وضع الأسئلة   نسأل الأسئلة نفسها: فيم تطرح؟ وإلى أي حد تكون صياغتها متضمنة الجواب؟ فإنك إن طرحت أسئلة عتيقة لوقتك وظروفك كما طرحها أناس عفى عليهم الزمن تكون أقرب إلى التخلف الفكري منك إلى الذكاء ونفاذ الرأي. وإنك إن انغلقت في مجال الصياغات المستوردة قبل أن تطرح على نفسك أسئلة لحل مشاكلك الخاصة فقد حكمت على نفسك أن تبقى رهنا في التبعية الفكرية والعملية، وإنك إن حكمت على نفسك بالعجز عن استكشاف آفاق لحل مشاكلك حلولا مخترعة فأنت أعجز عن تجاوز العالم الدوابي الجاهلي المتحدر في مزالق جاهليته، لا نبحث عن الأصالة إذ نسائل الأسئلة، فالأصالة مفهوم نسبي لا يعني شيئا في نظر الإسلام، أن تكون أصيلا في تفكير مثقفينا المفتونين هو أن تسبق إلى اكتشاف إقليم جديد أو منسي في دنيا الناس، أي على مستوى الجاهلية، يعطيك شخصية متميزة بسحنتها الجنسية وتاريخها وفلكلورها وثقافتها إلى ما سوى ذلك من الألوان السطحية التي لا تخبر حرفا واحدا عن معنى الإنسان ووجوده على الأرض ومصيره بعد الموت.إننا إذ نسائل الأسئلة نحذر من الجاذبية الفكرية الجاهلية التي تستولي على المثقفين من قرائنا أن تتسرب بعض مفاهيمها إلى كلمنا، وإننا إذ نرد إلى عتاقتها أسئلة الغابرين نعني إرادتنا التحرر من خلافات علمائنا المسلمين ونشير إلى تفاهة من لا يزالون عالة على إديولوجية ماركس وممارسة لينين يتكففون على مائدة الجاهلية الحمراء، وهي تفاهة لا تقل عن تفاهة الفئة الأخرى من تلامذة الجاهلية الذين يفكرون بمنظار منتسكيو ومقدمي فلاسفة الجاهليين، الجاهلية والعنف ونصلي نحن بضرام نارها أول من يصلي، لذلك لا نستطيع رفع بصرنا عن بغيهما الغازي لديارنا وطغيانهما الفكري على عقول أبنائنا.

   لا نضع الأسئلة في أفق صاف هادئ بل نضعها ونحن وسط تجهمات العدو المتربص المتعدد الوجوه المتعدد المداخل إلينا، هذا العدو هو الجاهلية بشقيها، ونصوغ أسئلتنا صياغة مغايرة لنقترح حلولا بديلة لحلول الجاهليين، فإن بديل الشيء إنما يكون في حجمه وأبعاده، يشبهه ويصلح أن يحل محله، وبما أن الحلول الجاهلية تتركز على مسلمة الكفر بالله أو التبرئ من الاهتمام بوجوده أو عدمه وعلى مسلمة أن الإنسان دابة زمنية تلفظها الأرحام وتبلعها الأرض فإن الحلول الإسلامية ليست بديلا لشيء بل هي الحلول الفذة التي تصلح لقيام الأمة المسلمة الشاهدة على الناس، وقبل أن نمضي قدما نذكر أن تعبيرنا بالحلول إنما نفهم منه روافد الحكمة، أي المعالجات الجزئية لمشاكل الإنسان، كل مشاكله، وأهمها غفلته عن الله، فإذا اجتمعت تلك الحلول كان عمل إسلامي حكيم، أي كان الحكم بما أنزل الله وكانت شريعته مطاعة.

   كيف نضع الأسئلة إذن، وكيف نصوغها بعصرنا الذي من نعمته كيت وكيت ولكي يصمد اتجاهها إلى الغاية التي من أجلها خلق الإنسان وهي عبادة الله والتقرب إليه لينال الإنسان في الدنيا كماله الروحي الأبدي؟ إن كيفية وضع الأسئلة واتجاهها وتضامنها لغاية بينة هو ما يسمى بلغة الوقت “المنهجية”، ونستعمل نحن اللفظ القرآني وهو “المنهاج”، ويعني الطريقة المؤدية إلى الله عز وجل في سياج الشريعة المطهرة، سنرجع إلى المنهاج النبوي ومعناه بالنسبة للجهاد الإسلامي في زمننا وظروفنا بحول الله، وسنرجع إليه طويلا بعونه عز وجل فإن مشروع صياغة منهاج العمل الإسلامي لا يكفي للعمل فيه إلا جهود جماعية يتكاثف فيها بلاء رجال الدعوة العلماء المستمر.

   نكتفي في هذا المقال بطرح أسئلة المنهاج طرحا مقتضبا ماضيا في طريقه حتى يتيح الله مناسبات لتحديد المفاهيم وضبط التصورات، وهذه ضرورة ملحة لأن عقولنا المضبوطة شديدة الكلف بالتصورات المضبوطة سيما وخصومنا الذين ندعوهم إخواننا تعبيرا عن رفقنا بهم واستعدادنا للتلطف بهم حتى يفهموا عنا كثيرا ما ينعتون كلامنا بمضغ الألفاظ لأنهم غذوا بمفاهيم وتصورات لحنها ماركس وهيجل أو ديكارت وحزبه، فذلك اللحن الجاهلي كل متاعهم الذي به يعتزون، فمتى جاءهم خطاب على أسلوب القرآن نفرت عقولهم وحزنوا على تلك التماثيل الجاهلية المنتصبة في أذهانهم المتراقصة في مخيلاتهم.

   اشتهر الفكر الماركسي بانه أبرع من طرح أسئلة العدالة الاجتماعية، والممارسة اللينينية بأنها أجدر من طرح أسئلة العمل من أجل تحقيق هذه العدالة، هذه الشهرة أخذت تضمحل بسرعة في المجتمعات الأوربية التي باضت الماركسية واللينينية بعد أن تأمل عقلاء القوم نتائج ذلك الفكر وتلك الثورية من خلال بطش ستالين وانتصاب دولته معه وبعده جبارا حقيقته التسلط في الأرض.

   واشتهر الانفتاح الليبرالي عند قوم آخرين بأنه وحده يطرح الأسئلة في اتجاه ضمان حرية الإنسان ورفاهيته، ولا تزال تنكشف حقيقة العالم الليبرالي منذ فضحها لينين فضحا وسماها امبريالية، فهي اليوم كشقيقتها الجاهلية الأخرى الحمراء جبار متسلط في الأرض، وهما تقتسمان الهيمنة علينا أمة الإسلام ضمن من تهيمن عليهم من شعوب العالم المغلوب على أمره.

   أما عند المفتونين منا فشهرة الفكر الماركسي تزداد تألقا، وتزداد اللينينية عرامة، رغم أن أساتذة ذريتنا الخاسرة أخذوا يطرحون اللينينية ويردون لماركس ما اخترعه ماركس من وصف ساخر للدين حين سماه أفيون الشعوب، الجاهليون من الذرية الخاسرة والمفتونون من أرباضها ببلاد الاشتراكيات يمشون خطوات خلف من علمهم الفكر الملحد وممارسة الجاهلية متخلفين فكريا وتنظيميا. والآخرون في تخوم الليبرالية لما يدركوا أن المجتمع الذي يقلدونه مجتمع ينخر فيه العنف والفساد الخلقي وأن الفكر الذي يترجمونه يتخبط عاجزا عن حل مشاكل الاقتصاد والتضخم المالي والبطالة وسائر أمراض الجاهلية التي تضخ علينا من رشاشها بل تغرقنا مع ما يلتهمنا من بضائع الجاهلية وفكرها وعاداتها.

   طرح ماركس أسئلة العدالة الاجتماعية في تصورين أحدهما فلسفي وهو “الألينة”، ولعل الشيوعيين من أبناء جلدتنا يترجمونه بكلمة التغريب أو الاستلاب، والثاني سماه فائض القيمة، وكلا التصورين يعرفان داهية الإنسان أنها في سلبه من معناه وهو امتلاكه لعمله وحرية عمله وحقه في علمه، وفي سلبه من نتيجة عمله والربح المادي الذي يحققه عمله وسيتأثر به الرأسمالي.

   لو كان الإنسان دابة أرضية لكان تعريف ماركس تعريفا عبقريا ولكانت معادلة: الإنسان = دابة عاملة معادلة تستحق الاعتبار، الماركسية وضعت أسئلة لدابة أرضية ووضعية موقوتة من مراحل الرأسمالية لذلك تسقط في ميزان معنى الإنسان وفي ميزان فلسفات الاقتصاد إلا في العقول الخفاشية.

   وطرح لينين استراتيجية العنف الطبقي والتطاحن على السلطة، ونجحت استراتيجية الثورة الطبقية وكان الثمن كذا وكذا مليون قتلهم ستالين، ستون أو ثمانون، وكانت النتيجة طبقية جديدة داخل المجتمع الستاليني وجبروتا في الأرض، فلذلك تسقط اللينينية اليوم حتى في حساب الجاهليين العقلاء.

   أما الجاهلية الزرقاء فأسئلتها ليست بذلك الوضوح، لكنها هيّأت أجوبة نلمسها في ما بنته من هذه المجتمعات الاستهلاكية التي يأكلها العنف وهي لاهية في دوابية اللذة: تلك الجاهلية بالمعنى المزدوج: جهل بمعنى العنف، وجهل بمعنى الكفر بالله والجهل به أي الكفر بالإنسان والجهل به.

   بعد أن طرحنا الجاهلية وموضوع أسئلتها وصياغتها لهذه الأسئلة بالجملة، نريد أن نضع تنبيها بأن العقل هبة مشتركة بين المومن والكافر، وأستعمل هنا كلمة عقل بالمعنى المتعارف لا المعنى القرآني، فالمعنى القرآني للعقل هو الإيمان بالله، العقل إذن قدرة مشتركة وهو وعاء الحكمة بالمفهوم القرآني لدى المؤمن ووعاء الحكمة بمعناها الدارج لدى مفكري الجاهلية ومدبريها، ونحن نلتمس الحكمة فلا ننكر أن في ما طحنه الجاهليون في أفكارهم وما مارسوه ويمارسونه من كيدهم على الأرض مادة يليق أن نغربلها بحثا عن المهارات والدرايات الإنسانية، وإنما فات فكر الجاهليين وعملهم أن يكون حكمة بالمفهوم القرآني لأن منطلقهم مخطئ حيث جحدوا وجود الله أو نظموا مجتمعاتهم على أساس “اللائكية” فجحدوا تبعا لذلك أن يكون للإنسان معنى إلا أنه دابة محزومة ينبغي أن ينتصف لها من مستغلها، أو دابة خلقت للمتاع واللذة.

   الجدلية الفلسفية في الفكر الماركسي، والجدلية الثورية بعدئذ، أو الجدلية الضمنية في الممارسة الاجتماعية حيثما كان تعارض بين جماعة وجماعة وتنازع اجتماعي وانصراف إلى المرآة المادية ينظر فيها المجتمع نفسه، أما المنهاج النبوي فهو حين يطرح الأسئلة يضع الإنسان أمام خالقه في تقابل بين الرب والمربون والمرسل الأنبياء بالهداية والمرسل إليهم، ومن هذا المنطلق نبدأ في طرح أسئلتنا.