لن يختلف اثنان على أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت يوم الأربعاء 25يناير2006،حيث حصدت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” : “76” مقعدا من مجموع مقاعد المجلس التشريعي البالغة “132” مقعدا أي ما يعادل “57,57%” ، كانت حدثا تاريخيا واستثنائيا بكل المقاييس، وأن الشعب الفلسطيني وجه رسالة إلى جميع من يهمهم الأمر في فلسطين كما في العالمين العربي والإسلامي بل والعالم أجمع، لاسيما من يرشحون أنفسهم بمنطق القوة والهيمنة لزعامة العالم ورسمه نظامه العالمي.

لقد جاءت هذه الانتخابات استثنائية في ظرفيتها التاريخية فلسطينيا وعربيا وإسلاميا وعالميا، هذه الظرفية التي تطبعها الغطرسة الأمريكية المتسترة وراء محاربة الإرهاب لإيقاف المد الإسلامي المتنامي مستفيدة من قطيعة الأنظمة العربية والإسلامية مع شعوبها والتي هرولت لتكييف ترسانتها القانونية ومنظومتها التعليمية خنوعا وخدمة للأجندة الأمريكية، وذات الغطرسة تمثل الدعم اللامشروط واللامحدود للإفساد اليهودي الذي لا يتورع في تقتيل الرضع واغتيال رموز المقاومة وهدم البيوت فوق أصحابها وتجريف الأراضي استهتارا بالقيم والمبادئ السماوية قبل القرارات والمواثيق الدولية.

جاءت الانتخابات استثنائية في أجوائها إذ سارعت قوات الكيان الإسرائيلي

لتشارك في الحملة الانتخابية بأسلوبها الترهيبي، فراحت تتوعد إن نجحت حركة المقاومة حماس بتجميد مسلسل السلام، ولم تتأخر أمريكا لتدخل على الخط وتهدد ـ كعادتها ـ بعدم الاعتراف بحكومة تشارك فيها حماس، تهديدات موجهة أساسا للشارع الفلسطيني لترهيبه ،وهذا سلوك غير أخلاقي ومرفوض سياسيا لأنه تدخل يروم التأثير على اختيار الناخب الفلسطيني،هذا الأخير الذي أبان عن عمق وعيه السياسي إذ لم ينجرف وراء الدعوات التضليلية والمغرضة،وهو بذلك يوجه رسائل إلى من يهمهم الأمر كما سلف.

إن الانتخابات التشريعية الفلسطينية حبلى بالعبر والدروس،ومنها في اعتقادي المتواضع:

1. فلسطينيا: تزكية الشعب خيار المقاومة ورفضه للحلول الترقيعية والمساومة على حقوقه المشروعة،وعلى رأسها عودة اللاجئين المهجرين ظلما من أرضهم، و الإفراج عن الأسرى القابعين في السجون الإسرائيلية ، ومرورا بالفساد في تدبير السلطة المتحكمة في شؤون الشعب.

2. إسرائيليا: تحدي البطش اليهودي والإصرار على المواجهة،وهو الموقف نفسه الذي اتخذه الشعب في الانتخابات البلدية السابقة بعد مجازر جنين. وهذا ما يزكي خيار الانتفاضة الأولى و الثانية ويعطيها عمقها الشعبي.

3. عربيا: تأكيد تنامي الخيار الإسلامي الذي لم تتسع له بعد حويصلة أنظمتنا العربية،فهي بين رافض غير قابل بوجوده،وبين متجاهل لوجوده على الرغم من أنه يملأ عليها الشوارع و الساحات في كل حركة احتجاجية أو خروج شعبي بمناسبة من المناسبات،وبين متحايل عليه للحد من اكتساحه المشهد السياسي،فيجبره على تقزيم مشاركته،أو يضطر لاعتقال أطره ورموزه حتى إذا مرت زوبعة الاستحقاقات راح يفرج عليهم بالتقسيط تجنبا للإثارة.

4. أمريكيا: تمسك الشعوب الإسلامية بدينها رغم تخاذل أنظمتها وانبطاحهم أمام الهيمنة الأمريكية،واستعداد هذه الشعوب للتضحية ومقاومة الغزو الأمريكي.

فهنيئا للشعب الفلسطيني البطل، بطل في صموده ومقاومته لأعتى احتلال على مر التاريخ، بطل في وعيه ونضجه السياسي،ليس في اختياره فقط ، بل وفي تحمله لتبعات المشاركة في أجواء لا يؤمن فيها العدوان والغدر اليهوديـان،ورحم الله أبا القاسم الشابي لما قال:

إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بـد للـيل أن يـنجلي *** ولا بد للقيد أن ينكـسر!