دخلت محل التصوير، و التمست من صاحبه الغارق في الشغل ان يأخذ لي صورة نصفية في ثنتي عشرة نسخة أدلي بها رفقة عدد آخر من الأوراق و الوثائق للحصول على جواز السفر. فهز يده اليسرى و أشار دون أن ينبس الى المكان المخصص لالتقاط الصور حيث يجب ان أنتظر بعض اللحظات. دلفت الى المكان، ألقيت نظرة على وجهي و تسريحة شعري في المرآة، ثم جلست على كرسي بدون ظهر و لا ذ راعين، يمكن إدارته في أي اتجاه، خلفه ستار رمادي بال تزينه نجوم مختلفة الألوان، تاركا صاحب المحل منهمكا في فرز الصور و وضعها في أظرفة صغيرة من الورق البلاستيكي الشفاف.

الغرفة المخصصة لأخذ الصور ذات مساحة صغيرة و بلا نافذة. في إحدى الزوايا نصب حمار أحمر مصنوع من خشب بأذان خضراء، تتدلى من عنقه الطويل بشكل لا يتناسب مع باقي الأعضاء لوحة صغيرة خط عليها في سطرين “سنة سعيدة و كل عام وانتم بخير”. وضع الحمار دون شك للأطفال. شعرت بالضجر داخل هذه الغرفة المستطيلة بسبب سخونة الهواء و الغبار و وجود آلات و أدوات كثيرة مبثوثة هنا و هناك ( آلات تصوير معطلة، مقاص، أشرطة تصوير…)، فتشاغلت بتأمل صورة كبيرة بالألوان للفريق الوطني لكرة القدم بشعورهم الطويلة و صدورهم البارزة. الواقفون منهم  مدافعون في الغالب  يرسلون سهام نظراتهم اتجاهي، نظرات اعتزاز و شموخ و أكتاف مرفوعة الى الوراء كأنهم جنود في استعراض رسمي…

قفزت من مكاني مصفوعا بيد لا ترى، و أحسست بخواء في البطن و الصدر، و بدبيب بارد يتسلقني من أقدامي، لما تذ كرت وجه ذلك الضابط الرفيع في الإاستعلامات العامة بدائرة الشرطة الذي أمر بحرق جميع الصور التي أحضرتها قبل ثلاثة أيام لأحد مرؤوسيه في أسفل البناية العتيقة لأنها “غير صالحة”. لم أفهم آنذاك ما يقصده رجل الأمن البدين،القادر بكلمة منه أن يغير مصير رجل أو تاريخ قوم، فأخرجت ورقة نقدية تناهز قيمتها عشرين دولارا أمريكيا و قدمتها له، ممتقع الوجه و الروع، معبرا بصوت خفيض متلعثم عن شكري إزاء لطفه الكبير و تفهمه الزائد. لكنه استشاط غضبا و أرعد في وجهي بعد أن حشر الورقة في جانبه الأيمن دون أن يقع بصره على ما أمده اليه : ” أيها اللعين، لا يمكن لمصالحنا المركزية بالعاصمة الشريفة أن تعد لك جواز سفر و وجهك في الصور تبدو عليه أمارات السخط و التمرد، و علامات التحدي و الاستفزاز. لا شك أنك ، أيها الكلب، تكره الجميع، و أن رأسك ساخن جدا، و أنك تخطط لأمر ما”.

ما زال يسكنني أنه بعد صمت رهيب كانت تقطعه لعلعة الآلة الكاتبة المهترءة المنزوية في أحدأركان الغرفة الفارغة المتآكلة، تابع في سكون و هو يتوسط مساعديه بحجم البغال الذين تحلقوا حولي ُمِسّفين النظر إلي : ” لكن، يا أصل الوباء و محرك الفتن، لا تحسب أننا كنا نجهل أمرك . لقد كان رجالنا، منذ أن لاحظوا خروجك الى الشارع بوجه يقطر كرها و غضبا، يرصدون حركاتك و سكناتك، يسترقون السمع إلى بواطن نفسك و مخزون جوانحك، يشتمون الروائح المنبعثة من بيتك، و لما لم يجدوا ما يثبت وجود فيروس الثورة في دمك، طالما لم يسبق ان فتحت فاك في الشارع، و لا رفعت بصرك إلى السماء، و لا التفت ذات اليمين أو ذات الشمال، كما لم يحدث أن ُسمع لخطواتك خارج البيت وقع، و لا لحركاتك داخل البيت همس، فإن رجالنا و مساعديهم و مساعدي مساعديهم أجمعوا في تقاريرهم المرفوعة إلى مصالحنا الأمنية المختصة أن وجهك، بالنظر إلى الأخطار الخارجية التي كانت تحيق بالوطن إبان تلك الشهورالعصيبة، إنما يعكس بغضك الشديد للعدو الخارجي، و غيرتك الكبيرة على البلاد، و استعدادك الدائم للموت في سبيل حياة قائد الأمة، و بانيها، و موحدها، و منجيها من جهنم، السلطان الأعظم المنتصر بالله. لهذا سنحسن الظن بك، و سنمنحك فرصة أخرى لتبيد الشكوك التي بدأت تحوم حولك. فإن بدا وجهك في الصور التي ستحملها إلينا باسما ضاحكا، يشرق سعادة و رضا بما يفعل أسيادك و ولاة أمورك، و يتهلل طاعة و تذللا و خضوعا لمولانا، و مولى ولاة أمورك، أدام الله سلطانه و عزه، و أجاره من رؤية أقرانك، فسيعفى عنك و تحصل على الجواز. أما إن حملت إلينا نفس الوجه، يا قمة العار و ذروة الشر، فسيتم تسليمك لأحد الأجهزة بقسم مكافحة الإرهاب التابع لمصلحة شؤون أمن الدولة”.

و ما أن فرغ الضابط الكبير من كلامه حتى تنافس مساعدوه على إعطائي دروسا في شتى رياضات فنون الحرب. فيما ظل موظف الآلة الكاتبة منهمكا في الضرب على الآلة، مسجلا على ما يبدو تفاصيل هذه الدروس الخاصة، دون أن يبدي ذرة اهتمام بما يحدث. لم يكف المساعدون الثلاثة إلا بعد إشارة من كف الضابط العظيم. شعرت بأنهم قبلوا ذلك على مضض و أنهم، لشعورهم بجسامة المسؤولية الملقاة على سواعدهم، ظلوا متعطشين لإنهاء مهمتهم الشريفة.

حملت ذلك اليوم ركام الوثائق و الشواهد و الأوراق الإدارية المصادق عليها و غير المصادق عليهاالتي جئت بها رفقة الصور و أخليت المكان فورا. حمدت الله كثيرا لأن الموظف السامي لم يمزق الوثائق و الشواهد رغم كل شيء. كان ذلك قبل ثلاثة أيام من مجيئي عند المصور للمرة الثانية. ثلاثة أيام استعدت فيها بعض عافيتي بعد معاناة مع الأرق و الحمى واضطرابات في دوائر حساسة من الجسد و الدماغ.

وقفت أمام المرآة مرعوبا و طفقت أتدرب على التبسم و تحريك الخدين و الشفتين،تتعاورني تبعات النجاح و الفشل، مجاهدا نفسي على الحضور مع الخالق عز وجل ليكون لي عونا على هذا الأمر العظيم.. تحت المرآة، كان هناك رف خشبي مثبت بالجدار،عليه مشط دائري علقت به ُمراطة قذرة. و لما شعرت و أنا أرقب المرآة باستحالة التبسم، تخيلت نفسي زعيما في إحدى بلدان العرب، أحيي و أميت و على كل شيء قدير، أسكن قصرا شاسعا فيه وديان و خلجان، و كروم و رعان، مراحيضه مرصعة بالماس و المرجان، تعمر غرفه الفسيحة الغيد الحسان، يرتعد في حضرة جنابي الطاهر الإنس و الجان، صور جلالتي المقدسة على كل الجدران، يعرفها الطير و الحيوان…فافعمت قلبي بهجة ظافرة سرى خدرها في كل أنحاء جسدي الضامر. و رأيت فيما رأيت، تضاريس وجهي تعود إلى مكانها المعتاد، و دماء وجهي تحتل مجاريها الطبيعية. و ما زلت أنتشي بما أراه على وجهي حتى فاجأني المصور و أنا ابتسم بحرارة محدقا في المرآة. خجلت و ظننته سيسخر مني، لكنه لم ينظر ناحيتي، بل اتجه نحو آلة التصوير دون أن يتفوه بكلمة. أخذت مكاني على المقعد، بينما أشعل هو ضوءا أبيضا قويا سلطه على وجهي، ثم هز رأسي إلى فوق و أمرني ألا أطرف.

ساورني إحساس بأني أخضع لعملية جراحية على القلب.

هجمت على خيالي صور ساسة كبار كانوا يبتسمون أمام كاميرات التلفزة وهم في أحلك الظروف، كبسمة ذلك الزعيم العربي أثناء التوقيع على معاهدة السلام مع مغتصبي بلاده،و ضحكة ذلك القائد العسكري الزنجي الذي سطا على الحكم بعد معارك ضارية قتل فيها الآلاف، و بسمة حكام البلاد الخالدون رغم الجوع و العري والدمار و الموت الرخيص في أعالي البحار… دفعت هذه الخواطر ثم ابتسمت ابتسامة عريضة، أو هكذا خيل إلي، ضغط على الزر و مضى خارج الغرفة ليتم شغله مع باقي الوجوه. حركاته تشبه حركات آلة، و ملامح وجهه لا تتبدل.

قمت من مقعدي و لحقت بالمصور عند مدخل الأستوديو حيث وجدته يسلم بعض الشبان صورهم. كان هؤلاء يشرئبون إلى صورهم قبل أن تستقر في أيديهم، و لما يمسكونها في النهاية، ينهمكون في تأمل وجوههم كأنهم يكتشفونها لأول مرة. اثنان منهم أديا ثمن الصور و انصرفا يتبادلان أصابع العيب و السخرية.

بعد فراغه من الشبان، سلمني الوصل، فأديت ثمن الصور ُمسبَّّقا و انصرفت مزهوا،تتعاقب على خيالي صور تسلم الجواز وركوب الطائرة، والنزول بمكة الرحمة و الحب، و الطواف بالبيت الطاهر.

و في المساء، لما خرجت قاصدا محل التصوير بغية استلام الصور، وجدت مساعدي الضابط بسراويل و أحذية رياضية، على بعد أمتار من البيت، ينتظرونني في نهاية الزقاق، يحدجونني بعيون مزدرية مزلزلة.