للمثقفين العقلانيين منكم أن يسخروا من مثل هذه التأكيدات في الهواء، نعذرهم إن كانوا لم يرتدوا بالمرة عن دينهم، وندعوهم ليسمعوا إلينا على صفحات هذه المجلة لنفتح عليهم بإذن الله الآفاق الفكرية والعملية التي يجليها الإيمان لنظرنا، وليصبروا علينا إن لم يعمهم الغرور العقلاني حتى نتم جملنا.

   إن كان من قبيل المستحيل أن ننتظر من الشيوعيين والمرتدين أن يفهموا عنا أو أن يصدقونا ويومنوا بأن الإسلام رحمة وهم الجاهليون عنفا وكفرا، فإننا نعلم أن من رجال الأحزاب السياسية ورجال الحكم من لا تزال لديهم مسكة من دين، بل منهم من نلتقي به في المساجد ومن نسمع عنه استعدادا للخير يعلم الله أننا نستطيع الإخبار لنعلم من من الناس يقوى على هذه الدعوة أكثر منا فيكفينا فضلا أن نبلغه إياها ونحببها إليه ونصحبه حتى تكتمل يقظته، ويعلم الله أننا ندعوه بالغيب أن يهدي إلى هذه الدعوة رجالاهم اليوم في الجاهلية السوداء أو في ربضها في الفتنة القاتمة كما يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن ينصر هذا الدين بأحد العمرين في عهد جاهلية الفاروق.

   لن نألوكم نصحا ولو أعرضتم عنا وتكبرتم، فأنتم الخصم وأنتم المحاور، نحن رجال الدعوة في أول الطريق، ونحن مختلفون بيننا نعاني من عقابيل الخلافات المذهبية المزمنة، ونعاني من صعوبات تعترض كل من يؤسس بناءه على معالم مندثرة تحت الركام وعلى رأسه تساقط ضربات الأعداء الكائدين من البعيدين المبعدين والأنسباء الأقرباء، أولئك بكراهية جوهرية يدفع ظلامها النور المنفتح، وهؤلاء بتجهم من نسجت في قلبه وعقله عناكب الدعايات وسواسا مظلما.

   نحن رجال الدعوة في أول الطريق لكن نستفيد من تجارب غيرنا، ونستفيد من تجاربكم بالذات وفشلكم حين تتلمذتم للجاهلية وترجمتموها لأنفسكم أفكارا ملوثة بالجهل بالله والعنف على الناس، وترجمتموها إلينا فيما نشاهده من تكالبكم على المال والجاه وفساد ضمائركم وفسولتكم بعد ذلك وعجزكم عن حل مشاكل الاقتصاد ومشاكل الخصومات مع العالم والمصالحات، وفشلكم عن دفع عدونا المشترك عن مسجد الله الحرام، لا تغضبوا إن حاورناكم بعد الأخوة بهذه الرزايا التي تعرفونها لطبقتكم فمن النصح الأخوي ما لا تحمله إلا العبارات البليغة، الله يعلم ما في قلوبكم من إيمان لا حساب لنا في ذلك، لكنا ترى ما تفعلون، والله يقول لنبيه عن قوم لا يبين ما في قلوبهم من نفاق إلا من خلال أفعالهم: “أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فاعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا”. وقد كفانا إعراضا عنكم زمان سكوتنا، وما أفاد الوعظ، فلعل القول البليغ يوقظ منكم من أراد الله به خيرا، وفقكم الله للإيمان وإيانا.

   نحن رجال الدعوة نغلط كما تغلطون، لكننا نصحح أغلاطنا على نور قلوبنا المتفتحة على الله وعلى ضوء عقولنا المتفتحة على كتابه المنـزل وكتابه المخلوق كتاب العالم، لا يغرنكم أن رصيدنا من التجربة لا يزال قليلا وأن رصيدنا الفكري المجدد لا يزال في ألفبائه فتعتزوا بما ترجمتم عن ماركس من فكر وعن لينين وذريته الثورية من “ممارسة” وتظنوا أنكم وحدكم الأذكياء، تعلموا أننا قوم نحب العلم ونلتمس الحكمة، وإننا نتبع الخطوة الخطوة بأقدام ثابتة على إيمان لا أرض الضغمطية العقلانية كما تقولون. فما أسرعنا أن نتعلم.

   نحن رجال الدعوة على خلافات بيننا تولدت لنا من قعودنا للجدل عبر القرون، واليوم ها نحن نهضنا للعمل فلن تلبث سحائب سوء التفاهم أن نتبخر، وإن من يسعى منكم للمراهنة (وهذا من تعابيركم الجاهلية) على أن خلافاتنا ستطول لتضربوا بعضنا ببعض إنما ينفخ في رماد.

   إن شاءت طبقتكم أن تفهم أن الشعوب الإسلامية قلوبها مع علمائنا القائمين بالدعوة إلى الله وأنها لا تمنحكم إلا حثالة الانتهازيين (كما تعبرون) من بينها يجارونكم في مضمار المصالح المقضية والذمم المقتضى عليها فلتفعل، فإن لم تشأ فالذرية الخاسرة المرتدة التي تحتل مدارسنا وجامعتنا قسرا تكفر بنينا وبناتنا، وبنيكم وبناتكم وتربيهم على الزندقة والإلحاد الشيوعيين كفيل مكرها وبأسها أن يصطركم للتفكير الجدي في الرجوع إلى الشعب المسلم، أي في الرجوع إلينا أهل الدعوة، أي في الرجوع آخر الأمر لله عز وجل الذي قيضنا للجهر برسالته.

   إنكم معشر الطبقة السياسية تقتبسون حلولا لما يواجهكم من مشاكل فتترجمون لأنفسكم وإلينا الجاهلية وفكرها وممارستها، ونحن نلتمس الحكمة، ومعناها في كلمة ضبط الوسائل الكونية الزمنية، وتركيبها على كيفية تمكننا من الحياة على شريعة الله ومنهاج رسوله، أنتم إنما تلهثون خلف الجاهلية تلتقطون أفكارا وممارسات لتثبتوا أنكم قادرون على تدبير معاش لقومكم، ونحن لا ننكر ضرورة تدبير المعاش، لكنا نريد لنا ولكم الحياة الطيبة التي وعد الله بها من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن، إن سعيكم للمعاش وحده، ويا سوء ما دبرتموه لنا من معاش، فما عدوتم المعاش الدوابي الجاهلي ولن تعدوه، أما إن تعرضنا لموعود الله عز وجل للمومنين العاملين عملا صالحا فستنتفى عنا في نفس الوقت حقارة التابع وخسة الإنسان المرتكس في دوابيته.

   لعلكم إلى هنا تقولون: أي حوار هذا ! بل أية خطبة ! مهلا فالكلمات المصلصلة البليغة عنف لفظي لابد لكم أن تحتملوه كفاء عنفكم علينا الذي لا يوصف، وما عهد العبد الخاسر فرعون مصر عنا ببعيد، عنفنا اللفظي إنما يرمي، فيما يرمي إليه، أن يكره إليكم حال الإنسان الغافل عن الله ربه وخالقه ورازقه، ويكره إليكم التردي، زيادة على ما ترديتهم، في مجاملة الجاهلية ومخالطتها، واستمروا في القراءة، فنحن على وشك أن ننتقل من الخطبة لمطارحة الأفكار بعضها إزاء بعض عسى أن نحبب إليكم الإيمان بجمال ما نعرضه عليكم من حكمة الإسلام في معالجة ما تألفونه من قضايا.

   منحنا الله الإيمان فله الحمد وله الشكر، نسأله عزت قدرته أن يمنحكموه، ومنحنا مهلة لنتأمل العالم وساكنيه وصراعاتهم بنظرة متكاملة يتيحها لنا تطلعنا للواقع من واجهتين: واجهة نحن فيها مع الله نستعرض فيها صنعه في خلقه، وأخرى نحن فيها مع الخلق نذوق حلو خبراتهم ومرها ونتفاعل مع من يمارس سلطته علينا نحن الشعب المسلم ومع من ينظر إلينا ليرى رد فعلنا عند الوقائع، أما أنتم فلا تجدون في زحمة مسؤولياتكم اليومية أو خصامكم الحزبي حين تكونون داخل الحكومة أو خارجها وقتا للتأمل، فها نحن نعرض عليكم وعلى أنفسنا، نحن الشعب المسلم المحب للعلم الملتمس للحكمة، دعوتنا إلى الله من خلال نظرتنا للعالم ومشاكله، وللمستقبل وآفاقه وللحاضر والماضي في عموم الزمان والمكان اللذين كانا ويبقيان وعاء لهذا الإنسان الذي يؤمن بالله أو يكفر، يعنف عنف الجاهلية على أخيه الإنسان أو يكنفه بالرحمة الإسلامية.

   الإيمان في قلب رجل الدعوة رحمة، وينبغي أن يكون في عمل المسؤولين المسلمين حكمة، الإيمان رحمة وحكمة علاقة بين العبد وربه، وعلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، نرجع إلى سمو الدعوة وعمومها قبل أن نصوغ الأسئلة التي يطرحها علينا العصر ويطرحها علينا واقعنا الفقير العنيف الذليل كما نعبر، المتخلف كما تعبرون، نرجع إلى ذلك السمو وذلك العموم لنتحرر بالفكر من خلافاتنا معشر أمة الخير أهل الدعوة ريثما نتحرر منها في ميدان العمل، ولكي نؤكد أن حوارنا معكم يا أيتها الطبقة من أمتنا المخزونة على إسلامها يعني أيضا من وراءكم من كل سامع واع من بني الإنسان في هذا الزمان وبعده، لن تعوقنا المشاكل الإقليمية الزمنية الملحة علينا وعليكم الحاجبة عنكم لا عنا آفاق التآخي والمحبة والأمل الملازم للمومنين.

   ألفتم ممن يريد أن يساهم في “لعبتكم الديمقراطية” !هكذا تقولون وتشهدون، أن يقدم برنامج عمل، فاقبلوا من أن نكون من الذكاء بحيث نرتب أسبقياتنا فنبدأ بالشريعة ثم المنهاج ثم يأتي وقت برنامج العمل بحول الله.

   أما الشريعة فمستقاها كما تعلمون كتاب الله وسنة رسوله، وأما المنهاج النبوي فنحن برعاية الله جادون في صياغته لعقول هذا الزمان المعصرنة، فمن خلال المنهاج نعرض عليكم وعلى أنفسنا، نحن الشعب المسلم، كتاب الله وسنة رسوله، وإنما أكرر على مسامعكم ومسامعنا المكتظة بشعارات الوقت كلمة الشعب لتفهموا من أيسر طريق، وإلا فالكلمة الإسلامية هي الأمة.