1- بر الوالدين واجب على كل الأبناء:

على المؤمن أن يعي أن لوالديه عليه حقا وواجبا يتمثل في طاعتهما والإحسان إليهما، وليس ذلك لأنهما كانا سبب وجوده فحسب، أو لأنهما إذا قدما له جميلا ومعروفا كان عليه مجازاتهما بالمثل. إنما أوجب الله تعالى طاعتهما وألزم الأبناء ببرهما والإحسان إليهما فجعل ذلك مقرونا بعبادته وحده. قال تعالى: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا” (الإسراء: 23  24).

فأما الأم ففضلها عظيم على ولدها: حملته تسعة أشهر كاملة تعبت فيها ووحمت وعانت من آلام المخاض إلى أن خرج إلى الوجود فأرضعته وهي في ذلك كله رحيمة عطوف حانية تتعب ليرتاح، وتجوع ليشبع وتسهر لينام. قال تعالى: “ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك، إلي المصير” (لقمان: 13). وأما الأب، فبدوره يتعب ويشقى، ويربي وينفق ويكابد حتى يتعلم ولده ويجعل منه مؤمنا صادقا فاعلا في مجتمعه يعرف قصده دنيا وأخرى، حتى لا يعيش في الدنيا عبثا.

– الإحسان وبر الوالدين: على المؤمن بر والديه بكل ما تصل إليه يداه، وتتسع له طاقته من أنواع البر والإحسان، ومن ذلك إطعامهما وكسوتهما وعلاجهما عند المرض ورفع الأذى عنهما وتقديم النفس فداء لهما؛ وينبغي أن يكون كل ذلك من غير من ولا أذى.

ولقد كان بر الوالدين مقدما دائما على سائر الأعمال، حتى على الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم. قال: فيهما فجاهد. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. فالمجاهدة هنا تعني إكرامهما محبة في ثواب الله لنيل ثواب الجهاد، وذلك بالانقياد إلى أوامرهما.

– طاعة الوالدين في كل ما يأمران به إلا في ما فيه معصية الله: قال تعالى: ” وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفا ” ( لقمان: 14 ). إلا أن ذلك لا يمنع من مصاحبتهما في الدنيا بالمعروف. وقد رويت بهذا الصدد قصة سيدنا سعد بن أبي وقاص مع أمه التي آلت على نفسها ألا تأكل ولا تشرب بعد إسلام ابنها ظانة أنها ستكرهه بذلك على الرجوع على كفره، فلما اشتد جهدها قال لها: يا أماه، تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي. فأكلت.

– تجنب كل ما يسخط الوالدين: فقد وجب على المؤمن عدم التبرم أو التكبر على والديه وعدم سبهما ورفع الصوت وهجرانهما. وإلى جانب ذلك، حذر المؤمنون من إيذاء آبائهم وأمهاتهم معنويا، وذلك بألا يمشوا أمامهم ولا يؤثروا عليهم زوجة ولا ولدا. عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلا أتاه فقال: إن لي امرأة، وإن أمي تأمرني بطلاقها. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه. رواه ابن ماجة والترمذي واللفظ له، وقال: ربما قال سفيان أمي، وربما قال أبي، قال الترمذي: حديث صحيح.

– إدخال السرور عليهما وجلب الفرح لهما: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان. فقال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما. رواه أبو داود.

– صلة الرحم التي لا رحم لمؤمن إلا من قبلهما والدعاء والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما. فعن أبي أسيد مالك بن أبي ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما. رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، وزاد في آخره: قال الرجل: ما أكثر هذا يا رسول الله وما أطيبه. قال: فاعمل به.

ومعنى الصلاة عليهما الدعاء لهما بالنعيم والقبول، والاستغفار لهما أن تطلب من الله تعالى أن يعفو عن زلاتهما، وإنفاذ عهدهما العمل بوصيتهما.

ومتى كانت الأم صالحة فهي أول صحبة نافعة أمر الشارع صلى الله عليه وسلم برعايتها. فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك.قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك. متفق عليه.

2- فوائد بر الوالدين من أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أولا: إكرامهما من العمل الذي يحبه الله تعالى ويساوي ثواب الجهاد في سبيل الله تعالى، بل هو أفضل. فعن أنس رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه. قال: هل بقي من والديك أحد؟ قال: أمي. قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد. رواه أبو يعلى والطبراني في الصغير والأوسط، وإسنادهما جيد.

ثانيا: أنه يوصل إلى نعيم الجنة. فعن معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك. فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم. قال: فالزمها، فإن الجنة عند رجلها. رواه ابن ماجة والنسائي واللفظ له والحاكم. وقال صحيح الإسناد.

ثالثا: يزيد في العمر، وفي الأرزاق ويسبب البركة في المال. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه. رواه أحمد.

3- أضرار عصيان الوالدين:

أولا: حرم الله عقوق الوالدين وكره ذلك.

ثانيا: عقوق الوالدين من أكبر الكبائر المهلك الموصل إلى الجحيم.

ثالثا: يمنع من التعطر بريح الجنة وشم شذاها. فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يراح ريح الجنة من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجد ريحها منان بعمله ولا عاق ولا مدمن خمر. رواه الطبراني في الصغير.

رابعا: لا يقبل أي عمل للعاق.

خامسا: ينال العاق جزاءه في الدنيا قبل مماته من تحقير وفقر مدقع وأمراض وسخط أهله وإبعاده. فعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل الذنوب يؤخر الله منها ما يشاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات. رواه الحاكم والإصبهاني من طريق بكار ابن عبد العزيز وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

سادسا: يجلب العقوق سوء الخاتمة للعاق ويطمس الله على بصيرته ويُنزَع منه الإيمان فلا يمكن أن ينطق بالشهادتين. فعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه آت، فقال: شاب يجود بنفسه، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فلم يستطع، فقال: كان يصلي؟ فقال: نعم، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهضنا معه، فدخل على الشاب، فقال له: قل لا إله إلا الله، فقال: لا أستطيع. قال: لِمَ؟ قال: كان يعُق والدته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحية والدته؟ قالوا: نعم. قال: ادعوها، فدعوها فجاءت، فقال: هذا ابنك؟ فقالت: نعم. فقال لها: أرأيت لو أُججت نارا ضخمة، فقيل لك: إن شفعت له خلينا عنه، وإلا أحرقناه بهذه النار، أكنت تشفعين له؟ قالت: يا رسول الله إذاً أشفع له. قال: فأشهدي الله وأشهديني قد رضيتِ عنه. قالت: اللهم إني أُشهدك وأُشهد رسولك أني قد رضيت عن ابني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار. رواه الطبراني واحمد مختصرا.