عرفت الساحة الفلسطينية يوم الأربعاء 25/1/2006 معركة من نوع آخر تخالف ما عهده الفلسطينيون طوال تاريخهم في ظل الاحتلال من معارك عسكرية. معركة يوم الأربعاء معركة خاضتها حركة المقاومة الإسلامية حماس لكسب المشروعية الدستورية إلى جانب المشروعية الجهادية. فما هي الدروس والرسائل التي يمكن استقاؤها من هذا الحدث؟

عندما تنتصر إرادة الشعببعد محاولات فاشلة لجهات داخلية وقوى خارجية لتأجيل الانتخابات، أو تخريبها، وبعد الضغوط الإسرائيلية والأمريكية والأوربية لمنع قائمة “التغيير والإصلاح” لحركة حماس من المشاركة في العملية السياسية، استطاع الشعب الفلسطيني أن يكون في الموعد المحدد ليفرض إرادته ويقول كلمته في ما يجري على أرض فلسطين.

77.6% هي نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الثانية، والتي مرت في أجواء هادئة على العموم حسب لجنة الانتخابات المركزية، حيث كان يفترض أن يختار أكثر من مليون وثلاثمائة ألف ناخب فلسطيني ممثليهم وعددهم 132 نائبًا مناصفة بين نظام الدوائر الفردية ونظام التمثيل النسبي (القوائم) من بين مرشحين يبلغ عددهم في القوائم 314 مرشحًا ومرشحة، في حين يبلغ عددهم في الدوائر 414 مرشحًا ومرشحة يمثلون جل القوى.

وقد توجت الانتخابات التشريعية، بتوفيق من الله، بفوز مفاجئ لحركة المقاومة الإسلامية حماس ب 76 مقعدا مقابل 43 لفتح من مقاعد البرلمان البالغة 132، في الوقت الذي كانت تأمل حماس فقط الحصول على نتائج تأهلها لتشكيل معارضة قوية.

فنجاح عملية الانتخابات هو نجاح للشعب الفلسطيني ولكل مكوناته، ينضاف إلى نجاح المقاومة ونجاح الانتفاضة الفلسطينية المباركة.

فوز حماس انتصار للإسلام ولخيار المقاومةتصدرت الثوابت برنامج قائمة “التغيير والإصلاح” وعند تصفحها يظهر جليا الأسس التي صوت عليها الشعب الفلسطيني، وبالتالي نتائج الانتخابات التشريعية شكلت استفتاء شعبيا حول ثوابت مركزية يمكن معرفتها بجرد بنود برنامج حماس:

1- الإسلام الحنيف ومنجزاته الحضارية مرجعيتنا ومنهاج لحياتنا بكل مكوناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية.

2- فلسطين التاريخية جزء من الأرض العربية والإسلامية، وهي حق للشعب الفلسطيني لا يزول بالتقادم، ولا يغير من ذلك أي إجراءات عسكرية أو قانونية مزعومة.

3- الشعب الفلسطيني وحدة واحدة في كافة أماكن وجوده، وهو جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية، (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء 92).

4- شعبنا الفلسطيني مايزال يعيش مرحلة التحرر الوطني، وله الحق في العمل لاسترداد حقوقه وإنهاء الاحتلال باستخدام كافة الوسائل بما في ذلك المقاومة المسلحة. وعلينا تسخير كل طاقاتنا لدعم صمود شعبنا، وتوفير كافة الإمكانات لدحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

إن تصويت الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة لصالح حماس هو تصويت لصالح المرجعية الإسلامية وقدسية الأرض الفلسطينية وانتماء الشعب الفلسطيني للأمة الإسلامية، كما هو تصويت لخيار المقاومة المسلحة. ونسجل هنا التحفظات التي أبدتها حركة حماس حول الخروقات الانتخابية غير المباشرة والممثلة في الدعم السافر الأمريكي. فقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين فلسطينيين وأميركيين، لم تكشف عن هوياتهم، قولهم: “إن واشنطن دفعت عبر وكالة التنمية الدولية الأميركية مليوني دولار لفتح لتعزيز فرصها أمام حماس”.

وإذا استحضرنا نسبة المقاطعة (ما يقارب 22%) واستحضرنا طبيعة القوة الداعية إليها وهي حركة الجهاد الإسلامي التي تتبنى نفس الثوابت مع رفضها الدخول في العملية الانتخابية قبل تحرير الأرض وطرد المحتل، يظهر حجم إجماع الشعب الفلسطيني على الثوابت السالفة الذكر.

المزاوجة بين السياسة والمقاومةإن مشاركة حماس في العملية الانتخابية تحت قائمة “التغيير والإصلاح” الهدف منها المزاوجة بين العمل السياسي في أعلى صوره من أجل البناء والمقاومة من أجل التحرير. وبالتالي ففوز حماس سيعطي للمقاومة شرعية دستورية بجانب الشرعية الواقعية والجهادية، كما من شأنه أن يخرج المقاومة من العزلة وخانة الإرهاب بقطعه الطريق عن خيار التسوية باسم الشعب، فهي إذا مقاومة شعبية وخيار شعبي عبرت عنه صناديق الاقتراع وليس “فعلا إجراميا” لشرذمة خارجة عن الإجماع الوطني.

واعتبر الأستاذ الزهار كل الشعوب التي احتلت كانت تزاوج بين السياسة والمقاومة والبناء، وبأن طبيعة القضية “أننا محتلون، والمحتل يحتاج إلى مقاومة، ومن أبرز أدوات المقاومة أن نرمم ما دمره الاحتلال.. حتى نستكمل مشروع التحرير”.

كما أن هذا الفوز حسب الأستاذ محمود الزهار سيخول لحماس الاطلاع بمهمة التشريع والمراقبة ووضع الميزانيات بما يخدم الشعب الفلسطيني ويحافظ على هويته وحقوقه، وبالتالي يضع حدا لما تبقى من اتفاقيات أوسلو وكذلك يمكن من استبدال خارطة الطريق بخارطة التحرير واستبدال وجوه وبرامج الفساد بوجوه وبرامج ليست من نفس الطينة، وإعادة البناء على أساس أن إسرائيل ليست بحليف ولا جار وبالتالي كل ما بني في كافة المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية وغيرها مع العدو الإسرائيلي سيتم تقليصه حتى يتم التخلص مما يسمى بالشراكة واستبدال إسرائيل بفتح بوابة كبيرة على الأمة العربية من خلال “مصر والأردن”.

هذه المهام الجسام تطمح حماس لتحقيقها في إطار تحالفات وليس في إطار انفرادي حتى لا تكرس التجربة السابقة، لكن هل ستتكلل جهود حماس ومفاوضاتها مع فتح وباقي المكونات الأخرى بنفس النجاح الذي أحرزته في الانتخابات؟

الشراكة ورهان الوحدة الوطنيةخلف فوز حماس أثارا داخل البيت الفلسطيني خاصة داخل “حركة فتح” حزب السلطة، التي تراجعت شعبيتها ولم تقو على إحراز الأغلبية من أجل تشكيل الحكومة، حيث تعالت الأصوات بضرورة المراجعة وتصحيح المسار. وقد خرج العشرات من أعضاء فتح مساء يوم الخميس في مسيرة بقطاع غزة توقفت أمام بيت الرئيس الفلسطيني محمود عباس مطالبة باستقالته واستقالة أعضاء اللجنة المركزية محمليهم مسؤولية ما حدث. وطالب سمير المشهراوى أحد قادة فتح والذي خسر أمام مرشحي حماس باستقالة اللجنة المركزية لحركة فتح والعمل على تشكيل حكومة طوارئ للحركة. كما دعا محمد دحلان رئيس الأمن الوقائي السابق بعد هزيمته في الانتخابات التشريعية، إلى عدم مشاركة فتح في حكومة تقودها حماس وأن تقوم بمعارضة قوية كما طالب في نفس الوقت بمحاسبة اللجنة المركزية.

ومن جهة أخرى قدم رئيس الوزراء أحمد قريع استقالته إلى الرئيس الفلسطيني الذي قبلها، وأعلن كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات أن عباس سيكلف حماس تشكيل الحكومة الجديدة، لكنه أكد أن حركة فتح لن تشارك فيها. وقال عريقات إن فتح ستكون معارضة موالية، ودعا حماس إلى تحمل كافة المسؤوليات السياسية والأمنية والاقتصادية والوطنية. وقالت مصادر مقربة من الرئيس الفلسطيني إن عباس يؤيد بقاء فتح خارج أي حكومة تقودها حماس لكن الكلمة الأخيرة ستكون للجنة التنفيذية للحركة.

ولتطويق الوضع والتأسيس لوحدة وطنية وحكومة ائتلاف بادر رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” الأستاذ خالد مشعل، بعد الإعلان عن فوزها، بالاتصال هاتفيا بالسيد محمود عباس أبو مازن رئيس السلطة ليؤكد أن الانتخابات والعملية الديمقراطية تعتبر نصرا للشعب الفلسطيني بكل قواه وفصائله، وأنها أعطت صورة مشرقة تليق بالشعب الفلسطيني البطل. وأكد الأستاذ مشعل على ضرورة اللقاء والتشاور مع السيد أبي مازن والإخوة في حركة فتح ومع كافة القوى الفلسطينية، من أجل التفاهم على ترتيب البيت الفلسطيني، كما أكد حرص حماس وتمسكها بالشراكة مع كافة القوى الفلسطينية ولاسيما الإخوة في حركة فتح.

وأوضح عصفور عضو القيادة السياسية لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) بالضفة الغربية أن الحركة تجري مشاورات مع مختلف الجهات من أجل الوصول إلى صيغة مناسبة لخدمة الشعب الفلسطيني، مشيرا إلى أن حماس تتشاور مع الكتل الفائزة ومع الرئيس محمود عباس للاتفاق على صيغة مناسبة للارتقاء بالمجتمع المدني.

وقد أكد الأستاذ الزهار أن التحالفات الانتخابية خاصية لم تتميز بها الحركة مؤخراً، “نحن وضعنا في قائمة الجمعية الطبية عام 1981 طبيبا مسيحياً، النقطة الثانية ما أفرزناه في رام الله واضح، أننا أعطينا الثقة لسيدة مسيحية وعلمانية في نفس الوقت، النقطة الثالثة أننا سندعم مسيحي في غزة وندعم مستقلين وندعم عناصر معروفة أنها ليست ذات علاقة بحماس لأنها توافق على البرنامج الذي نطرحه، وشكلت في المرحلة الماضية مصداقية عملية في هذا المجال”.

وأعاز محمود الزهار هذا الخيار لاعتبارات عقدية وليس تكتيكية حيث قال: “فأول وزير اقتصاد في مصر بعد الإسلام كان مسيحياً، موسى بن ميمون، وفي ظل الدولة الإسلامية في أسبانيا كان يهودياً، وصلاح الدين استعان بالمسيحيين في مقاومة الصليبيين، وبالتالي ليست هذه قضية طارئة أو تكتيكاً كما يحاول البعض أن يصورها”.

فهل ستكسب الحركة الرهان وتشكل تحالفا وحكومة ائتلاف تحافظ على الوحدة الوطنية وتصمد في وجه التحديات المستقبلية؟

تراجع المواقف أمام صلابة الواقع الفلسطينيلقد أثارت مشاركة حماس وفوزها في الانتخابات ردود فعل متباينة فقد وصف بعض مسئولي الكيان الإسرائيلي الحدث بالزلزال وحملت المعارضة اليمينية المسؤولية للحكومة لسماحها بمشاركة حماس في الانتخابات. وبعد التصريحات النارية لإسرائيل والتهديدات المتتالية، فقد صدرت توصيات لوزراء الاحتلال، بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات، بعدم التصريح.

أما ردود الأفعال الدولية على الفوز الكاسح الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية الفلسطينية فقد تميزت بالتشديد على ضرورة استمرار السلام ودعوة الحركة لنبذ العنف.

فالإدارة الأمريكية أعلنت على لسان رئيسها جورج بوش عدم التعامل مع أي حزب فلسطيني يتبنى ميثاقه تدمير إسرائيل حليفة الولايات المتحدة، وشدد عدد كبير من النواب الجمهوريين والديمقراطيين على ضرورة تخلي حماس عن السلاح وأي “أعمال أو أقوال معادية لإسرائيل والسامية”.

وبخصوص الاتحاد الأوربي وعد في بيان صادر من بروكسل بأنه “مستعد لمواصلة دعمه لتنمية الاقتصاد الفلسطيني ولإرساء دولة ديمقراطية، لكنه في الوقت نفسه ينتظر من المجلس التشريعي الفلسطيني أن يدعم تشكيل حكومة ترغب في إنهاء العنف والتفاوض حول مخرج للنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين”.

أما الدول العربية فقد تلقت فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالترحيب شعبيا وبالترقب والتطلع لمستقبل أفضل رسميا.

وبالمقابل اعتبرت قيادات حماس أن المواقف الغربية تتراجع من يوم لآخر بسبب صلابة الواقع الفلسطيني حيت سجل الأستاذ محمود الزهار تراجع الموقف الأوروبي وكذلك الموقف الأمريكي، “في الماضي كانوا يتحدثون عن أنه لا يمكن مشاركة “حماس”، الآن يتحدثون عن التمويل ويتحدثون عن الحكومة التي لن يعترفوا بها إذا شاركت فيها “حماس”، وهذا تراجع واضح. العدو الإسرائيلي قال في البداية لن نسمح ثم الآن بدأ يتراجع”. وقال الزهار: “أمريكا ليست هي إله هذا الكون، هناك وسائل متعددة للخروج من عباءة أمريكا، ولابد أن نخرج أمريكا من أجل مشروعنا الوطني، وبالتالي يمكن أن نخرجها حسب برنامجنا الذي نراه أو الذي سيجمع عليه أبناء شعبنا الفلسطيني الذين سينجحون في الانتخابات”.

وقال إسماعيل هنية في مهرجان انتخابي بمدينة غزة، على إثر تهديد سولانا بوقف المساعدات الأوروبية للسلطة الفلسطينية إذا ما شاركت حماس بالحكومة المقبلة: ” بادرت إحدى الدول الأوروبية العظمى والمؤسسة بالاتحاد للاتصال بقيادة حماس بشكل مباشر وأبلغتها رسميا أن تصريحات سولانا لا تمثلها ولا تعبر عن كل دول الاتحاد الأوروبي” وأضاف القيادي في حماس أن دولا أوروبية أخرى ما تزال تقيم علاقات وحوارات مع حماس، مشيرا في هذا الإطار إلى أن أي دولة تريد التعامل مع ملف المنطقة تجد لزاما عليها التعامل مع الحركة”. كما أكد مشير المصري، المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلاميّة “حماس”، في غزة، “إنّ حركة حماس منفتحة على العالم بما في ذلك أوروبا باستثناء الاحتلال الصهيوني. وأضاف أنّ قياديّين من حركة حماس أجروا لقاءات وحوارات منذ قبل حتى مع برلمانيين أوروبيين، معرِباً عن اعتقاده بأنّ أوروبا ستدرك أنها تخطئ بتصنيف حركة حماس كمنظمة “إرهابية”.

التحديات الكبرىفي ظل الإكراهات الدولية والمحلية يبرز حجم التحديات التي تنتظر حركة حماس. كما أن الجمع بين العمل السياسي وخيار المقاومة دونه صعوبات وتحديات.

فالحركة تشق طريقها في غياب أرضية تشكل قاسما مشتركا بين الفاعلين في الساحة الفلسطينية تحسم في الأسس والمرتكزات مما يفتح المجال على كل الاحتمالات.

ويزداد التحدي في حالة امتناع فتح عن المشاركة في الحكومة، حيث تجد حماس نفسها أمام مسؤولية ضخمة، فهل ستقوى على إدارة شؤون دولة مثقلة بمخلفات الماضي على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي، خاصة في حالة تنفيذ الغرب لتهديداته بمنع المساعدات المالية؟ وما انعكاسات ذلك على خيار المقاومة؟

حماس هي حركة دعوة إلى الله، وحركة مقاومة، فما تبعات العمل السياسي على العمل الدعوي وخيار المقاومة، خاصة وأن العمل السياسي يستنزف الطاقات والجهود ويدنس الرجال؟ فهل من رؤية تحافظ على التوازن وتبني للمستقبل وتحافظ على الدعم الشعبي وتحافظ للحركة على دورها الأساسي، الذي هو بجانب تحرير الأرض تحرير إرادة الإنسان، حتى يقوى على سماع نداء ربه ويقوى بالتالي على الاستجابة لذلك النداء؟

أي تكامل أو تنوع يمكن أن تؤسس له كل من حركة حماس والجهاد الإسلامي من أجل البناء والتحرير وفق رؤى استراتيجية وخيارات تكتيكية تحرر الأرض والإنسان؟

أهل مكة أدرى بشعابها، وحق إخواننا علينا التهنئة والدعم والدعاء بالتوفيق والسداد لهم ولكل المجاهدين المرابطين في أرض الجهاد بفلسطين “ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز”.