينها وآخرتها.. شعوبٌ لا تستفيق إلاَّ على ضَرْبِ المطارق من مثل مطرقة هذا الأذى الذي أصابها في نبيها عليه الصلاة والسلام…

“كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ”.. زيَّنَ الله تعالى للأشقياء أذِيَّة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وحَبَّبَ إلينا نحن الإيمانَ به وزيَّنَه في قلوبنا.. وهذا هو الْمُعَوَّلُ عليه: أن نتزين بزينة الإيمان ونَدْعُوَ به وإليه الناس جميعاً لِئَلاَّ يكون عَمَلُنَا رَدَّ فعلٍ طارئٍ وفورةً ظرفيةً، بل ليكون فعلاً وحركةً مباركةً في سياق بناء النفس والأمة لا على هامشه..

“ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ، فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.

الهوامش:

(1) السَّلا: ما يبقى من أثر ولادة الناقة، وهو المقابل لِلْمَشِيمَة عند الإنسان

الْجَزُور: الناقة الْمُعَدَّة للنحر