اعلم أن مفهوم القومة من المفاهيم القرآنية التي تثير حساسية عند الذين لايتتلمذون على القرآن الكريم مباشرة ولا يجتهدون في فهم سنة الله كاملة، وهو مفهوم دقيق وشامل في نفس الوقت ، متفرد في معناه من جهة ومتداخل مع مفاهيم قرآنية ونبوية أخرى من جهة ثانية. فما معنى كلمة قومة؟ وماهومضمونها؟ وما هو نطاقها و مطالبها ؟ ثم ما هي مقوماتها ونماذجها؟ وأية عوائق تعترض سبيلها ؟

معنى القومة

القومة لغة؛ مصدر صناعي مشتق من الفعل قام يقوم قياما وقومة وإقامة وقوامة ومقاومة، أي نهض ينهض نهوضا وإنهاضا ونهضة، واسم الفاعل قائم وقائمون، على وزن فاعل وفاعلون، وضده قاعد وقاعدون.

القومة قيام من سقوط، وقد كان علماؤنا في التاريخ يسمون جند الله الناهضين في وجه الظلمة قائمين. وفي القرآن الكريم اقترن ذكر مادة ” قومة” بالإستقامة والعمل والجهاد والمجاهدة والتحمل في أعلى مستوياته لتغيير ما بالنفس، نفس الفرد ونفس الجماعة، تغييرا شاملا ،على كل الجبهات التربوية منها والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية. وقد ميزوا رحمهم الله بين القومة و الثورة، فاعتبروا الأولى خروجا شرعيا على السلطان الظالم ، وعدوا الثانية خروجا هائجا وعنيفا بغير حق، الثورة رد فعل حماسي استعجالي وانتقامي، والقومة تدرج ومرونة من غير استعجال، قال الله تعالى: “أتى أمر الله فلا تستعجلوه “.الثورة تهدم والقومة تبني ، الثورة لا تشترط الإيمان والعدل، بينما لا تقوم القومة إلا على أكتاف “الذين أمنوا وعملوا الصالحات”.

القومة الإسلامية

و”القومة الإسلامية” مفهوم منهاجي، ينتصر للغة القرآن: مفهوم أصيل وشامل وواضح وإجرائي ومستقبلي، يحمل من الدلالات والمعاني مالا يمكن أن يحملها غيره. وليس مصطلحا سياسيا سطحيا، بل هو فهم وعمل يميزنا عن غيرنا، ويهدف إلى تغيير أوضاع الأمة تغييرا يليق بمقام خيريتها بين الأمم، و” لا معنى للمنهاج إلا إذا كان التغيير هدفه ومقصده وغايته…منهاج أمل وبشرى، وأذان بالخلاص” (1)، ينهض به المؤمنون نهوضا نبويا جماعيا متوازنا، يزرع بذور حياة مستجدة بجهاد مستجد لنصر مستجد بإذن الله تعالى، فهي تغيير جذري يلامس جوهر الأشياء ، فيربط سعي الفرد بسعي الأمة، وسعة الدنيا بسعة الآخرة، وغاية الرخاء المادي الإقتصادي بغاية الإيمان والإحسان، وحركية الأنفس تربية وتعبئة بحركية الآفاق تصنيعا وترويضا.” القومة تغيير دوافع الإنسان وشخصيته وأفكاره، تغيير نفسه وعقله وسلوكه، تغيير يسبق ويصاحب التغيير السياسي الاجتماعي”.(2)

قال الله تعالى:” إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم” فهما تغييران مجتمعان متداخلان متشارطان (يقع أحدهما شرطا والآخر مشروطا)، تغيير يزكي النفوس وتغيير يصلح أحوال الجميع لما يأذن الله تعالى به. يؤديان معا التغيير الذي أراده الله تعالى وارتضاه لعباده الصالحين المصلحين، تغيير “بسم الله، وعلى يد جند الله، وانطلاقا من كتاب الله وتأسيا برسول الله” صلى الله عليه وسلم.(3) وما لم ينبن التغيير على هذا الأصل المكين وما لم يراع ظروف الأمة الأصيلة و الطارئة ( تجزئتها القطرية في هذا العصر مثلا) لا يسمى “قومة إسلامية” ، لأنه لا يمكن أن نتحدث عن قومة إسلامية إلا كحركة إرادية إيمانية جهادية واعية بمسؤولياتها ناهضة لإزالة المنكر كل المنكر بتدرج ، لكن بالمعروف.

إنها الفعل المنهاجي الذي يتوسط بين الرجولة الإيمانية وبين الإصلاح والتمكين والعزة.

القومة اقتحام وتجاوز لأحوال التفريط والنوم والإنحطاط ودين الإنقياد الذي ألفته الأمة طيلة المنحدر القروني. وهي تتطلب عملا جماعيا بنفس طويل وخطة واضحة وقلوب ربانية وعقول مدبرة، تترقب بيقظة إشارات القدر الإلهي.

” القومة تعني نهضة ولا ينهض الجسم العليل المفكك، القومة تعني حركة إرادية، ولا يتحرك المشلول، القومة تعني تغيير المنكر، ولا يغير المنكر من لا يعرف المنكر في أسبابه ودخائله وماضيه وحاضره وحماته،القومة تعني جهادا منظما، ولا جهاد بدون تربية الأمة وتعبئتها للجهاد المرير والطويل”. (4)

مضمون القومة الإسلامية

كي تكون القومة إسلامية يجب أن تكون فعلا إراديا محكما يشمل جميع معاني القيام والإقامة الواردة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة، وهي معاني تتوزع في سبعة نطاقات كبرى كالتالي:

1- نطاق الدعوة إلى الله: قال الله تعالى: “وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا” (5)، فلا يقوم لله إلا من تحققت فيه صفة العبودية لله وحده، نظرا لما قد يعترض فعل الدعوة إلى الله من عوائق وعقبات وإكراهات وضغوط، توشك أن تصد القائمين بأمر الله عن قصدهم، وخاصة لما يتمالأ القوم ويتلبدون ضد الحق وأهل الحق. فيدسون الدسائس ويختلقون الإشاعات لمغالطة الناس وصدهم عن معرفة الحقيقة والكينونة مع الصادقين، “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.

وظيفة الدعوة الأساسية هي التربية، أي تربية الإنسان على ألا يخش الناس بل يخشى الله وحده بلاشريك، لذلك كان منطلق القومة هو تحرير الإرادة لتكون النية والهمة هي وجه الله تعالى، وحتى تعمر مساحة السعي والحركة بالرفق لا بالعنف، وبالتيسير لا بالتعسير، وبالحلم لا بالإنتقام ، وبالجمع لا بالفرقة، وباليقين لا بالظن.وهذا يفتل في قوة المجتمع ويمثل الحصانة ضد الانحراف والشك والقعود.

إنها باختصار قومة دعوية رحيمة وحكيمة لتجديد الإيمان في القلوب.

2- نطاق الصلاة: قال الله تعالى: ” والذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة…” و قال سبحانه: “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين”. وقال صلى الله عليه وسلم:” قم يا بلال فأرحنا بالصلاة”(6)فالصلاة تتطلب جدية وقياما، وإقامة الصلاة والقيام للصلاة، سمة تميز المومنين عن غيرهم، فليس كل مصل مقيم للصلاة، والإقامة أداء بالحس والمعنى ، بالإنضباط للأركان الظاهرة والباطنة، خشوعا وتضرعا في المسجد ، وانتهاء عن المنكر والفحشاء في كل سعي، ومن لم ينته فلا صلاة له ، ومن لا صلاة له لا دين له ، ومن ضيع الصلاة كان لما دونها أضيع. وكل شيء في ديننا دون الصلاة .قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إن أهم أمركم عندي الصلاة”.

إنها قومة مسجدية لإعمار ما خربه المستعمرون القدامى والمحدثون.

3- نطاق الشهادة لله: قال الله تعالى: ” ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” (7) وقال أيضا:” ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين” (8)،الخطاب موجه للمومنين كي يقوموا في سبيل الله، ابتغاء وجه الله، ليشهدوا بالقسطاس المستقيم، لا تعد عينهم عنه. القومة تكون لله، شهادة لله وبالقسط ، والقسط عدل، والعدل غاية من أجلها أرسل الله الرسل، لإيصال الحقوق لأصحابها كيفما كانوا ، ومنع الظالم من ظلمه مهما تجبر وطغى، العدل أساس الحكم وأساس المعاملة في الأقوال والأفعال والأموال والأخلاق. وهو مطلب ومقصد من أهم المقاصد الشرعية التي على طليعة المؤمنين أن يسعوا لتحقيقها.

إنها قومة عدلية لإصلاح دنيا الناس بتطبيق شريعة الله.

4- نطاق الترقي الإيماني: القومة في هذا المجال توبة وإنابة إلى الله، وإقبال دائم ويقظ على الله، في السر والعلانية، في الشدة والرخاء. ومن معاني القومة القيام ومن القيام قيام الليل ” قم الليل “، لذلك ينبغي للمؤمن أن يشمر عن ساعد الجد ليحرث آخرته حرثا إيمانيا إحسانيا متعرجا صاعدا، استعدادا لإقامة الوجه لله عز و جل، سلوكا قلبيا من إسلام لإيمان لإحسان بالصحبة والمخاللة الحية والتعرض المباشر” للإشعاع الشافي بإذن الله الذي يودعه الله عزوجل في قلوب أوليائه”.

إنها قومة إحسانية سلوكية.

5- نطاق الحدود: قال الله تعالى: ” التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله” (9).فانظر وفقك الله إلى ترتيب الحدود في سياقها التربوي الإيماني العدلي العمراني الأخوي في الآية.

فإقامة حدود الله تعني الانتقال من حالة الفتنة والحكم الطاغوتي إلى حالة المجتمع الإسلامي الخاضع لجلال الله وأحكامه. و ليس الحكم في الإسلام هو قطع يد السارق وانتهى الأمر، ولكن قبل تطبيق الحدود على الدولة أن تعمل على صيانة الكرامة الإنسانية بتوفير الشغل اللائق للناس وتحقيق تنمية عادلة داخل المجتمع تزيل الكراهية والأحقاد. و” القومة معركة شديدة نحو الرخاء لابد للأمة جميعا من خوضها” (10)

إنها إقامة جزء وسط كل لا يتجزأ.

6- نطاق الدولة: أهمية الدولة تابعة لأهمية الدعوة، الدولة جزء لا ينفصل، والدعوة كل لا يتجزأ.الدعوة مهيمنة والدولة خادمة، الحكم بالعدل قوام دولة القرآن، و”العدل أساس العمران” و” الظلم أذان بالخراب” كما قال عبد الرحمن بن خلدون. والعدل سلاح الدولة في الإسلام، قال عمير بن سعد- والي حمص في عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه- : ” لا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان، وليست شدة السلطان قتلا بالسيف أو ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذا بالعدل”. (11) والقومة في هذا النطاق هي إعداد الأطر القضائية والإدارية والعلمية والاقتصادية، وإعداد الدراسات والبرامج والمناهج، بموازاة مع إعداد الرجال والنساء المؤهلين لحمل هذه الأمانات الكبيرة وإتقانها.

الدولة مؤسسة للتسيير والتدبير والتنفيذ والتنظيم، فهي واجهة خدماتية، تخدم رسالة الدعوة، تقوم على الشورى لا على الاستبداد. أولياء أمورها العلماء العاملون الذين لا يخافون في الله لومة لائم. قال ابن تيمية رحمه الله: ” العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الأرض من خلاق ، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها ما تجزي به في الآخرة”. (12)

إنها قومة الشوكة.

7- نطاق الوحدة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا تزال طائفة من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لايضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك” (13).أمة خاصة(جماعة) قائمة بأمر الله – توالي فيه وتعادي فيه- تشمر لتوحيد الأمة الإسلامية على المطالب الإسلامية، وتعبئة أفرادها لمواجهة مصيرهم الفردي بين يدي الله عز وجل، وبناء الشوكة الجماعية ليزيلوا عن أمتهم غبن القرون بعد التخلص من لوثة الحكم الجبري الجاثم على الصدور بالسيف والفساد، فتتاح بإذن الله إمكانات التفاهم والتعاون والتنافس ، فيجددونها وحدة وخلافة وعزة ورسالة .

إقامة الوحدة لإعلاء كلمة الله في الأرض.

فمضمون القومة إذن يجمع العامل النفسي القلبي بالعامل الاجتماعي، و اليقظة الفردية بالصحوة الجماعية، وإقامة الصلاة بقوامية الشهادة، وسيادة الدعوة بقوة الدولة، …

مطالب القومة الإسلامية

ولما كانت القومة فعلا منهاجيا  قرآنيا نبويا- قاصدا نحو بناء صرح الخلافة على منهاج النبوة الموعودة فإنها تعمل على صياغة هذه النطاقات في شكل مطالب كبرى مترابطة كالتالي:

1- مطلب التربية: ويتمثل في إعداد رجال قرآنيين ربانيين يحبون بحب الله تعالى ويبغضون ببغضه “، من الأمة وإليها ومعها،لا ليفعلوا بها، بل ليوقظوها ويربوها حتى تصبح فاعلة” (14) .نريد رجالا في الطليعة لا يعرفون الاعوجاج ،” كفوا عن اعتبار الدنيا، وهاجروا إلى الله عز وجل هجرة كلية لا يلتفتون”(15) استقاموا على أمر الله جماعة، وطلبوا وجه الله وانخرطوا حسا ومعنى في جند الله تعرضا لرضا الله ، متماسكين بلحمة الولاية الجامعة بينهم على هدى من الله” والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض”.” فالقومة لن تكون قومة ولا تكون إسلامية إلا بقدرة رجالها على التماسك فيما بينهم ليواجهوا الإنحلال وإغرائه”. (16)

فمطلب التربية هو تحقيق الإستقامة والولاية.

2- مطلب التجديد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها” (17)، و”من” في لغة العرب عامة تدل على الجمع كما تدل على المفرد. جماعة وإمام، رجل مؤيد يدعو إلى التجديد والتغيير، حوله رجال صادقون يحملون هذا المشروع الشامل المتكامل بخطى حثيثة قاصدة مقتحمة. ففعل القومة الشامل شرف للأمة، يبدؤه المجدد القرني ويتممه الوارثون من بعده، وهو فعل كما قلنا يعطي للعامل النفسي(تجديد الإيمان في القلوب) مكان الصدارة في التغيير.قبل ومع تغيير ما بالأمة من أدواء على مستوى الشأن العام.(الحكم بما أنزل الله). إنه تجديد شامل وكامل يريد أن يقف بالفرد في موقف الفطرة، ويريد أن يقف بالأمة في موقف المسؤولية التاريخية، أي مسؤولية الشهادة على الأمم بإقامة النموذج الناجح، نموذج الخلافة على منهاج النبوة. ومن شروطه أن يحصل، بعامل التربية والتعليم، في وعي المسلم أن مصيره الأخروي لا ينفك عن مصير أمته التاريخي.

فمطلب التجديد يروم التوبة والتعبئة.

3- مطلب الحكم : قال الله تعالى ” وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل” (18) تطلب القومة سلطانا قويا، والقوة غير العنف والتسلط والإكراه، وليس الحكم إلا لحظة من لحظات القومة “لإعادة شرع القرآن إلى الصدارة، والهيمنة على شؤون الأمة تحت دولة القرآن” (19).دولة الشورى والعدل والإحسان التي تقطع مع حبال الجاهلية: حكمها وحميتها وظنها وتبرجها، ” وتؤسس لمشهد سياسي حقيقي يعمل فيه الجميع انطلاقا من آليات صلبة عمادها احترام صوت الشعب ورفع التعليمات والتحكم في الهيآت السياسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وسلطها على ركائز الوضوح والشفافية، وعدم التركيز، وقرن كل سلطة بمسؤولية ومحاسبة”(20)بحكمة المنهاج النبوي تربية وتنظيما، لإعادة إبرام ما انتقض من عرى الإسلام.

وهذا الفهم القرآني لا يروق أصحاب المشروع الحداثوي التغريبي، لأنهم أصلا لا يريدون أن يحكم الإسلام، بل لا يعتبرونه صالحا لهذا الزمان، وهم بذلك يسبحون ضد خيار الأمة. أما نحن فنريدها “دولة القرآن”، وإن كان قد بخل علينا تاريخ المسلمين باجتهادات تذكر في هذا الباب، حتى إننا لا نكاد نعثر على كتاب يحدثنا عن الشورى أو عن العدل، رغم أن القرآن الكريم تحدث عنهما بكثرة، اللهم بعض الرسائل السلطانية المحتشمة التي غالبا ما تكتب في حضن الملوك.

مطلب الحكم مطلب القوة و الحكمة.

4- مطلب المستقبل : تطلب القومة المستقبل، تصنعه لتنبعث فيه الأمة وتنهض بالواجب الرسالي الخالد وتصمد ضد كل أنواع البلايا والفتن وتعد العدة الإيمانية والعلمية والتقنية والتنموية والسياسية والفكرية لمغالبة قوى الشر المتربصة بها من كل جانب، القومة يقظة في الحاضر من أجل المستقبل، بل هي عمل دءوب مستمر اليوم وغدا، وفي الغد يكون الحمل أثقل وتكون المسؤولية أجسم، نسأل الله تعالى جلت قدرته أن يهيئ لمستقبل المسلمين مددا به يكونون أعزة .

المستقبل استعداد واستمداد.

إلى هنا تجتمع مطالب القومة في: الاستقامة والولاية، والتوبة والتعبئة، والقوة والحكمة، والإعداد والاستمداد.

سبيل القومة الإسلامية

يتوهم بعض الناس ممن يستعجلون الأحكام فيقولون الآخرين ما لا يقولونه، بل يتأولون كلامهم من غير استحياء تأويلا مغرضا، قلت يتوهمون أن جماعة العدل والإحسان تتبنى منهجا ثوريا بكل ما تحمل كلمة ثورة من معاني العنف والفوضى والانتقام. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء  في أحسن الأحوال – لايطلعون أو لايحبون أن يطلعوا على ما كتب في الموضوع، لذلك سأحاول بيان بعض المبادئ المؤسسة لخط القومة حتى يزول اللبس ويتضح المعنى ويظهر المقصد، وتثبت الحجة.

1- الرفق: الرفق خلق من أخلاق الأنبياء والأولياء، قال الله تعالى:” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا م حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر… ” الآية، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه ، وماخلا من شيء إلا شانه “(21)، الرفق زين يزين كل عمل صالح بل لا يكون العمل صالحا إلا بالرفق، والعنف شين ويشين كل عمل، ولو كان طاعة من الطاعات، الرفق محبوب يحبه الله تعالى، والعنف مكروه يكرهه الله تعالى في كل شيء،ولا نكون في المستوى إلا يوم ننبذ العنف والسرية ونجرم العنف المسلط علينا، في كل مرحلة من مراحل الدعوة وأثناء بناء الدولة. الرفق صبر ومصابرة ورحمة وحلم وصمود واقتحام قاصد في مواطن الجهاد ، كل أنواع الجهاد.أما العنف فلا يغير إلا المظاهر والهياكل النخرة.

2- القوة: قال الله تعالى:” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل “(22)، القومة هنا تعالج المسألة المادية الاقتصادية، “رباط الخيل” ما به تكون الأمة قوية غنية منيعة، وإلا لا كرامة لها بين الأمم. القومة مجهود جماعي يتطلب توحيد جهود الصادقين، ورص صفهم لجهاد دائم ومتواصل، يبدأ من مقاطعة الظالمين وفضح خططهم في استعباد المسلمين، وإعداد الرجال والنساء تربية وتنظيما وتكوينا وتخطيطا وزحفا وبناء، إذ ” لا مكان للكسالى وعشاق الجاه والسلطان بين يدي جند الله الأمناء الأقوياء الذين “لا يوادون من حاد الله ورسوله”، الواعون بمسؤولياتهم المخلصون في تنفيذها. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:” للقوة أرشدكم لا للفسولة، والقوة هي غشيان المعركة بالوعي التام لشروطها وتبعاتها”(23).

3- التدرج: القومة ” مهمة أجيال”، وليست قفزا على المراحل أو حرقا لها وإنما هي تدرج منهاجي يعطي لكل مرحلة حقها من الإتقان، و التدرج سنة مطردة في شريعة الله عز وجل، وهو مرونة في الحق دون الوقوع في الباطل. فالخمر ذُمت مرتين في القرآن الكريم ولم تحرم إلا في الثالثة. وإن حمل الناس على الحق قسرا، أو حملوه دفعة واحدة تركوه دفعة واحدة، وما أفسدته القرون لا تصلحه اللحظات. طريق القومة شاق لكنه واضح، غايتها عظيمة لكنها واجبة، يتحمل فيها كل جيل مسؤولياته بتتابع وتكامل ويقين، وإن يتول جيل يستبدله الله بغيره (اللهم استعملنا ولا تستبدلنا).سنة الله ماضية إلى يوم القيامة،لا تحابي أحدا ، والقومة لا تأتي بالتمني والتفرج، وإنما بمجاراة الأسباب وإنجاز المهمات التاريخية، وهي كالجبال، إنها قدر فعلا، لكن قدر الله لا يتنزل على الكسالى والقاعدين. ” سنة الله لا يستطيع قراءتها إلا قوم يتفكرون…أما الذين…لا يتصل القرآن والواقع في أذهانهم بأية صلة فهم لا يعقلون ” (24).إما لا يعقلون فينكرون ويستكبرون ويسخرون(بفتح الياء وضمها)، فيروجون أن القومة -التي تدعو لها جماعة العدل والإحسان في المغرب مثلا- شبيهة بالانقلاب الدموي الذي يأتي على الأخضر واليابس ، فيغير كل شيء بالعنف وينتقم ويستبد كما فعلت ثورة ستالين المجنون لما أبادت ستين مليونا من بني آدم! لإقامة أكبر ديكتاتورية في العالم آنذاك أو كما فعل عبد الناصر ( العبد الخاسر) لما أعدم العلماء-رحم الله سيد قطب- وخان الأمانة، وسماه الغافلون بطلا. وإما لا يعقلون فيحلمون بصباح وردي باكر لا يوجد إلا في رؤوسهم، يأتي فجأة لتحل فيه كل المشاكل بضربة لازب: يوظف العاطلون و يعالج المرضى وتستقيم الإدارة ويتحرر التعليم وتسرح المساجد ويستقل القضاء وتستوطن التكنولوجيا وتنتهي الأمية و… لأول وهلة يقع فيها التغيير. وكأن القومة رقية سحرية تنقلنا من أرض الماضي القاحلة إلى أرض نقية خصبة في بضع دقائق. بل لا نعتبر” الحل الإسلامي دورة كف تأتي من سماء العجائب بالنعيم تدره على الخلق، بالرخاء والأخوة والكفاية والقوة بلا تعب”، (25)ولا يصح أن نخاطب الأمة خطاب الأحزاب خطابا “خبزيا” مغريا سرعان ما ينكشف كذبه، لما يهرول “الخبزانيون” بوجوه بلقاء إلى الاشتغال في السمسرة لإطالة عمر الفساد، فيشبعون الجياع بالشعارات، ويعلمون الأميين التسول. بل نخاطب الناس بالواجب، ونتقاسم معهم التضحيات والآلام قبل الآمال،نصدقهم ولا نكذب عليهم. نجوع ليشبع الشعب ولا نشبع ليجوع الشعب، ولا نزيف الحقائق على الناس ولا نمنيهم بالغرور، و” لا ننطلق من نظرة مثالية تبتسم ببلاهة”(26)، سرعان ما ينكشف ضعفها لما تصطدم بصخور واقع عنيد.

القومة نهوض وتشمير يعطي للأسباب حقها ، ولا يتعلق إلا برب الأسباب لاستمداد النصر والتمكين .

4- العضل الشعبي: ليست القومة فعلا نخبويا انتهازيا، وليست لغوا سياسيا فوقيا، وإنما هي عمل جماعي جامع متغلغل في الشعب ، من الأمة وإلى الأمة، وبرضا الأمة، حتى وإن كانت الخطوة الأولى من عمل جماعة محدودة أومن عمل رجل أيده الله بالإرادة الجهادية، فإن باقي مراحل القومة تتطلب من طليعة الأمة القيادية المجندة الواعية أن تحرص على سريان روح المقاومة في الأمة، لإشراكها في كافة الخطوات، وتوجيهها وجهة الحق لا وجهة الحماس والانتقام.أو قل على جند الله أن يؤلفوا حولهم طاقات الأمة على اختلاف مستوياتهم و قابلياتهم، -كل من جهته واستطاعته  ويعبئوها تعبئة شاملة لتغيير المنكر بالمعروف، وهي مستوعبة تكليفها الشرعي بوضوح ومسؤولية وإتقان، درءا لخطر الغثائية التكاثرية التي لا تنتج إلا الوهن .

فمثلما تتطلب القومة إعدادا جامعا، له أسباب مادية محسوسة وأسباب غيبية محجوبة، فإنها تتطلب تحزبا لله في شكل رابطة تجمع بين كل الصادقين العاملين برشد، وتتطلب جماعة منظمة تربى رجالها على الولاء لله ولرسوله وللمومنين، مهمتهم “تحريك القلوب لتخفق بإيمان جديد، وإقناع العقول، وإشراك الإرادات في جهاد لم الشعب وتوحيد الكيان” (27)، ف ” لا حل إلا بمشاركة كل القوى والإرادات وتكثيف جميع الجهود، وإلا فمنطق ” ما أريكم إلا ما أرى” لا يصنع إلا بيئة ملوثة لا ينتعش فيها إلا الفساد والنفاق السياسي وبيع وشراء الذمم والولاء المصلحي “. (28)

و دون هذا العمل المقدس يحرص الظالمون على إبعاد الناس عن الدعاة و المربين حتى لا تزلزل الأرض من تحت أرجلهم يوما من الأيام، ويحاربون العلماء العاملين الذين يعترضون على سياساتهم الفاسدة، ف ” أخوف ما يخاف حكام الجور أن تلتف الأمة حول رجال القومة والإصلاح”.

عقبات في وجه القومة الإسلامية

ليست طريق القومة مفروشة بالورود والتهاني، بل هي معاناة، وسير مرير صاعد وطويل، يوم لنا ويوم غيره، عقبة واقتحام حتى ينصرنا الله، “وما النصر إلا من عند الله”. ومن العقبات التي تعترض قومة الخلافة الثانية، نذكر:

1- الغثائية السيلية: قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: فمن قلة نحن يومئذ ؟ قال:لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل وما الوهن ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”(29). الوهن لغة هو الضعف. والأمة اليوم كثرة مفعول بها من حيث العدد، قلة مستهان بها من حيث العدة، تستعمل ولا تعمل، تحب الدنيا والدنيا في يد عدوها. يتحكم في مطعمها ومشربها وكسوتها وتعليمها وسياستها وإعلامها & ملأ مستكبر متجبر لا يرحم المستضعفين. مكنه من رقابنا عدو داخلي باع قضيتنا وصادر حقنا، بالسيف والقهر والإكراه. يصيب المرض الأمم والشعوب فيقضي على كيانها، ويهد م وجودها، ويسقط هيبتها، ويشتت وحدتها، ويحطم دعائمها، فتهوى من عليائها وكرامتها إلى أن تركع أمام الأمم الأخرى، وتستذل أمام الشعوب المجاورة، وتصبح لقمة سائغة للطامعين فيها، بل يكثر الأكلة حولها، ويجتمعون على اقتسامها والقضاء عليها، كما يجتمع الجياع حول الطعام .

الوهن حرص على الدنيا حتى الموت، ومحبة الدنيا رأس كل خطيئة، في حق الفرد وفي حق الجماعة. يقول عليه الصلاة والسلام في حديث طويل رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري: “فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم”.

2-الواقع البئيس: عجز حكامنا عن تغيير واقعنا البئيس، بل زادوه بؤسا وتخلفا وتبعية، يكذبون علينا كل صباح و تفضح كذبتهم كل مساء، سرقوا أموالنا، ولما صحنا “مالنا؟” أدخلونا إلى السجن. شعوبنا أمية ويقولون لها ” شعوبنا العزيزة”! تعليمنا في المؤخرة، ويقولون أنه يحظى عندهم بالأولوية.أولويتهم في المؤخرة.اقتصادنا دون مرتبة الإنسانية، والسفهاء يهمهمون شعرا احتفاليا بجروح البشرية…

التركة ثقيلة، على رجال ونساء الإصلاح، من أين يبدأون؟ وكيف؟ ومع من؟

أسئلة ينبغي أن تكون واضحة في أذهاننا، حاضرة في تخطيطنا وحركتنا. حتى لا تتكرر أوضاعنا من جديد…ويبقى الواجب على الدولة بعد التمكين أن تستصلح الوسائل المادية والمالية والتقنية والإدارية لخدمة مطالب الأمة الحيوية. مراعاة لمقاصد الشرع “من جانب الوجود” في “العادات” وفي “المعاملات”، كما يقول علماء الأصول.

3- الخمول المبدعاتي: قوم قاعدون عن مهمات الجهاد منشغلون ببعض الحق وشكله ومعرضون عن جوهره ومضمونه، انسحبوا من قضية المسلمين، وتفرغوا ليتحدثون عن شرك القبور، ويسكتون عن شرك القصور، يبدعون الناس ويكفرونهم لمجرد أنهم “سيدوا” رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولأنهم يقرأون القرآن أو يقومون الليل جماعة في المسجد، ويخوضون في أعراض العلماء والصالحين الأحياء منهم والأموات، بألسنة سليطة حاقدة، لم يسلم منها إلا بعض علماء السعودية ( حفظ الله جميع علمائنا)، لكنهم لا يذكرون بدعة الظلم والفجور والفساد الإداري والسياسي والاقتصادي والمالي والتعليمي والتربوي والصحي، فحتى مسألة تكوين “جمعية” يحسبونه بدعة وكل بدعة ضلالة، وحجتهم في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤسس جمعية!، ولو كان تأسيس الجمعيات خيرا لما تركه عليه الصلاة و السلام!!!يقيمون الدنيا بجسارة على عجوز زارت مقبرة، معتبرين أن “محاربة البدع رأس الجهاد” ، ولا ينطقون بنصف كلمة حق في حاكم عاث في الأرض فسادا وطغيانا، رغم أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: ” أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر” . قوم بطالون.

4-القعود المتمصوف: ليس كل الصوفية قاعدون، وقد أبلوا البلاء الحسن في تاريخنا تربية، وكذلك جهادا ضد المستعمر العسكري. ولكن في عصرنا تراجع دور الزوايا واقتصر على التبرك، فاستغل ضعفهم الحاكمون و شروهم بثمن بخس (هدايا وأعطيات سخية)، وأفلحوا في صرفهم عن تلكم النزاهة الأخلاقية التي كان يعرف بها السادة الصوفية. فأسكتوهم عن بعض الحق، بل وظفوهم توظيفا مغرضا، للدفاع عن شرعية واستمرار الباطل ضد كل دعوة تحمل بشرى الإنعتاق من الاستبداد .عند الصوفية خير كثير، لكنههم ليسوا قدوتنا، لأننا لا نبغي إلا النموذج الكامل قدوة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه الراشدون.

5-التقليد المغمض: هيمنت الاجتهادات الماضية الموروثة على عقول بعض المسلمين حتى أمسوا لا يرون إلا بمنظار السابقين ولا يتحدثون إلا لغتهم، فأغمضوا أعينهم عن الحاضر خوفا أو طمعا أو جهلا، واستعاروا مفردات قاموسهم من عصر ابن تيمية وعصر محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله، فلا يتحدثون إلا عن الفرق الكلامية التي ملأ الحديث عنها كتب ذلك الزمان، مثل المعتزلة والمرجئة والخوارج…،ومثل هؤلاء الكسالى لا يعول عليهم في أي اجتهاد أوتغيير، لأنهم مقلدة لا يفقهون الواقع، وإذا ما تململوا سقطوا وفشلوا.

ومقلدة آخرون لا يقلون عنهم انحرافا وهم قوم مغربون يرفعون شعار الحداثة والديمقراطية والعقلانية والتقدمية، للالتحاق بالغرب جملة، منهم من يخفي ذلك ، وينافق حتى يحافظ على شيء من ماء الوجه أمام الشعب، ومنهم من يجاهربه، ويؤلف ويحاضر، ( دعاة القطيعة مع الثرات ). ومن كلا الطرفين يتخذ الحكام موظفين أقرباء وعملاء يمكنهم من رقاب المسلمين في مختلف المجالات الحيوية ( التعليم، الشباب، الاقتصاد..) ليوفروا لأنفسهم طموحا غير مشروع.

لقد ضل من ظن أن العميان تهديه .

6-الوهم الجاهلي: وهو ظن السوء” الذين يظنون بالله ظن السوء”، كثير من الناس معرضون عن أمر الله، لا يقين لهم.” وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن و إن هموا إلا يخرصون” ، يتبعون الظنون، بل “يظنون بالله الظنون”، لا ثقة لهم ولا إيمان. يتبعون كل ناعق، يخوضون مع الخائضين و يجهلون مع الجاهلين.

والجاهلون في زماننا قوم انتهازيون لا وجهة لهم ولا مروءة، يدورون مع مصالحهم الشخصية حيث دارت، يوهمون الناس أنهم أحرص الخلق على أمنهم واستقرارهم، فيظهرون على شاشات التلفاز متصدرين النشرات الإخبارية، يجتمعون(لمحاربتنا)، ويحتفلون(بمآسينا)، ويلعبون(بمصيرنا)، ويدشنون(مزيدا من الفساد)، ويسافرون(ليبيعوننا بالجملة)، ويأكلون(أموال الناس بالباطل)، ويتناظرون(لقضاء مصالحهم)، أما الحديث عن التغيير فلا يسمح به، وكل تغيير عندهم فتنة لهم!.

و قوم تبلد حسهم وتحجرت عقولهم، وتسلوا تسلية المريض بانتخابات مزورة بثراء وخطابات مشوهة زرقاء وحملات موسمية خرقاء .ينخرط كل من استدرج إليها في تكريس واقع موبوء بكل أنواع الأوبئة والدوران في فلك مشروع إفسادي عتيق، كلف الأمة شرفها وعزتها بين الأمم.

7-الإكراه البراني: كثيرة هي الممانعات الخارجية التي تعترض سبيل القومة الإسلامية وما بعدها، معاهدات واتفاقيات ومواثيق دولية تلزم الدول المستضعفة بدوام الخضوع والتبعية للدول المستكبرة. التآمر الأجنبي على المسلمين حقيقة قرآنية وواقعية، تحديات يجب علينا فقهها فقها نبويا وإلا فشلنا. وقد صور الرسول صلى الله عليه وسلم حال المسلمين، لما تداعت عليهم الأمم الاستعمارية، والشعوب المعادية وتكالبت على خيراتهم وقيمهم، وجزأت أوطانهم إلى دويلات ضعيفة متصدعة، وسلبت نصيبا كبيرا وعزيزا من مقدساتهم، وتآمرت، ولا تزال تتآمر، عليهم في كل قطر وجانب، وتحيك لهم المؤامرة تلو المؤامرة لإفشال نهوضهم، وفرض الاستسلام عليهم، وضمان التحكم فيهم عن قرب وعن بعد، وتنوع عليهم أساليب الاستغلال والابتزاز لثرواتهم، وتفرض عليهم الأفكار الخبيثة، والمبادئ الكافرة، والقيم الدخيلة، والقوانين الوضعية، وتغزوهم فكريا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا في عقر دارهم.لما وجدوا فيهم من خمول وهزيمة نفسية. المسلمون اليوم في ضياع وتمزق، وتردد واضطراب، لا يعرفون كيانا يحميهم، ولا يعلمون ملاذا يأوون إليه، بل يجهلون السفينة التي تحملهم…

لكن ما زالت في أمتنا خيرية أصيلة : طاقات كفءة وإمكانات كبيرة، و ثروات كثيرة، لكنها ما تزال في أسر الأيادي المسيطرة الخائنة، وهي تنتظر أن تتحرر على يد السواعد المتوضئة الطاهرة كي تستعملها في صالح الأمة،إن شاء الله.

8-التواكل البليد: الذين يقعدون ويركنون إلى الدعة والمسكنة والسمنة ولا يطلبون إلا عافية الجبناء، أو ينتظرون متواكلين ويتمنون حدوث المعجزات، دون الأخذ بالأسباب الظاهرة والباطنة. يريدون الخير ويفرحون به لكنهم لا يعملون ولا يتحملون من أجله ولا يدفعون ثمنه. “العناصر المراوغة، والملولة، والعاجزة عن التعاون مع الناس في إنجاز المهام الدقيقة، والمعقدة، والطويلة، تدخل الفشل على الصف كله”(30).

تحتاج جميع هذه الأمراض التي تعاني منها الأمة إلى اجتهاد علمي جماعي هادف، يغير الذهنيات والنفوس قبل و مع تغيير الوقائع والأشياء. “مسؤوليتنا أن ندخل روحا جديدة في هذه الأجيال التي تكون تحت الفساد الجبري عبءا لا يطاق، لأنها تمثل في نفسيتها، وذهنيتها، وموقفها أمام الحياة، الفشل والانهزام ومسخ الشخصية”.(31)

نماذج القومة الإسلامية

ليس للمسلمين والمومنين والمحسنين نموذجا فوق رسول اله صلى الله عليه وسلم، ثم من بعده خلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم أجمعين ، وأل بيته الطاهرين. ففي سيرته العطرة نموذج القومة ووصفها ومدرستها، وما على القائمين إلا استيعاب دروسها كاملة ثم ترجمتها في الواقع بعد معرفة هذا الواقع معرفة شاملة و دقيقة.ولنا في تاريخنا قومات نموذجية متألقة نعتز بها، ينبغي أن تستفيد منها الحركة الإسلامية جميعها، و بها تقتدي، فهي ذخر وبطولة لهذه الأمة، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. و أشهر هذه القومات تلك التي خرجت من بيت النبوة وقادها سيد شباب أهل الجنة، سيدنا وابن سيدنا، الحسين بن علي عليهما السلام. فقد رفض الإمام الحسين وراثة الملك وخرج مع ثلة من الصحابة عن طاعة الملك يزيد بن معاوية، لكن هذا الأخير-وكعادة الجبابرة- أجهز عليهم بجيش كبير” وقتل من كان حول الحسين من الأصحاب والشيعة والأقارب، منهم علي الأكبر بن الحسين بن علي ، وعبد الله بن مسلم بن عقيل، وعون بن عبد الله بن جعفر…وعبد الرحمن و جعفر ابنا أبي طالب، والقاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ثم قتل إخوة الحسين جميعا، أما إمامنا القائم رضي الله عنه فقد قتل وذبح وحز رأسه “وبعث برأس الحسين مع سبعين رأسا لأصحابه إلى يزيد-أمير المومنين!!!- لعنه الله بعد أن أمر عمرو بن سعد عشرة فرسان داسوا بحوافر خيولهم الحسين حتى ألصقوه بالأرض”(32)

ثم قومة عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، وهو أحد الصحابة الكبار، ضد يزيد بن معاوية أيضا لما رآه جائرا مستحلا لحرم الله، واتفق مع أهل مكة على الخروج عنه لفسقه وظلمه( هدم الكعبة وأحرقها.و..) ودارت حرب مريرة انتهت باستشهاد ابن الزبير، وحمل رأسه إلى الملك عبد الملك بن مروان-أمير المومنين!!!-، وأمر الحجاج بالتمثيل برأسه ورؤوس أصحابه على المدينة، أياما طويلة.(33)…

وكذلك كانت قومة النفس الزكية…

تعلمنا سيرة القائمين أهمية وضرورة ترك مسافة فاصلة بين الدعاة والظالمين من بني جلدتنا. هي المسافة نفسها التي تسمح بالثبات على كلمة الحق والصدق، وبدوام اليقظة إزاء دين الاستبداد.

سيرة القائمين رصيد تاريخي يتعين على المسلمين تأملها وإعادة دراستها، وأخذ العبر والدروس.

عود على بدء

” بيننا وبين أن تصبح القومة الإسلامية حقيقة تاريخية أن تتغلغل العزة بالله في نفوس الأمة، حتى يصبح الموت أحب إلينا من حياة الهوان..”(34)، آنذاك يبارك سعي القومة في تجديد أمر الأمة تجديدا كليا لتصير ” أمة قرآنية سنية، حين يسطع الإيمان عقيدة، وخطابا معبرا، وعملا صالحا في قلوب العباد، وعقولهم، ونظامهم في الحكم، والعدل، وتوزيع الأرزاق، ونمط العيش، وطهارة المجتمع، ونظافة الأخلاق، والعلم بأسرار الكون، وخبايا الطبيعة، والقدرة على صناعة وسائل القوة، وتدبير التكنولوجيا، وخوض غمار الحياة الدولية” (35).

فإما أن تكون القومة لله أو لا تكون، وإما أن تكون بالقسط أولا تكون، وإما أن يكون طليعتها المؤمنون الفعلة أو لا تكون.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه والقائمين من آل بيته وممن تبعهم بإحسان، ولم يخش في الله لومة لائم، إلى يوم الدين.

هوامش:

1- “الإسلام غدا “، عبد السلام ياسين ، ص17

2- “رجال القومة والإصلاح”، عبد السلام ياسين، ص7 .

3- نفس المرجع ص 24

4- نفس المرجع ص26

5-سورة الجن الآية19

6-رواه الإمام أحمد وأبو داوود بسند صحيح.

7-سورة المائدة الآية 9

8-سورة النساء الآية134

9- سورة التوبة الآية 113

10- “في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية”، عبد السلام ياسين ،ص204

11- ابن حجر العسقلاني “الإصابة..” ج 3 ص 181

12- “الحسبة” أحمد بن تيمية.

13- رواة الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان.

14- “رجال القومة والإصلاح” ص32

15- “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، عبد السلام ياسين، ص 330

16- “رجال القومة والإصلاح”، ص31.

17- رواه أبو داود والبيهقي والحاكم والطبراني. “هذا الحديث يمد الأمة بشعاع قوي من الأمل، يطرد عنها ظلام اليأس، ويبعث فيها الروح والأمل في أن الله لا يدعها طويلاً لأنياب الضعف حتى تفترسها، ولا لدخان الهمود حتى يخنقها، ولا لمخالب التمزق حتى تقتلها، بل يهيئ لها بين قرن وآخر، من يجمعها من شتات، ويحييها من موات، ويوقظها من سبات، وهذا بعض معاني التجديد، فهو يجددها بالدين ويجدد بها الدين.” يوسف القرضاوي.

18- سورة النساء، الآية 57

19- “رجال القومة والإصلاح” ص29

20- فتح الله أرسلان، حوار في جريدة “المدار” الجزائرية عدد4 .

21- رواه الشيخان

22- سورة الأنفال ، الآية 60

23- “رسالة إلى الطالب والطالبة”، عبد السلام ياسين، ص 54

24- “سنة الله” عبد السلام ياسين ص،84

25- “العدل، الإسلاميون والحكم” عبد السلام ياسين، ص 431

26- “رجال القومة والإصلاح”، ص45

27- “الإسلام والحداثة”، عبد السلام ياسين، ص 316

28- من حوار مع الأستاذ فتح الله أرسلان بجريدة ” الجريدة الأخرى”، عدد 23 .

29-رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة.

30- “المنهاج النبوي”، ص273

31- نفس المرجع، ص300

32- “البداية والنهاية” ابن كثير، ج 8 ،ص 154

33- “البيعة الشرعية ونشوء دين الانقياد” رشيد بوطربوش ص 122

34- “رجال القومة والإصلاح”، ص25

35- “سنة الله”، 150