روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.

أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا لحديث وهو الناطق بالوحي، عن رزوح الأمة تحت نير حكم يعض عليها بالوراثة وبيعة الإكراه ووقوعها في براثين الظلم والاستبداد بعد عهد النبوة الفاضل والخلافة الراشدة. وهو إخبار يحمل في ثناياه تحذيرا فالظلم مؤذن بالخراب، كما قال ابن خلدون(1)، موجب له. وها نحن نرى بأم أعيننا ثمرات العض والجبر ونتائج الاستبداد في الحكم، نراها في أمتنا المستضعفة المذلولة المجزأة أقطارا ودويلات، نراها في حقوق شعوبنا المهضومة، نراها في بلدنا المنكوب، وهو خير وأقرب مثال يعكس واقع الأمة، والذي يقبع في المرتبة 125 متخلفا عن جيرانه(2).

فلا يخفى على كل من له اضطلاع على شؤون بلدنا، أن المغرب إنما هو بنيان خرب تنخر في كيانه علل لا حد لها ولا حصر، فالكساد بلغ جميع الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أما المجالات الحقوقية والإعلامية والأخلاقية وغيرها، فرائحة فسادها تزكم كل الأنوف الحية.

ولن يخرج المغرب من أزمته هاته إلا إذا تحمل كل فرد مسؤوليته في الجهاد وحمل لواء البناء والتغيير. فهلم بنا نحمل هم وطننا ونضع أيدينا في أيدي بعض لننهض به من مستنقع الفقر والبؤس ونمنع سقوطه في الجرف الهاري الذي يقف على شفاه.

من هذا المنطلق وبهذه النية، ستكون لنا إن شاء الله تعالى، في إطار هذه النافذة، وقفة مع سلسلة مقالات تهتم بوضع بلدنا، مقالات تعرض الحقائق المرة والأوضاع المخزية على ذوي النفوس الأصيلة وتكشف وجه الحقيقة الكالح، الحقيقة الصريحة العارية، للشعب المخدوع بالخطب المستبشرة المتفائلة، المتخوم بالتعزيمات الإعلامية والفرجة والابتسامات. نعرض الأوضاع ونكشف الحقيقة واضعين نصب أعيننا بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإشراق شمس الخلافة بعد ظلام العض والجبر.

ونبدأ في هذا المقال بوقفة مع مجال حيوي على المستويين الوطني والدولي، مجال يحتل مركز الصدارة في القضايا المعاصرة ألا وهو مجال الطاقة. وقبل أن نعرض لوضعية هذا القطاع في بلدنا، يبدو من الضروري أن نجيب عن السؤال: لماذا الحديث عن الطاقة وأين تكمن أهمية هذا المجال؟ تعود أهمية الطاقة وكل ما يرتبط بها لعدة عوامل يمكن إجمالها فيما يأتي.

تعتبر الطاقة عاملا أساسيا من عوامل الإنتاج وشرطا للتطور الاقتصادي والاجتماعي للدول. فإذا كان الماء يمثل المادة الأساسية الأولى لحياة الإنسان ورخائه، تأتي الطاقة في المرتبة الثانية وذلك بسبب حضورها في جميع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية بل وفي الحياة اليومية للأفراد. فكل نشاط إنساني يتطلب استهلاكا للطاقة: إنتاج السلع والخدمات، نقل الأشخاص والبضائع، تدفئة المنازل أو تبريدها، طهي الطعام…باختصار تأتي الطاقة في مقدمة الحاجيات الضرورية للإنسان.

أهمية الدور الذي تلعبه الطاقة جعلت كل الدول تهتم اهتماما بليغا بهذا القطاع وتضع تموينها من مصادر الطاقة ضمن أولى أولويات سياستها الاقتصادية. ففي ميدان اقتصاد الطاقة، تعتبر إعداد سياسة طاقية محكمة وعلى أسس صلبة ضرورة ملحة. ويرجع هذا إلى كون تلبية الحاجيات من الطاقة بجميع أشكالها تتطلب بنيات تحتية هامة ومخططات استثمارية جد مكلفة تظهر نتائجها على المدى البعيد وترهن القطاعين الصناعي والمالي للدول بصفة دائمة، فالطاقة تعتبر صناعة ثقيلة بامتياز.

وترجع أهمية هذا القطاع على المستوى الدولي أيضا إلى الدور الكبير الذي يلعبه في مشكل تلوث البيئة والذي يعتبر كذلك من أهم القضايا المعاصرة. فأكبر نسبة من الغازات السامة والمواد الملوثة للبيئة يفرزها تحويل وإنتاج واستهلاك الطاقة.

وأخيرا لا يخفى على أحد البعد السياسي والاستراتيجي للطاقة والذي تبين للعالم أجمع من خلال الصراعات والحروب التي نشبت وما زالت تنشب بين الدول من أجل ضمان تموينها من مصادر الطاقة. ويمكن أن نذكر في هذا السياق الصراع التاريخي بين الدول المتقدمة ومنظمة الدول المصدرة للنفط وحرب الأسعار التي أعلنتها الأولى على الثانية، في بداية الثمانينات، من أجل كسر قوتها وإجبارها على الرضوخ للسوق الدولية، إضافة إلى حرص دول الغرب والقوة العظمى، الولايات المتحدة الأمريكية، على السيطرة على دول الخليج لا لشيء إلا لاستغلال مواردها الضخمة من النفط ومحاولة العراق ضم الكويت لحدوده سنة 1991 ثم تكالب أربعين دولة في حرب الخليج الأولى لمنعه من ذلك، وكذا حرص الولايات المتحدة الأمريكية على ضم العراق لنفوذها مهما كانت الوسيلة وإن اقتضى الأمر استعمار العراق استعمارا عسكريا بعد حرب معلنة واضحة سنة 2004… هذه الأحداث، وغيرها كثير وما خفي أعظم، تجعلنا نجزم أن الطاقة، وصراع الدول من أجل الحصول عليها بأبخس الأثمان، تساهم بشكل كبير في صناعة الحضارة الإنسانية وتأثر تأثيرا عميقا على العلاقات الدولية.

مسألة الطاقة إذا تثير قضايا ضخمة وعميقة ترتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بمديونية الدول وتطور نظامها المالي، بالبيئة، بالتوازنات الجيوستراتيجية العالمية…كل هذا يرجع لأهمية الطاقة وكونها ضرورة ملحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول. فالطاقة، وخصوصا النفط، تمثل بحق الدم الساري في شرايين الاقتصاد في العالم أجمع. وفي هذا إشارة إلى أهمية الثروة التي تملكها الدول المسلمة التي شاء الله عز وجل أن يضع فيها معظم مخزون العالم من مادة يتوقف نشاط العالم وحركته عليها: النفط. ولعل هذه الثروة تمثل فرصة تاريخية مدخرة إن شاء الله تعالى لتساعد الإسلام على الظهور الموعود.

فبإمكان أمة الإسلام “حين تأخذ زمام الأمر وزمام النفط أن تواجه أسلحة الدمار والفناء النووية بسلاح السلام والرخاء، النفط، في وقت معا مع المواجهة الجهادية الشاملة القائمة في وجه الاستكبار العالمي، تصده عن الإفساد في الأرض”. بمال النفط إن أحسنا إدارته وبمادة النفط إن طوعنا السوق العالمية لإرادتنا يمكننا أن نفرض إرادتنا على المستكبرين بلا عنف وأن ندخل على العلاقات العالمية تطورا لصالح الشعوب المستضعفة. بأموال النفط يمكننا أن نسيطر على صناديق التمويل العالمية وأن نؤسس صندوقا إسلاميا بلا ربا يبيض وجهنا أمام الله عز وجل الذي استخلفنا في الأرض وزودنا بهذه الثروة الكريمة. “باستعمال سلاح النفط يمكننا (…) أن نرعى مسؤوليتنا الحساسة تجاه المستضعفين وأن نستبدل بالسمعة السيئة التي استحقها عربي النفط حتى أصبح رمزا للفساد سمعة الأمة الراشدة ذات الرسالة السامية ومعها الوسائل الهائلة لتبليغ الرسالة”(3).

بعد توضيح ما للطاقة من أهمية في دوران عجلة الاقتصاد العالمي وبعد تقدير الفرصة التي تمثلها الطاقة عموما والنفط خصوصا لبلداننا وأمتنا الإسلامية نعود لنتساءل عن موقع بلدنا، المغرب، في هذه الإشكالية، عن وضعية قطاع الطاقة فيه، عن موارده من الطاقة وسياسة الدولة في هذا المجال (إن كانت هناك سياسة)… هذه الأسئلة وغيرها بما تطرحه من إشكاليات وما تحتاجه من تفصيل ستكون محور المقالات المقبلة إن شاء الله تعالى.

——————–

الهوامش:

(1) انظر مقدمة ابن خلدون، الفصل الثالث والأربعون في أن الظلم مؤذن بخراب العمران.

(2) حسب إحصائيات الأمم المتحدة…

(3) عبد السلام ياسين، في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية ص64، 1995، مطبوعات الأفق.