سنة جديدة تستقبلها جماعة العدل والإحسان ، سنة تعمل من خلالها على استكمال تأهيل صفها وإمداده بالكفايات اللازمة لخوض غمار العمل الدعوي والسياسي بما يقتضيه من انضباط ومهارة ، وبما يستدعيه من همة ويقظة ، وبما يستوجبه من مراعاة واعتبار للظروف وللطوارئ والمستجدات.. كل ذلك في تناغم وانسجام تامين مع المبادئ والثوابت الأساسية للجماعة ، تلك التي تضمن لأفرادها رسوخ القدم والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين ، فلا تزيغ بهم الأهواء ولا تتجاذبهم وتتنازعهم الرغبات والمطالب عن الوجهة والطِلبة التي لأجلها انخرطوا في صفها..

فجماعة العدل والإحسان ليست حزبا سياسيا منقطعا إلى تدبير الشأن العام فحسب، بل الجماعة حركة دعوية تربوية ربانية يشكل العمل السياسي رافدا من روافدها التي تصب كلها في نهر كبير وجهته هي نيل رضا الله.

فمن كانت همته تحذو به نحو هذه الطِلبة العليا التي قلﱠ من يسعى إليها في زماننا، فلا شك أن الله سيكفيه ما دونها!

والبغية الأولى ما دون طلب وجه الله، هي بغية الاستخلاف في الأرض وعمارتها وإشاعة السلم والحب والطمأنينة فيها ، وقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، والشرط هو أن تتحقق في الصف المؤمن معاني الإيمان ومقتضياته، وأن يلتفت الناس عما خلقه الله لهم ويسره لعباده وضمنه لهم ، إلى ما خلقهم لأجله.. حتى إذا مكن لهم في الأرض لم يضيعوا الأمانات ولم يتقهقروا ولم يتنازعوا ، وبادروا إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ..

حقيقة التصديق بالغيب!

لقد طال الحديث عن 2006 وتناقلته كثير من وسائل الإعلام، وبلغ مداه مختلف أصقاع المعمور ، فمن الناس من كذب بما تحدث به العدل والإحسان من مبشرات يسوقها الغيب تترى عن حدث عظيم ستكون سنة 2006 مسرحا له ، ومنهم من يَلف نفسه في حلم وردي يَعد بفجر ينبلج صبحه عن واقع جديد مبتور من سياقه السياسي والاجتماعي والاقتصادي..لا يُرى فيه أثر للظلم والفقر والجوع والخوف والمرض والتخلف والانحدار الأخلاقي… ولا يُسمع فيه حس ولا همس لتقهقرنا الفظيع عن الركب الحضاري الذي سار بغيرنا من الأمم!

ما يُحدث به الغيب، وما تواترت به الرؤى والمبشرات لا نملك إلا التسليم والتصديق به ، لكن حقيقة التصديق في حق المؤمن تقتضي أن يعمل على موافقة خبر الغيب، وأن يرفع التحدي لبلوغ أعلى ما يتراءى من درجات الرفعة والسمو.

حقيقة التصديق تقتضي الوعي والإدراك بأن سنة 2006 ليست سنة تمن وتواكل وانتظار، وهذا في حق أعضاء جماعة العدل والإحسان بشكل خاص، بل هي سنة الكشف عن ساق الجد والضرب في الأرض سعيا ومسارعة إلى تحقيق موعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

تغيير الواقع من حال إلى حال لا يتم بضربة لازب فجائية.. الأمر كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله ،لا يتعلق بمسرحية تُعرض ينتقل المتفرج فيها من مشهد ومن واقع وزمان إلى آخر، بمجرد تغيير ديكور ووضع آخر محله!

تغيير الواقع عملية تمتد في الزمان والمكان وفي النفس البشرية ، فيها معاناة وبذل وسعي، وفيها أخذ وعطاء وهدم وبناء وإعداد واستعداد، وفيها آلام وآمال وظهور وأفول وأجيال تلي أجيالا ..حركة دائبة متواصلة دائمة لا تنقطع، تسير فيها متطلبات ونواحي التغيير جنبا إلى جنب وبشكل متقايس ومتواز، لا يتقاطع أو يتجاوز فيها طرف الآخر ، وإن كان لا بد من تغليب جانب ما فليكن جانب تحرير وبناء الإنسان هو الغالب لأن عليه مدار عملية التغيير.

على مسرح الواقع.

أمام أعضاء جماعة العدل والإحسان إذن تحديات كثيرة وكبيرة هذه السنة ، فالساحة السياسية تكاد تكون فارغة ، وستكون الجماعة  وقد أضحت  ملجأ وملاذا لقاعدة عريضة من الشعب المغربي، داخل الوطن وخارجه ، وقد تراءى ذلك بجلاء وخاصة بعد أحداث 16 ماي.

لقد تتبع الجميع مهزلة الانتخابات الجماعية والتشريعية الأخيرة ، ولاحظ الشعب كيف أن المخزن يتدخل في كل أطوارها ويقسم الأدوار بين الفرقاء السياسيين المشاركين في اللعبة ، كما وقف على تفاهة وتهافت عدد من الأحزاب ، وكيف أنها تلغي وتسقط مصلحة الشعب من حساباتها حينما يتعلق الأمر بمصلحة الحزب ومصالح المتنفذين فيه ، أو تعلق الأمر برغبة وتعليمات وإملاءات المخزن ..كما وقف الشعب أيضا على صواب موقف ورأي الجماعة من الانتخابات ومن المؤسسات التي تفرزها نتائجها..

بقي شيء واحد لم يجربه الشعب ، وحيل بينه وبين معرفته وتلمسه ، وهو هل الجماعة قادرة بالفعل على تقديم ذلك النموذج الراقي والناجح في تدبير الشأن العام وتغيير أوضاع البلاد وإصلاح ما فسد إلى جانب دورها الدعوي والتربوي ؟

غدا قد يفتح الله للجماعة أسباب الظهور من أوسع أبوابه ، وقد تُدعى إلى المنصة لتدلي بدلوها ولتقول كلمتها في الناس، غدا ستقف على خشبة مسرح مكشوف والكل يتابع وينتظر .. فهل الجماعة مستعدة لهذا اليوم ؟ هل هيأت أسباب وشروط هذا الظهور؟

طبعا ليس من مبادئ الجماعة توزيع الوعود والأماني المعسولة على الشعب ، ولا تدعي أنها تستطيع حل كل المعضلات والمشاكل التي يتخبط فيها المغرب منذ قرون وفي كل مناحي الحياة بمفردها ، بل ما فتئت تدعو وستظل تدعو الشعب وكل فعالياته إلى بذل الجهد والاجتهاد والسعي والكد والصبر من أجل إصلاح ما أفسده المفسدون.

فهل سيكون أعضاء جماعة العدل والإحسان في مستوى مطلب تعبئة الأمة للبناء والتنمية ؟ هل سيشكلون بحق تلك الطليعة المجاهدة التي تستبق الخيرات وتخوض قبل الشعب ومع الشعب معارك التغيير والبناء ، ومواطن التطوير والتحديث والنماء ؟

الأمر جلل ، والتحديات كبيرة ومفتوحة على كل الاحتمالات ! وأكبر تحد يمكن أن يعترض سبيل التغيير هو القدرة على استرجاع ثقة الشعب في موعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وترسيخ يقينه بأن ما به ليس قدرا محتوما لا فكاك له منه ..فعطاء الله يد ممدودة، معروضة بضاعته، وثمنه هو صدق وإخلاص النية وحسن التوكل وإتيان الأسباب، سنةَ الله التي لا تحابي أحدا!