سياق ومساق:

أحدثت الرسومات المسيئة للرسول الأكرم صلوات الله عليه زلزالا كبيرا في العالم الإسلامي،وقد تفاعلت الشعوب الإسلامية ـ وهذا مايجب ـ تفاعلا أثار اندهاش الغرب الذي حنط الدين في زوايا مظلمة منذ قرون.

ترى كيف يمكن قراءة ما أقدمت عليه الصحيفة الدانماركية وتضامن صحف غربية أخرى معها لتصنف في خانة واحدة،أو قل لتقف في خندق واحد، وتجمع أمرها على محاربة الإسلام واستفزاز مشاعرالمسلمين.

بداية،إن ما حدث جزء من مخطط قديم يتجدد،هدفه النيل من الإسلام باعتباره الخطر الأخضرـ واللفظ لفيلسوفهم ـ لأنه يمتلك مؤهلات مشروع حضاري قادر على إعادة ترتيب أحوال العالم والبشرية جمعاء.ووعيا بهذه الحقيقة لا يفتأ اليهود من خلال منظماتهم النافذة ولوبياتهم الموجهة لسياسة الدول المتحكمة في العالم يتوقفون عن وضع المخططات لتشويه صورة المسلمين والتشكيك في قيم الإسلام ومبادئه،فوظفت لذلك الأفلام السينمائية والمحطات الإذاعية والكتب والمجلات،بل ووجهت البرامج التعليمية في دولنا العربية والإسلامية لتشويه التاريخ الإسلامي والتنقيص من شأن الإسلام وأثره في تحقيق العدل ونشر الأمن والتسامح بين أهل الديانات السماوية:”ويمكرون ويمكر الله”.

إن ما أقدمت عليه بعض صحف الغرب ينم عن منطق الكيل بمكيالين،فباسم حرية التعبير ينال من الإسلام وقيمه،وفي ذات الوقت لا يسمح التشكيك في مذابح اليهود،ومن تجرأ على ذلك حوكم بتهمة معاداة السامية.وفي الحقيقة هذا طبيعي إذا علمنا أن منظومة حقوق الانسان وحرية التعبير جزء منها تتأسس على نظرة عنصرية تميز تمييز المجتمع الروماني بين فئة الأسياد ذوي الحرمة والمكانة وفئة العبيد والمزارعين الذين لا رأي لهم ولا حرمة فهم همل تابع للأسياد. لقد صدمنا ـ معشر المسلمين ـ مما حدث لسذاجتنا وثقتنا العمياء في منظومة الغرب،وخيل إلينا أن خلاصنا في اعتناق عقيدته الفكرية والسياسية والخلقية.

رب ضارة نافعة:

حكمة بليغة ودرس عظيم قدمه لنا الغرب من خلال صحافته،جعل المسلمين يستفيقون على وزنهم ـ رغم غثائيتهم ـ في معادلة اقتصاد عالمي لا يحركه إلا الربح والجشع.لقد اكتشف المسلمون أن بيدهم سلاحا لا قبل للغرب الذي بنى رفاهيته على تخلفنا هو سلاح مقاطعة منتوجاته،لم يكن أحد يتصور أن البيت الغربي عنكبوتي بهذا الشكل،ونسينا أو تناسينا أن الغرب استعمرنا بحثا عن أسواق لتصريف فائض منتوجه،وتوظيف فائضه البشري،واليوم يسعى هذا الغرب لخرابه بنفسه،فيدفعنا لنحاربه اقتصاديا،”وعلى نفسها جنت براقيش”،وأجمل بها من حرب ننتصر بها لإسلامنا،ونسترد بها بعضا من كرامتنا واعتبارنا في التوازنات الدولية.

لقد جاءت الحملات المشينة للرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه حبلى بالدلالات،ومنها:

على مستوى الأنظمة السياسية:

أبانت الأحداث أن ملاذ الأمة هو الإسلام،فهو المؤهل لجمع شتاتها،وما أروع مسيرات الشعب العراقي التنديدية بما حدث،حيث ترك جميع الفرقاء خلافاتهم المذهبية والسياسية ليصطفوا في صف واحد يرددون شعارا واحدا ينصرون دينهم ونبيهم الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

وحري بأنظمتنا أن تعي الدرس وتستخلص العبر،وتعلن الصلح مع شعوبها،وكفاها نفاقا سياسيا غدا مكشوفا تجري وراء سراب إرضاء الغرب الذي يوظفها حفاظا على مصالحه،حتى إذا أذن الله تعالى بالطوفان سارع هذا الغرب ـ ولا تعدمه الوسائل ـ للإطاحة بها بانقلاب عسكري أو بتشجيع عصيان شعبي أو بتدخل عسكري مباشر.

على مستوى المنظات والهيئات الإسلامية:

إن المهمة الأساس لهذه الهيئات والمنظمات هو حماية مقومات الأمة وهويتها الحضارية من كل مسخ أو تشويه،وذلك بالتصدي للحملات المغرضة المتسترة وراء تشجيع الإبداع وتكريم المبادرات التي تخدم مشروع اليهود بتشكيك أبناء المسلمين في دينهم ومقدساتهم.

وهذه المهمة تستدعي مشاريع تعليم ومعاهد دراسات تفنذ مغالطات الحاقدين على الإسلام،والتصدي للفكر التبشيري التنصيري للمستضعفين الجياع المرضى المنكوبين في أدغال إفريقيا.

إن الواجب يفرض على هذه الهيئات والمنظمات أن تمارس الضغط في هيئة الأمم لاستصدار قرار يجرم النيل من الإسلام،مثلما نجح اللوبي اليهودي في تحصين أكذوبتهم التاريخية.

على مستوى الحركات الإسلامية:

إن فطرة الأمة الإسلامية ـ والحمد لله ـ سليمة،وهي مستعدة لتفتدي نبيها بالنفس والنفيس،وأن ما يبدو على عامة الناس من مظاهرلا تمت للإسلام بصلةإنما هو بفعل ما تعرضت وتتعرض له من تضليل وإغواء،وما فرض عليها من نمط فكر وحياة،وأنه ليس من الإنصاف والحكمة اتهامها في دينها واليأس من صلاحها،لذا وجب على العاملين في حقل الدعوة عموما والحركات الإسلامية خصوصا أن تطور أساليب عملها لتعانق هموم عامة المسلمين ـ لا سيما الشباب منهم ـ وتخصهم بالرعاية والاحتضان لتنتشلهم مما هم فيه من استيلاب وغفلة عن دينهم،ليصبحوا عامل بناء،لا عنصر هدم في مشروع انبعاث الأمة.

على مستوى وسائل الإعلام :

لقد آن الأوان لوسائل إعلامنا في ديار الإسلام والمرئي منها خاصة لتنخرط جديا في مشروع انبعاث الأمة تعليما وتوجيها وتعبئة للجهود عوض تعميق جراح الأمة بإذكاء أسباب الفرقة،ونشر الفاحشة بين شبابنا المغرربه. وللإنصاف نبارك جهود القنوات الساعية للحفاظ على ما بقي من فطرة المسلمين تقاوم تيارات الانحلال والتفسخ.

على المستوى الأسري:

إن ما حدث يجعلنا ـ معشر الآباء والأمهات ـ أمام مسؤولية عظمى جاءت هذه الأحداث لتنبهنا إليها،إنها مسؤولية تربية الأبناء وتنشئتهم تنشئة إسلامية،تحبب لهم ربهم ورسولهم وقرآنهم،فهل نخصص للأبناء حيزا من الوقت لتدارس أمر ديننا ومقتضيات الإيمان،وحب الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه منها؟ هل نحبب للأبناء الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه بعرض شمائله وكريم خصاله؟ وما حظنا من أخلاق الرسول صلوات الله وسلامه عليه العظيمة في علاقتنا مع أبنائنا؟

خلاصة:

إن هذه الأحداث تنبيء بمرحلة جديدة في علاقتنا بالغرب الذي تمكنت منه الروح اليهودية المعادية للحق والقيم،وللإسلام خاصة لأنه يمثلها،”والتحدي للإسلام يتمثل في قدرة اليهود على تقمص الأجسام الجماعية للأمم…فالتحدي أمامنا ليوم الفصال يوم”وعد الآخرة”ليس أن نحارب العالم بعد أن تكون الروح اليهودية قد استولت عليه،لكن التحدي في أن نقاتل اليهود وراء كل شجر وحجر،قتال البأس،بينما نستخلص من الروح اليهودية هذه الجسوم الجاهلية،ندفع شرها بخير الإسلام،ونذهب ظلمتها بنور الإسلام،ونسكت نباحها لتسمع دعوة الإسلام..” (1)

إنها مرحلة تقدم لظهور الإسلام وتمكينه لا لسيادة العالم والانتقام من الاستكبار والمستكبرين،وإنما طمعا في هداية من شاء من البشرية بعد أن تنقشع غشاوة الغواية اليهودية،ولكي تسمع الانسانية خطاب الإسلام يجب أن نقدم لها نموذجا ناجحا في الاستقامة والقيم،كما في الاقتصاد ونظام الحكم “لاشيء أفصح خطابا للانسانية جمعاء من نجاحنا حيث يخفق الناس ،وتكون نموذجيتنا إشهارا للإسلام ورحمة صارخة..” (2)

ـــــــــ

” الهوامش:

1.سنة الله ص: 124/الأستاذ عبد السلام ياسين.

2.نفس المرجع / ص:17و18