(قراءة من كتاب العدل للأستاذ عبد السلام ياسين)

الصادق الرمبوق

ما فتئ شعار “الإسلام هو الحل” يثير نقاشاً حاداً بين حامليه ومعارضيه. ولئن كان هذا النقاش طبيعياً، فإنه اتخذ في الأوان الأخير بعداً جديداً، حيث انخرط بعض الكتاب من ذوي الميول أو الانتماءات الإسلامية  سدد الله خطانا وخطاهم- في حملة يشتد أوارها تجاه الشعار إثر الفوز غير المتوقع في مصر للإخوان المسلمين الذين أتقنوا التوظيف المباشر لمقولة كانت تترجِم في الغالب مطلباً عزيزاً لجميع الحركات الإسلامية، فإذا بالمطلب يتحول إلى “كيمياء سياسي” له من المفعول والتأثير والسلطان على الجماهير ما أرعب شيوخ الساحة السياسية الذين طال عليهم الأمد في تعميرها حتى ردوا إلى أرذل العمر السياسي، وأيقظ فيهم حاسة قراءة مقدمات “الخطر الداهم” وآياته الكبرى قبل حلوله وتمكُّنِه.

لقد دأب بعض الإسلاميين على تتبع الممارسة السياسية للحركات الإسلامية عن كثب، وتعقُّبِها بالإشادة أو التوجيه أو التصحيح أو النصح بحسب المنطلق والموقف والأهلية ودرجة الاستيعاب والقدرة على الاستشراف والجرأة…

وعلى رأسهم الأستاذ عبد السلام ياسين الذي عُرف باستقصائه المبكِّر الفريد للمزالق التي رافقت تصور العمل الإسلامي وسلوكه الميداني، وانتقاده الصريحِ المليحِ العلني غيرِ المسبوق لكثير مما كان يُعتبَر في الأوساط الإسلامية من المسلمات أو المشكلات العويصة التي يتهيب الراسخون من اقتحام مجاهلها، وذلك ضمن سلسلة منشورة من الكتب بلغت أوجها في المراجعة والتصويب وَفق الأصل النبوي في كتابَي “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” و”العدل”. ولم يردعه عن هذا المنحى النقدي التقويمي الإرشادي للتجربة الإسلامية ما رمته به فصائل الحركة الإسلامية من تهم العَمالة، والتشكيك في نياته التي زعموا أنها تسعى إلى كشف أوراق المشروع الإسلامي وفضحه على الملأ، ناهيك عن التشهير به واستهجانِ ما جزموا وأقسموا عليها أغلظ الأيمان أنها وصولية عينُها على فتات الكعكة السياسية، وذلك إبان نشره لكتاب “المنهاج النبوي” يومَ كان الانحشارُ في سراديب السرية ودهاليزها الخيارَ الاستراتيجي الأذكى والأنسب للمرحلة وَفق منظور رواد الحركة الإسلامية آنذاك، حتى أرتنا صُروفُ الدهر انقلاباً جذرياً قنع مُنَظروه و”مهندسوه” ورضوا بأزهد مما غمزوا به الأستاذ عبد السلام ياسين وأدنى.

لن أكرر هنا ما كتبه غيري في الموضوع من سرد الدواعي التاريخية والثقافية والسياسية التي أخرجت هذا الشعار وأبرزته عَلَماً فرض نفسه لدرجة استحالة تجاهله، أو انتقادِه وبيان مكامن الخلل فيه، أو تنسيقِ عبارات التزلف والمودة الكفيلة بطمأنة المتوجسين الحاذقين في قراءة المستقبل الوشيك للخريطة السياسية… بل أتعدى كل ذلك إلى التركيز على المحاذير التي يوشك أن يقع فيها حاملو هذا الشعار، والواجبات المترتبة عن رفعه والمنافحة عنه والمنازلة به، مستفيداً في ذلك ومعتمداً على فقرات مختارة من كتاب “العدل” للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين.

1- قوة الشعار:من أسباب تجاوب الجماهير مع هذا الشعار الجديد أولا وقبل كل شيء: ذكرُ الإسلام فيه، وتقديمُه على هذا الأساس بالقصد لمخاطبة المخزون النفسي الديني لعامة المسلمين الذين سرعان ما يتجاوبون ويسري فيهم شعور بالثقة والاطمئنان والاحترام لحاملي الكلمة الإسلامية.

ومن أهم نتائج قوة الشعار أمران: يتعلق أولهما بدخول حامليه للبرلمانات  والمدُّ يشير بتزايده الظاهر لمستقبل قريب يكتسح فيه الإسلاميون الساحة اكتساحا. إن شاء الله-، ويتعلق ثانيهما بمسارعة فلولِ اليساريين المتمسلمين وخصومهم اللاييكيين والقوميين إلى منافسة الإسلاميين على “المخزون” النفيس، فيتسللون رويداً رويداً ليضيفوا لشعاراتهم كلمة السر المعبئة: “الإسلام”. فيبشرون بإسلام تقدمي مستنير بدل الإسلام الظلامي الرجعي، إسلام الذين يؤمنون بالله وباليوم الآخر، ويبشرون بالكتاب العزيز مرجعاً مطلقاً وبالسنة النبوية الراشدة مدرسة ونموذجاً. وهو التكتيك المؤقتُ والحلُّ الأسرع لفتح ما أُوصِد من أبواب الشعبية الجماهيرية في وجوه بعضهم، ولترويج ما كَسَد من شعارات اليمينية واليسارية والقومية في سوق السياسة.

2- محاذير الشعار ومقتضياته:لا بد في البداية أن نقرر حق الإسلاميين في استعمال وسائل الإشهار عن أنفسهم وعن برنامجهم في الانتخابات. وهو حق يرفضه كثير ممن لا يسأمون من إعلان افتخارهم بانتمائهم إلى “المعسكر الديمقراطي”، بحجج لا حدود لتناسلها ولا سقف لتقلباتها التي أحدثت آخرُ صيحاتها انقلاباً جذرياً في المفهوم بعدما برهنت صناديق الاقتراع في الجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية على أن شعوبها تختار الإسلاميين، حتى أصبح الشعبُ الذي هو قطب الرحى في العملية برمتها أبغضَ شيء إلى العاكفين في معبد الديمقراطية، السدنةِ المرتلين، والحماةِ المقاتلين، بعدما قلب هذا الشعبُ ظهرَ المجن لمن أفنوا أعمارهم في النضال نيابةً عنه وفي سبيله.

“حكم الشعب بالشعب” تعريف هشمته دباباتُ الجنرالات، ووأدته معتقلاتُهم في صحراء الجزائر، ونحرته مجازرُهم الرهيبةُ عقاباً لمن صوَّتَ للجبهة الإسلامية للإنقاذ. ومن يومها والإسلاميون محرومون من كل ما يبيحه تعريف الديمقراطية -الذي أجهزت عليه فعْلة عسكر بلد المليون شهيد- لغيرهم، بدءاً من الحق في استعمال وسائل الإشهار عن أنفسهم وعن برنامجهم في الانتخابات. حتى إذا ألجأت إنذاراتُ الضغوط الدولية وتباشيرُ “السكتة القلبية” الداخلية بعضَ الأنظمة إلى التخفيف من وطأة الخناق، فَتَحت لبعض الإسلاميين سمَّ خياط مفخَّخاً باحتياطاتٍ وترتيباتٍ الداخلُ فيها مفقود، والخارج منها مولود.

بعد أن قرر الأستاذ عبد السلام ياسين حق الإسلاميين في استعمال وسائل الإشهار عن أنفسهم وعن برنامجهم في الانتخابات، شرع في التنصيص على واجبات ينبغي على الدعاة رعايتها وترجمتها إلى سلوك ميداني ما أصعب التزامه حينما تحمى السوق الانتخابية الجرافةُ بطوفانها الخبيرِ في الإتيان على أصل المبادئ والأخلاق والإيمان، وعلى محاذير هي في الجملة أضداد الواجبات ونواقضها. وعلى رأس هذه المحاذير والواجبات:

1- عدم الانزلاق إلى المزايدات الشعارية المفضية إلى إيهام المسلمين:

أ- أن “الحل الإسلامي” مفتاح سحري وتعويذة ملكوتية وعملية غيبية يتبخر أمامها شياطين التخلف وأبالسة البؤس وفراعنة الظلم.

ب- أنها رُقية مطهرة تُذْهِبُ أرجاس الماضي بين عشية وضحاها، وتبرئ الوضع المريض من عاهاته، وتحمل الأعباء عن الكواهل، وتطعم الجائع اليومَ قبل غد.

ج- أن الملائكة تتنزل أفواجا بالرحمة العاجلة لمجرد أن الملتحين الصادقين أمسكوا زمام الحكم وجلسوا على مِنصة السلطة.

د- أن “الحل الإسلامي” دَوْرة كَفٍّ تأتي من سماء العجائب بالنعيم تُدِرّه على الخلق، وبالرخاء والأخوة والكفاية والقوة بلا تعب.

2- إعلام الشعب وتعليمُه أن “الحل الإسلامي” للمشاكل المعيشية التي حولها تَحْمَى السوق السياسية:

أ- هو من جهة اجْتهادٌ يعتريه ما يعتري أمثاله من دواعي الخطإ والصواب، ويصيبه الميل إلى أسباب النقص والكمال، ولكن هذه البشرية اللازمة لا تحجب حقيقة اندراج هذا الاجتهاد ضمن حمى الإسلام ومقاصده العظمى، وشتان ما بين اجتهاد يطلب فلاح الآخرة من وراء التمكين للدعوة في الأرض، واجتهاد همُّ الآخرة عنده عاهة وعيب ومرض شفاؤه الكدُّ المهووسُ بمتطلبات التنمية والرفاهية في الدنيا فقط. فقط. فقط.

إن اعتبار “الحل الإسلامي” اجتهاداً أمر ذو بال، وتقريرٌ وازن يطلب التمعن والتثبت، لأنه يُهِم قضية حساسة عادةً ما يُؤتَى الإسلاميون من قِبَلها؛ ذلك أنهم غالباً ما تركبهم العجلة والانفعال والاندفاع والغيرة الصادقة فيُحرِّمون كل ما يقترحه غيرهم  إن لم يفسقوا أصحاب الاقتراح ويخرجوهم من دائرة الإسلام- بحجة أن ما لديهم وحدهم هو الإسلام، حتى إذا دار الزمان دورته وتحملوا هم بعض المهام الجسام، اضطرتهم المسؤولية والتدبير المباشر للملفات الشائكة إلى استحسان ما استقبحوه، وتحليل ما حرموه، وقبول ما نعتوا من قريب بسببه غيرَهم بالعظائم، مبررين ذلك بنفس الوسيلة: الإسلام!

لذلك يكتسي القول بأن “الحل الإسلامي” إنما هو اجتهاد أهميته الحيوية الإستراتيجية، لأنه يلقن محبي الشعار درساً حكيماً يعلمهم كيف “يتحركون في يومهم بما لا يعرقل حركة غدهم”.

ب- وهو من جهة أخرى جهادٌ مدعُوٌّ للمشاركة فيه -لا للتفرج عليه واستمطار بركاته- كلُّ مسلم غيور على دينه، وكل ذي رصيد خلقي ومروءة وقدرة وعلم، ليقف مع الإسلاميين في الثغور ابتداء من ثغر نفسه لتتوب عن “دين الانقياد” والاستسلام، وثغر أسرته وعائلته ومسؤولية رعيته أينما كانت مكانته الاجتماعية.

“الحل الإسلامي” جهاد. هذا الشق من تعريف الشعار- مضافاً إليه كونه اجتهاداً في الإسلام ولأجْله- هو الفيصل ما بين سعيِ الإسلاميين وكَبَدِ غيرِهم ممن ولاؤُهم ومحياهم ومماتُهم لغير الإسلام، بشرط صلاح النيات لله رب العالمين لا شريك له. وصلاحُها بتجديدها وتوبةِ أصحابها واستغفارِهم آناء الليل وأطراف النهار.

3- المقتضى الثالث هذا وإن كان بياناً لما قبله، فإنه يولي وجهه قبلة مسألة مركزية يعتبرها الوحيُ أمَّ القضايا وقطبَ رحاها؛ فحوى هذا المقتضى هو: إعلام الشعب أن “الحل الإسلامي” ليس وَعداً انتخابياً يتوكل عنك بمقتضاه النائب في البرلمان والعضو في المجلس المحلي والوزير والحاكم ليعفيَكَ من كل تعب ويحمل عنك كل عبء، بل “الحل الإسلامي” جواب عن السؤال الحميم الحيوي: “من أجل ماذا أعيش، وأية قضية هي قضيتي في الحياة”؟ تَطْرَحُ هذا السؤال على نفسك، أوْ لا، فيطرحه عليك الإسلامي بعد أن طرحه على نفسه فوجد أن مساعدتك له على الجواب ضرورة له وبشرى عاجلة لك بما ينتظرك وينتظرهُ وينتظر الأمة من خير الدارين إن كان الجواب: حَيَّهَلاَ!

إن أمر الدنيا وشأن الآخرة لا ينفكان في خطاب الأستاذ عبد السلام ياسين حتى عند حديثه في موضوع تحرِّم الجمركيةُ الدولية  والمحلية بالتقليد والتبعية والولاء- مثل هذا المزج فيه، وخاصة خلط الدين بالسياسة. وقد امتد تأثير هذا التحريم العالمي إلى حاملي لواء الإسلام أنفسهم، فلا تعثر عند من اقتحم منهم “المعترك السياسي” إلا على نفس خطاب اللائيكيين ولغتِهم ونفَسهم وروحِهم، بل أساليبِهم حذو النعل بالنعل كلما تَقدَّم بهم المراسُ وزَيَّن لهم الاعتدادُ بالتجربة السياسية ما كانوا عن قريب يعيبونه ويحذرونه… ولا تجد لليوم الآخر ذكراً، ولا لتنبيه الغافلين عن مصيرهم إلى النبإ العظيم الذي هم عنه معرضون إعراض انشغال بالتنمية أو إعراضاً عقدياً عقلانياً مفلسفاً إشارة.

إن جَعْل التواصل مع الفرد الواحد إبان حملة الانتخابات مناسبةً ليعلم هذا الإنسان قضيته العظمى في الحياة، إنما سبَّقَه الأستاذ عبد السلام ياسين عن الواجب الرابع لأنه بمثابة الأصل الذي تبنى عليه كل التفاصيل اللاحقة، فإذا اضطرب أو انخرم أو اضمحل أو انمحى فعلى ما تبقى السلام، ولا يكون إلا زوراً ما نرفعه بعد ذاك من شعارات الإسلام.

وبنفس درجة جِدَّة هذا التصور وفرادته وغُربته في هذا الواجب، يفاجئ المؤلفُ قارئَه بواجب رابع هو:

4- وجوب تمسُّك الإسلاميين في سوق الانتخابات -وهي بالفعل سوق- بمبدإ الوضوح والصدق ليستظهروا بالصدق على مناوشات الماكيافليين سماسرةِ السياسة المحترفين.

بل إنه يعتبر أن تغميض الأحوال على المسلمين بِلَفِّها في خِرَقِ الشعار الإسلامي والوعد الخيالي كذباً لا تزويرَ أخبث منه. فلذلك يجب إعلام كل فرد من الشعب وتعليمُه أنه حِين تَزِفُ ساعة التقدم بكلمة “الحل الإسلامي” إليه ليختار وينتخب ويقترع فإنما هي دعوة لكي ينخرط في المجهود الإسلامي، لا لكي يغامر بورقة يطرحها في صندوق ثم يمضي لشغله حتى يُخْفِقَ من يُخْفِقُ ويقف أمام الباب المسدود من يقف فيَمسَح في الإسلاميين تبِعات الشدائد، وينفِضَ منهم يده، ويَنفضَّ من حولهم.

ويرى الأستاذ أن مبدأ الوضوح والصدق ينبغي أن يتم تصريفه عبر:

أ- إعلام المسلمين وتعليمهم أن الفساد في الحكم هدَمَ أخلاق الأمة، ونخَرَ في اقتصادها، وبدَّدَ ثرواتها، وشرَّد المستضعفين، ودفع الفتيات البائسات اليائسات إلى سوق البِغاء، وخطَفَ لقمة العيش من أفواه الأطفال، وتسبب في تفشي البطالة والمخدرات والمرض والخمور والعهارة ومدن القصدير والرشوة والمحسوبية وطابور المشاكل.

ب- إعلامهم أن صلاح هذا الفساد يتطلب علاجاً طويلاً، وجراحة متخصصة، وتجريع المريض الدواء المر، وحمله على الالتزام بالمواعد، وعلى قَبول التطبيب طوعا وكرها.

ج- إعلامهم وتعليمهم أن “الحل الإسلامي” يعني تطهير المحل لِيَنْبُتَ فيه نسيجُ حياة جديدة، تبعثها روح جديدة، وتوجهها عقلية جديدة، ويضبطها شرع الله الأزلي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

د- إعلامهم وتعليمهم أن عملية التطهير والاستنبات لا تتم برُقية ساعة، ولا بجهد طائفة من الناس يُعفى حضورُهم الناسَ من كل كُلْفة.

ه- إعلامهم وتعليمهم أن أمام الحكومة الإسلامية مَجالاً طويلاً عريضاً مديداً في الزمن للإصلاح، وأن دين المتدين ومروءة الشريف ومال المتقي وجُهد المستطيع وخبرة الإداري وغيرة الجميع يجب أن تتجند إلى جانب الدعوة الإسلامية والحكومة الإسلامية في جهاد طويل مرير في مذاق أبناء الدنيا، عَسَلٍ في لَهاة المؤمنين والمؤمنات. أمامَ الدعوة الإسلامية والحكومة الإسلامية أيام الصبر والمطاولة والمواصلة.

ثم يخلص إلى تحديد القصد بدقة فيقول: “ومن سائر المسلمين يطلب “الحل الإسلامي” تضحيات”. ولكنه يستدرك ذلك بسؤال يتبادر بالتأكيد إلى ذهن كل من يطلع على هذا التصور الجديد العجيب الغريب فيقول: “من يستجيب لمرشح يعِدُ الناخبين بالتضحيات، لا يتملقهم ولا يداريهم ولا يُماريهم وسوق المزايدات الحزبية قائمة على ساق”؟ ثم يجيب مباشرة: “يكون ذلك الصادق غريباً ولا شك بين الكذابين. لكن عندما يمَلّ المسلمون كذب الساسة الفاشلين -وقد مَلّوا وسئِموا- فستُوقظ كلمة الصدق التي تزيل الوِصاية عن ضمائر المسلمين، والغشاوةَ الديماغوجيَّةَ عن أعينهم، والتعتيم المخادِعَ عن عقولهم، لتبني علاقات جديدة عِمادُها الصدق والمسؤولية والمشاركة الفعليَّةُ”.

ولكن ما السبيل إلى إحياء مثل هذه العلاقات الجديدة -المؤسَّسة على أركان إيمانية وخلقية خلقت في المجتمع بفعل عوامل متشابكة- في مجال تدبير الشأن العام الموبوء المسكون حتى النخاع بأنواع الجراثيم والموبقات؟

يقول الأستاذ: “هذه العلاقات الوثيقة الصادقة المُشارِكة تُؤَسَّسُ وتُبنى خارج الحلبة السياسية وطيلة الوقت لا في المواسم الانتخابية. هذه العلاقة لا يقدر أن يؤسسها ولا أن يرفع بنيانها الانتهازيون ولا المنافقون ولا لصوص الأصوات الانتخابية. ذلك لأنها تؤَسَّسُ وتبنى في المسجد، في صف الصلاة، في مجلس الوعظ، في حلقة العلم. في المسجد يعرِض هذا على الفقيه والواعظ والأخ الناصح مشكلةً يجد لها رأيا، ويُلمِّحُ هذا لحاجة فيأتيه العَوْنُ، ويمرَض ذاك فيدلِفُ إلى بيته الإخوان، ويتَأَيَّم هذا فيجد من يُزوجه، ويُرَحَّل ذاك فيتجند من يدبر له مأْوىً، ويحمل جنازة بيت الآخر مومنون متطوعون.

من المسجد يبدأ “الحل الإسلامي”. في المسجد تُنسج الخيوط الأولى في كساء الوَلاية بين المومنين، لا تُعوِّض مُبْرَمَ سَداها وتماسُكَ لحمتها علائقُ الزَّبانة السياسية ولا تُقارِب، وحاشا.

إن لم تكن العلاقةُ حميمة متينة بين الإسلاميين وجمهور الأمة فإن أول عثرة في الطريق -ولا بد من عثرات- تفرق الجمع وتشتت الشمل وتُجْهِضُ الحِمل. ثم إن هناك المتربصين، معهم متفجرات نائمة، وقنابل موقوتة، لن يُفلتوا الفرصة ليُصعقوها بين أقدام السائرين على درب الإسلام ليزرعوا البلبلة ويخلخلوا الثقة في “الحل الإسلامي” وحاملي شعاره. لن يُفلتوا أولَ فرصة”.

كان ذلك خطاباً غير مألوف، يحمل مجموعة من الأسس الجديدة الموجِّهة المُرشِدة التي تنتظرها عقبات ميدانية حبلى بمفاجآت و”إكراهات” و”مضادات حيوية” ستقاوم وتعرقل تقدم “الحل الإسلامي” بأي ثمن.

فهل ترحب الحركة الإسلامية بتلك الملاحظات “الصميمية”؟ وهل تنجح في تنزيلها وتثبيتها والنهج وَفقها وعلى منوالها؟

أم أن “قانون اللعبة والساحة” يملك من الصلابة والرسوخ و”الأقدمية” ما يطوع به القادمين أهلِ الدهشة فلا يُفلتهم حتى يجعل منهم نسخة طبق الأصل للممارسة السياسية القذرة المسيطِرة السائدةِ -التي رشحوا أنفسهم وحركاتهم لمنازلتها ونبذها وتجاوزها وإحلال بدائل نقية لها ونماذج ناجحة-، فلا ينتبهوا إن تركت لهم المصيدة السياسية المُلتهمة إمكانية للانتباه إلا وقد انغمسوا في وحل الكذب، واستحْلَوا أسلوب الكواليس، واستلذوا حرفة المداراة والمراوغات، وأغرتهم صنعة الصفقات، وحَصَلوا في شَرَك شبكة المصالح العنكبوتية، ونسوا مبدأ أمرهم المناهض للائيكية حتى تطابقت جميع الحلول وتوحدت، “الإسلامي” منها وغير الإسلامي؟