الحمد لله وحده لا شريك له والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه.

أحب في هذا المقال أن أبين بعض الحق الذي خفي على كثير من الناس الذين يجهلون دينهم، ويتعلق الأمر بمسألة إضافة لفظ السيادة “سيدنا” إلى اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث نجد بعض الناس ينكرون ورودها، بل يعتبرونها بدعة منكرة وضلالة تجب محاربتها! فلا يقبلون ذكر “سيدنا محمد” أو سيدنا إبراهيم” أو تسييد أي أحد من الخلق( ملائكة أو أنبياء أو صالحين من المؤمنين).

هل ورد التسييد؟

وحجة هؤلاء في ذكر اللفظ من غير تسييد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أخبرنا به إلا في وقت التعليم “ما ثبت”. ولو كان تسييده مطلوبا بصفة مطلقة لبينه لنا، إذ ورد في الحديث عن أبي مسعود الأنصاري البدري قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير ابن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم”، رواه مسلم. وفي الحديث أيضا “لا تسيدوني في الصلاة”.

وهذا الحديث الأخير حديث موضوع لا أصل له كما ذكر جمع من الحفاظ(1)، وليس فيه نهي عن التسييد إلا في تشهد الصلاة فقط، مما يعني أنه لا حرج بالتسييد خارجها.بل يستحب.

أما الحديث الأول فقد وردت فيه صيغة من صيغ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم التي علمها لأمته وهي كثيرة، لكن ينبغي النظر بأدب إلى مجموعة من الأدلة الأخرى من الكتاب والسنة التي ورد فيها استحباب التسييد، ولا ينبغي أن ننكر تسييده صلى الله عليه وسلم اعتمادا على فهم واحد لحديث واحد، بل يجب أن نقبل جميع ما جاءنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث. ونذكر منها:

أنت والدنا وسيدنا

قال صلى الله عليه وسلم:

1- ” أنا سيد الناس يوم القيامة…” رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.

2- ” أنا سيد المؤمنين…” رواه أبو نعيم في دلائل النبوة عن أم كرز.

3- ” أنا سيد ولد آدم يوم القيامة…” رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد . فهو سيدنا في الدنيا وفي الآخرة.

4- ” أنا سيد العالمين…” رواه الحاكم في المستدرك. فمن ليس من العالمين حتى لا يكون صلى الله عليه وسلم سيدا عليه ؟

سبحان الله! ألا تكفي هذه الأحاديث دليلا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا؟!

5- روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن الشخير قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني عامر فقلنا:يا رسول الله: أنت والدنا وأنت سيدنا وأنت أطولنا علينا طولا وأفضلنا علينا فضلا وأنت الجفنة الغراء. فقال صلى الله عليه وسلم:” قولوا بقولكم ولا يستهونكم الشيطان”. فهاهم الصحابة يأتونه صلى الله عليه وسلم ويسيدونه ويعظمونه ويوقرونه ، ويقرهم على ذلك “قولو بقولكم…” والدنا سيدنا أفضلنا…

6- روى الحاكم في المستدرك والطبراني في المعجم الكبير وأبو يعلى في المسند وابن عساكر في التاريخ عن المقبري قال: كنت مع أبي هريرة فجاء الحسن بن علي فسلم عليه القوم ومعنا أبو هريرة لا يعلم، فقيل له: هذا الحسن بن علي يسلم فلحقه فقال: وعليك السلام يا سيدي. فقيل له تقول له يا سيدي؟ فقال : أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إنه سيد”.

وهنا يسيد صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة وهو الحسن بن علي (سيدنا الحسن بن سيدنا علي رضي الله عنهما). ففهم من ذلك أبو هريرة أنه ينبغي أن نناديه ب “ياسيدي”.

7- روى الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله قال: ” صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :”من أنا؟ قلنا: رسول الله، قال: نعم، ولكن من أنا؟ قلنا: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قال: ” أنا سيد ولد آدم ولا فخر”.

قوموا إلى سيدكم

8- قال الحافظ السخاوي في “القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع”: ” الأدب عند ذكره صلى الله عليه وسلم مطلوب شرعا بذكر السيد. ففي حديث الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال :”لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد بن معاد، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” قوموا إلى سيدكم”. أي سعد بن معاد. وسيادته بالعلم والدين، ونقل مثله عن الجلال المحلى في فتاواه والأسنوي في المهمات وابن حجر الهيثمي في الذر المنضود ومحمد الفاسي في شرح الدلائل وإبراهيم اللقاني في شرح جوهرة التوحيد ومحمد بن جعفر الكتاني في أجوبته والمجد الفيروزي أبادي في الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر، والحطاب في شرح مختصر خليل ونقله عنه الشيخ زروق وأبي سالم العياشي والحافظ البرزالي….وغيرهم.

9- روى الإمام أحمد وأبو يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت ” والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ” قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار:أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور…الحديث.

10- روى الطبراني في الأوسط عن جابر عن ابن عباس رضي الله عنهما،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: الجد بن قيس على أنا نبخله، قال : وأي داء أدوا من البخل، بل سيدكم الجعد القطط عمرو بن الجموح.

11- روى البخاري عن جابر قال:” كان عمر يقول : أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا.( بلال رضي الله عنه).

12- روى الحميدي وأبو يعلى عن أبي كثير قال: كنت مع سيدي علي بن أبي طالب … الحديث. فهذه أحاديث تدل بوضوح تام أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتخاطبون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع بعضهم ب ” السيد”، سيدنا أبو بكر سيدنا عمر سيدنا بلال سيدنا علي سيدنا سعد بن معاد سيدنا عمرو بن الجموح سيدنا الحسن بن علي& ..فقل لي بربك كيف نسيد الصحابة ولا نسيد سيد الصحابة والتابعين وولد آدم أجمعين؟!

وفي الموضوع أحاديث أعم من هذه، منها:

13- روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي و جاريتي وفتاي وفتاتي ولا يقل العبد ربي، ولكن ليقل سيدي ومولاي”.

14-روى أبو داود والبخاري في الأدب المفرد عن حديفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تقولوا للمنافق سيدا، فإنه إن يكن سيدكم أسخطتم ربكم عز رجل”. بمعنى النهي عن تسييد المنافقين، أما المؤمن فلا نهي فيه.

لا تدعوه باسمه

15- قال الله تعالى: “لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا”، في تفسير هذه الآية روى الإمام البغوي عن مجاهد وقتادة قولهما :” لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا… ولكن فخموه وشرفوه”. أي لا تنادوه كما تناديه الأعراب : يا محمد!

16- روى الإمام أحمد في المسند والنسائي في المجتبى عن سهل بن حنيف قال: مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت منه فخرجت محموما فنمي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:” مروا أبا تابت فليتعوذ، قلت: ياسيدي والرقى صالحة؟ قال: لا رقية إلا في نفس أو حمة أو لدغة.

وأخيرا فإن هذه الأحاديث الشريفة كافية لتدارك الغلط والتيقن باستحباب ذكر التسييد مع ذكر الإسم الشريف للحبيب المرتضى والخليل المصطفى صلى الله عليه وسلم تسليما.

——————————————-

1- الفتاوى الفقهية لابن حجر الهيثمي1/218، والمقاصد الحسنة للسخاوي ص161، والحاوي للفتاوي للسيوطي 1ص311.