السيدا، ذلك المرض الذي من أجله أقيمت مؤتمرات وملتقيات دولية، وللوقاية منه وضعت قرارات وتوصيات وتحذيرات، ومع كل ذلك ظلت مشكلته في تعقيد مستمر، سواء في نوع الفيروس الذي يتطور ويتغير باستمرار أو في أعداد المصابين به التي أصبحت أضعافا مضاعفة، وما يزيد الأمر تعقيدا هو ارتفاع نسبة الشباب المصابين، حيث تصل في المغرب إلى 68 % من بين مجموع المصابين المصرح بهم، نسبة تحمل أكثر من دلالة وتهديد، وتجعل أي كلام عن هذا المرض يعني الشباب بالدرجة الأولى خاصة إذا استحضرنا أن آمالا عريضة تنعقد عليهم من أجل إدارة الحاضر، وبناء مستقبل أفضل.

يقر العلماء والخبراء بأن العلاج الوحيد للسيدا هو الوقاية منه، وعلى هذا الأساس عملت الوزارة الوصية بالمغرب إلى جانب جمعيات، حيث وزعت العديد من الملصقات الإشهارية والمطويات التعريفية ونظمت العديد من الحملات التوعوية كان آخرها حملة “سيداكسيون”.

من الإنصاف أن نقول بأن خطورة هذا الداء تحتاج إلى حملات مماثلة وتعبئة شاملة، ومن باب الاعتراف بالجميل أن نشد على يد كل من ساهم بقليل أو كثير، ماديا أو معنويا للتخفيف من تأثير هذا المرض نفسيا وصحيا واجتماعيا، ونتمنى ألا يتم التلاعب بآلام المرضى وآمالهم ولا بالأموال المتبرع بها لصالحهم.

لكن من الواجب أيضا أن نقول بأن الأوراق قد اختلطت، والمفاهيم قد اعوجت، والحقيقة قد غيبت، والحلول الحقيقية قد أبعدت، فبدا أصحاب الحملة كمن يتشبثون بالنار للهروب من النار، ذلك أن الحملة، كغيرها من الحملات السابقة، قد اعتمدت مرجعية غير مرجعيتنا، وعملت على تحقيق أهداف لن تزيد الداء إلا انتشارا، فمع الدعوة إلى تطبيع المرض في أذهان الناس ورفع التهميش والإقصاء الذي قد يتعرض له المصابين اجتماعيا، كانت هناك دعوة إلى التطبيع مع الممارسات الجنسية غير الشرعية، ورفعا للحرج الاجتماعي عنها، بعبارة مجملة كانت الحملة دعوة إلى فقدان ما تبقى من المناعة الأخلاقية المكتسبة خاصة لفئة الشباب، وقد لخص كل ذلك وبكثير من الوضوح والشفافية الصحفي “هشام روزاق” في “جريدة الأيام عدد 210” حيث كتب ما نصه : “لكن .. تبقى المعركة الأكثر أهمية التي ربحتها ليلة سيداكسيون، هي تلك التي هزمت (الفكر) الظلامي الذي تعود على اعتبار السيدا عقابا إلهيا .. ذلك الفكر الذي لا يخجل مريدوه ومروجوه، من إعلان حروب ضارية ضد توزيع العازل الطبي على الشباب والمراهقين …. لقد رُبِحت هذه المعركة خلال تلك الليلة، لأن الجواب كان واضحا: نعم المغاربة يمارسون الجنس، يمارسونه كبقية البشر.. وهناك مغاربة يمارسون الجنس خارج المؤسسة الزوجية (يقصد الزنا)، وهناك عاملات جنسيات بهذا البلد يمارسن الجنس (يقصد الزنا) .. والمهم .. هو أن ممارسة الجنس (يقصد الزنا).. لا يجب أن تعني بالضرورة الإصابة بالسيدا .. والأهم، هو أن ممارسة الجنس (يقصد الزنا) بما يكفي من احتياطات وإجراءات وقاية.. ممكنة ويمكن أن تجنب المغاربة خطر الإصابة”.

أولا: لابد من الإشارة إلى أن الله تعالى حذرنا ثم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، من إظهار الفاحشة أو السعي لها، وبين أن انتشار الفاحشة والاستعلان بها هو سبب لمقت الله وعذابه وشيوع الأمراض والأوبئة الخطيرة التي لم تكن معهودةً من قبل وتفشي الموت والهلاك بين بني البشر، قال عليه الصلاة والسلام: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) رواه ابن ماجه.

ثانيا: ما الذي حققته الدول الغربية، التي تعيش تطبيعا كليا مع الجنس (أقصد الزنا) ، في محاربة هذا الداء، هل قلصت من نسبة الإصابة به بين شبابها ومراهقيها؟؟ (يقول الدكتور كنج في كتابه “الأمراض الزهرية” إن الآمال التي كانت معقودة على وسائلنا الطبية الحديثة في القضاء أو على الأقل الحد من الأمراض الجنسية قد خابت وباءت بالخسران، إن أسباب انتشار هذه الأمراض تكمن في الظروف الاجتماعية وتغير السلوك الإنساني، فقد انتشرت الإباحية انتشارا ذريعا في المجتمعات الغربية …) (نقلا عن الأمراض الجنسية / د محمد علي البار / دار المنارة). ثم إن التطبيع مع الزنا سيقود حتما إلى التطبيع مع الشذوذ كما هو الحال في الغرب، وربما نسمع يوما عن من يكتب: تبقى المعركة الأكثر أهمية هي تلك التي هزمت (الفكر) الظلامي الذي تعود على اعتبار الشذوذ كبيرة من الكبائر .. نعم المغاربة يمارسون الشذوذ، يمارسونه كبقية البشر.. وهناك مغاربة شواذ، والمهم .. هو أن ممارسة الشذوذ .. لا يجب أن تعني بالضرورة الإصابة بالسيدا .. والأهم، هو أن ممارسة الشذوذ بما يكفي من احتياطات وإجراءات وقاية.. ممكنة ويمكن أن تجنب المغاربة خطر الإصابة. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور: 21).

ثالثا: إن السلوك الإنساني ليس فعلا أو أفعالا مفتتة. لكنه منظومة متكاملة من السلوكيات والظروف الفردية والاجتماعية والبيئية. وسواء كان العمل إصلاحيا أو علاجيا أو وقائيا فينبغي له تفهم تعقيد السلوك الإنساني. فالطاقة الجنسية هي طاقة أساسية ذلك أن إشباعها يعد من ضرورات الجسد، وهذه يشترك فيها الإنسان مع الخرفان، كما أن حرارتها وإلحاحها الدائم يخبئ خلفه حقيقة مهمة بنيوية هي أنها تقف خلف المحافظة على النوع، وهذه يشترك فيها الإنسان مع الأرانب والسلاحف، لذا فإن عمق هذه الغريزة ينبغي النظر إليه إلى أبعد من ذلك وربطه بما يتميز به الإنسان عن الحيوان من مشاعر سامية وتحضر يبني العلاقات الاجتماعية على أساس من المواثيق الغليظة التي يشهد عليها الله ورسوله. وبذا يمتزج القانون الأخلاقي بالقانون البيولوجي بحيث يصبحان وجهين لعملة واحدة، وعاملين متكاملين يدفعان الإنسان نحو توازن الذات، فالفرد الذي يسمح بالتعبير المطلق عن اندفاعاته الجنسية لن يجد في الحياة سلاما، لأن كل فعل إنساني يبنى على تركيب الأبعاد الجسدية والنفسية والاجتماعية، وكل مذهب في معالجة السلوكات الإنسانية يغفل عن ذلك فهو يغفل مبدأ إنسانيا أساسيا، وعلى هذه الصخرة سوف يتحطم.

رابعا: إن أي طاقة في الوجود هي بين ثلاث حالات: الكبت أو الانفلات أو التنظيم، وينطبق هذا على قوى الطبيعة كما ينطبق على قوى النفس، فالغريزة الجنسية هي في حالة توتر بين الإفراط والتفريط، بين الوقاع بأشد من الحمير، والعجز الجنسي المؤلم والمحير للأطباء. لذلك لا بد من استراتيجية تجاه الطاقات النفسية لإنشاء الذات المنتظمة التي تصقل الإرادة كي يتم ضبط الغرائز وتنظيمها، ومنها الطاقة الجنسية عند الشباب التي تكسر حدتها ويسهل لجمها ويزداد تطويعها بقدر ما يملك الشباب في نفسه من مناعة أخلاقية مكتسبة.

خامسا: إن الحملات التي تنظمها الدوائر الحكومية أو الجمعيات المدنية والتي تستغلها بعض الأقلام الصحفية لصناعة رأي عام في مسألة الجنس / الزنا بدعوى حقوق الإنسان، تحتاج إلى تغيير في الخطاب، وذلك بالتوقف عن استنساخ الوسائل المتبعة في الدول الغربية وعن ترجمة ملصقاتهم ومطوياتهم وعن توظيف مصطلحاتهم، إننا في حاجة إلى خطة جادة، وشاملة، تحترم خصوصيتنا، وتوظف مثلنا الاجتماعية لأنها الأقدر على الإقناع، ذلك أن جهود المكافحة والوقاية ينبغي أن تكون متكاملة ومتساندة ليس بينها تناقض أو تضارب فإذا كانت الممارسة الجنسية (أقصد الزنا) من أهم مسببات هذا المرض فينبغي محاربة كل الطرق الموصلة إليها. فلا معنى لمحاربة سلوك وفي الوقت نفسه تسهيل أسبابه. ينبغي أن تكون الوسائل والغايات منسجمة، عدا ذلك فإن النفاق والتناقض السلوكي سيؤدي إلى تصادم القيم والمبادئ مع الوسائل والأعمال والغايات.

سادسا: لا مجال لوقف الانتشار المهول لفقدان المناعة البيولوجية المكتسبة في صفوف الشباب إلا بالرفع من المناعة الأخلاقية التي تدهورت نتيجة حملات الإفساد ومقدماتها من إثارات الجنس عبر الوسائل الإعلامية، والدعوة إلى الزنا جهارا نهارا، والسياحة الجنسية التي جعلت قوافل من حاملي السيدا تغزو هذا البلد المتسامح، ففقد الشباب كل المناعات الحامية لدينه وجسده وعرضه وماله، وغاص في بحر اللذات، يُدفع إلى بدايته دفعا ولا يعرف بعد ذلك له من نهاية إلا من رحم ربك. لذلك وجب خلق بدائل ثقافية وإعلامية لسد الطريق أمام البدائل الأجنبية السلبية الهاجمة على المجتمع المغربي، والمتسببة في فقدان الثقة، وبالتالي عدم الالتزام الاجتماعي، والتسيب، وهنا نشير إلى ضرورة سلوك منحى إصلاحي للشباب يقوم على بناء وتعزيز قدرات الشباب الفكرية والاجتماعية والسلوكية، وتنمية ثقتهم بأنفسهم، وتبصيرهم بدورهم الاجتماعي العام، والرفع من قوة مناعتهم الروحية لأنها السبيل الأنجع والأقوى لمحاربة هذا الداء، وتشجيع وتسهيل مساطر الزواج لأن الله ما حرم شيئاً إلا وأباح بدله، ففي الزواج الشرعي السعادة في الدارين وبذلك يتحقق الإحصان، انظروا إلى نور الوحي في توجيهات النبي (النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وقوله عليه الصلاة والسلام : (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).

وختاما إن البشرية كلها ستظل في تيه وضلال واضح بين، ما لم تجلس إلى هذا النبي لتتعلم منه آيات الكتاب والحكمة، متبعة شريعته ومقومة سلوكها ومزكية نفوسها بتعليماته وتوجيهاته. إن الإسلام العظيم قد وضع منهاجا واضحاً لحماية الإنسان وصحته من أخطار الأمراض الجنسية المدمرة، والذي يتمثل في كلمتين: العفة والإحصان وتتمثل العفة في طهارة القلب من وساوس الشهوات ويتحقق الإحصان بتعميق الإيمان وتقوى الله ومراقبته. فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والحمد لله الذي من علينا برسول من أنفسنا ليعلمنا الكتاب والحكمة ويزكي نفوسنا بمنهج خالقنا طهرا وعفافا، قال تعالى: (لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مّبِينٍ) آل عمران 64.

أيها الشباب دينكم دينكم فإنه طوق النجاة لكم في الدنيا والآخرة. وتذكروا قول نبيكم العظيم: (يا أبا ذر، اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتَك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).