أدلى ذ. عمر احرشان، عضو الأمانة العامة لجماعة العدل والإحسان، باستجواب لأسبوعية “المشعل” تحدث فيه عن بنية النظام السياسي بالمغرب، فيما يلي النص الكامل للحوار:

سؤال:

بنية النظام الملكي مرتبطة بالدين، اعتبارا لكون الإسلام والملكية صنعا المغرب، ما هو رأيك في النظام الملكي القائم بالمغرب؟ وهل التشبث بالنظام الملكي على الشكل الحالي يخدم الحقل الديني؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، هذا سؤال يتضمن مجموعة أسئلة فرعية، ويحتاج إلى كثير كلام، وضمنه أفكار صارت تعرض على أنها مسلمات، مع أنها بحاجة إلى تحقق وتثبت. فالنظام السياسي بالمغرب، إن أردنا الدقة، يوظف الدين ويحتكره ويحاول أن يفرض على جميع الفاعلين في المجتمع فهمه للدين، بل إنه يحصره في زاوية الأمور الشخصية وبعض الشعائر فقط، وهذا يتأكد إن رجعنا إلى الدستور في فصله السادس الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة ولكنه يكمل الفصل بتعبير “والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية” هذا اختزال لمفهوم الدين في طقوس شخصية وعلاقات وشعائر فقط. هذا هو الدين الذي تصوره الدولة على أنه أساس دولة المغرب وهذا مناف لحقيقة الإسلام باعتباره يتناول العلاقة بين العبد وربه وبين العبد وباقي العباد والأشياء.

لو كان النظام السياسي مرتبط بالدين لحكمه في كل مجالات الحياة مصداقا لقوله عز وجل “فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم” وقوله تعالى كذلك “وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم”.

فإذن النظام السياسي يوظف الدين حين يخدم ذلك مصالحه ويضرب به عرض الحائط في غير ذلك، هذا فيما يتعلق بالشطر الأول من سؤالك.

أما الشطر الثاني فنعلم أن كل نظام يقوم على أسس الحرية والشورى والعدل هو نظام مقبول، وكل نظام قام على غير ذلك فهو نظام مستبد وظالم، هذا أبسط معيار تقاس به فعالية هذا النظام عن ذاك. ثم هناك معيار آخر لقياس الأنظمة السياسية وهو القاعدة الدستورية التي تقول “حيث ما كانت هناك سلطة فهناك مسؤولية”، والمسؤولية هنا سياسية وجنائية ومدنية وشعبية، وأول مقتضيات المسؤولية المحاسبة بكل أشكالها، قضائية وشعبية ومؤسساتية. فلا معنى أن يراكم نظام سياسي صلاحيات واختصاصات دون أن يخضع للمحاسبة.

إذن إذا اتفقنا على هذه المعايير يمكن آنذاك مناقشة كل شكل من أشكال النظم السياسية على حدى وبحث النظام الأصلح والأفضل.

فما يقرؤه الطالب المبتدئ في القانون الدستوري أن الأنظمة السياسية لا تتمايز ولا تتفاضل من حيث أسمائها، ولكنها تتمايز وتتفاضل من حيث المرتكزات التي تقوم عليها والمعايير التي تحدد بها المسؤوليات والصلاحيات.

سؤال:

ما هو رأيكم في مؤسسة إمارة المؤمنين؟ وما هي الشروط التي تشترطونها لتصح هذه الإمارة؟

جواب:

هذا نقاش فقهي بالدرجة الأولى، كتب حوله الفقهاء الشيء الكثير واشترطوا لذلك شروطا، أرى أنه يلزم الرجوع إليها حتى لا نطيل الحديث في هذا الموضوع. كما أنه نقاش تخصصي يلزم من يخوض فيه حظا من التكوين الفقهي.

في كل الأحوال إمارة المؤمنين صفة لا تمنح للمنعوت بها جواز مرور أو إعفاء من المحاسبة والمسؤولية، ولكنها تثقل كاهله بمسؤولية في الدنيا والآخرة، هي تكليف أكثر منها تشريف.

لكن بالرجوع إلى السياق العام الذي أفرز هذا المصطلح، وبالضبط في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سنفهم معنى هذه العبارة ومقتضياتها، ففي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أول من تلقب بأمير المؤمنين، حاول أن يحدد قدر المهر “الصداق” فردت عليه امرأة من عامة المسلمين واستدلت بآية قرآنية “وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا”. في هذه الواقعة حاول عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يؤول النص الشرعي، فقامت امرأة من العامة واعترضت عليه، فقال قولته الشهيرة “أخطأ عمر وأصابت امرأة” فإمارة المؤمنين لا تفيد أن يحتكر الحاكم تأويل النص الشرعي.

هناك واقعة ثانية. في عهد عمر بن الخطاب غنم المسلمون في إحدى الغزوات “أبراد يمنية” وهي نوع من اللباس، فقسمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعدل بين الحاضرين، ولكنه كان رجلا طويلا ولم يكفه نصيبه من هذا الثوب فأخذ نصيب ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين. وذات يوم قام عمر بن الخطاب خطيبا فقال “أيها الناس اسمعوا وأطيعوا” فقام له سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال “لا نسمع ولا نطيع حتى توضح لنا من أين لك هذا الثوب وهو أكثر من نصيبك الذي نلته من قسمة الغنائم” فلم يقطع عمرا رأسه ولم ينعته بالخارج عن الجماعة، ولا بشق عصا الطاعة، ولكن نادى على ابنه ليدلي بشهادته ويوضح أنه هو الذي منحه حقه من الثوب. بعد ذلك قال له سلمان “الآن مر نسمع ونطيع”. ومرة قال له أحدهم “لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا”، فما قطع عنقه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولكن قال قولته الشهيرة: “الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم عمر بسيفه”. كما سجل التاريخ أنه في أحد مجالس عمر بن الخطاب قال قائل “اتق الله” فقام له أحد الحاضرين وقال “ويحك أتقول هذا لأمير المؤمنين” فنهره قائلا “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها”.

نستنتج من هذه الوقائع وهي كثيرة لا يكفيها هذا الحوار، ولا مجلد، أن صفة إمارة المؤمنين لا تعني عدم المعارضة، ولا الهروب من المحاسبة سواء في المجالس أو وسط المؤسسات أو في المنتديات العامة.

هذه هي القراءة الحقيقية بعيدا عن تأويلات فقهاء القصور وديدان القراء والموروثات الفقهية.

سؤال:

يرى البعض أن إمارة المؤمنين صمام أمان يحمي الملكية كقيادة للدولة. كيف تردون على هذا القول؟

جواب:

إن كانوا يقصدون أن إمارة المؤمنين تعطي للحكم بعدا دينيا يستشعر من خلاله الحاكم ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه أمام الله عز وجل، فهي فعلا ستكون صمام أمان، لأننا نضمن بهذا أن الحاكم لن يتصرف تصرفا عشوائيا أو منحرفا وأنه سيراعي الله في شعبه.. وحين كان يستشعر ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يقول “والله لو عثرت دابة في العراق لسئل عنها عمر”، بهذا المعنى يكون الأمر صمام أمان، ولكن السر ليس في الصفة ولكن في التحلي بمقتضياتها. أما إن كانوا يقصدون بإمارة المؤمنين أن بمقتضاها يصبح الحاكم فوق كل مساءلة ومحاسبة، وصاحب كل الاختصاصات والصلاحيات، فهذا لا يساهم في بناء دولة قانون ولا مؤسسات. وإن كانوا يعنون بذلك أن هذه الصفة ستسد الطريق على الإسلاميين فهم مخطئون لأنه كما سبق أن قلنا فهذه الصفة لا تمنع أي مواطن من إسداء النصيحة والجهر برأيه مهما كان مخالفا.

صمام أمان من ماذا ولماذا، صمام الأمان لكل دولة هو أن تبنى على توافق حول مبادئ عامة تشكل ميثاقا يوضح معالم الدولة التي نريد والمواطن الذي نريد. صمام الأمان للدولة هو سيادة القانون، هو تدبير مؤسساتي للشأن العام، هو توسيع هامش الحرية، هو المساهمة الجماعية في كل مراحل البناء تفكيرا وبرمجة وتنفيذا، ومتابعة ومحاسبة.

إن سادت هذه المبادئ سيكون هذا هو صمام الأمان، ويكون الاختلاف آنذاك بين فرقاء الساحة السياسية عامل إثراء، وينتج جودة في تدبير الشأن العام، دون هذا لن يكون هناك صمام أمان، قد يكون الموضوع صمام أمان لفئة ضد فئة، ولكن آنذاك سنفقد أهم مقوم من مقومات الدولة وهو إرادة العيش المشترك.

سؤال:

الفصل 19 من الدستور المغربي يخول للملك صلاحيات دينية متمثلة في اعتباره أميرا للمؤمنين، وصلاحيات سياسية. ما هو رأيكم في الفصل 19؟ وهل أنتم مع حذف هذا الفصل أو إحداث تغيير به؟

جواب:

النظر إلى الفصل 19 بمعزل عن باقي فصول الدستور، مزلق منهجي. والنظر إلى الفصل 19 بمعزل عام عن السياق العام الذي أنتجه مزلق سياسي.

لهذا فالفصل 19 يجب النظر إليه على أنه فصل كباقي فصول الدستور، ويجري عليه ما يجري بالضرورة على باقي الفصول، ولذلك فالمطالبة بتعديله أو إلغائه أو التحفظ عليه مسألة عادية. ربما هناك بعض الأمور التي جعلت التعامل مع الفصل 19 غير عادي، يمكن إجمالها في:

أولا: صياغته كانت فضفاضة وقريبة إلى لغة الإنشاء والأدب منها إلى لغة القانون الدقيقة.

ثانيا: تعامل العديد من الفقهاء الدستورين معه، ويمكن أن نصنف ثلاثة أصناف من الفقهاء الدستورين الذين تعاملوا مع هذا الفصل.

هناك الفقهاء الدستوريين القريبين من السلطة والمحسوبين عليها، هؤلاء حاولوا أن يضفوا عليه صبغة دستور خاص وسط دستور عام ، فأعطوه مكانة متميزة وحرصوا على توظيفه لتبرير كل خطوات الملك ومبادراته التي لا تجد سندا لها في باقي فصول الدستور، وتصرفوا على أن عبارة “أمير المؤمنين” أو “حامي حمى الملة والدين” شيك على بياض يمنح لصاحبه حق التصرف بدون حدود.

الصنف الثاني هم الفقهاء الدستوريون الأجانب، وهؤلاء انطلقوا من الدلالات الدينية لعبارة الفصل واستنتجوا منها أنها عبارة تفيد السلطة المطلقة للحاكم، ومنع الرعية من إبداء رأيهم ووجهة نظرهم، وهم استندوا في ذلك إلى موروث الفقه الإسلامي الذي أنتجه فقهاء زمن سيادة الحكم العاض والجبري، أو تصرفوا بناءا على نظريات الحكم الإلهي التي أنتجتها الممارسة السياسية داخل بلدانهم فصنفوا هذا النظام السياسي على أنه تيوقراطي يستمد فيه الحاكم سلطاته مباشرة من الله، ولا يحق للبشر أن يحاسبه.

الصنف الثالث هم بعض الفقهاء وأساتذة القانون الدستوري المغاربة الذين تتلمذوا على هذين الصنفين، وهؤلاء أخذوا مجموعة أفكارهم على أساس أنها مسلمات وبنوا عليها أحكاما ونظريات أهمها أن من مقتضيات إمارة المؤمنين احتكار الحاكم للسلطة الدينية تأويلا وممارسة، وانفراده بالمجال الديني بحيث لا يقبل أي منافس أو شريك له في هذا المجال.

هذا التحليل غير صحيح بالنظر إلى السياق العام الذي أفرز هذا المفهوم، ولا للمقتضيات التي يمكن أن ينتج عنها.

والملاحظة الأخيرة حول الفصل 19 هي أن السياسيين هم الذين وضعوا سقفا سياسيا معينا للتعاطي معه، حيث اعتبروه من الخطوط الحمراء وأذكر هنا بما حدث للاتحاديين حين أرادوا الانسحاب من البرلمان فخطب الراحل الحسن الثاني وقال “إن كان الدستور يمنح لكم هذه الصلاحية، فأنا بصفتي أمير المؤمنين أمنعكم من هذه الصلاحية، ومن خالف ذلك فقد خرج عن الجماعة” لهذا فالسياسيون وضعوا سقفا معينا للتعاطي مع هذا الفصل.

أخيرا أؤكد أن الفصل 19 جزء من دستور مليء بالثغرات وعليه مجموعة من الملاحظات، سواء على مستوى الشكل الذي أقر به، أي أنه دستور ممنوح، صيغ في أجواء بعيدة عن الشعب ودون إشراك كل الفاعلين، دستور وضع في ظروف مأزومة استغلت ضعف المعارضة واستعدادها للمقايضة بالدستور مقابل امتيازات يحصلون عليها؛ أو على مستوى المضمون لأنه يكرس جمع السلط، ولا يخضع من يتمتع بصلاحيات للمحاسبة، وبعيد عن المعايير الكونية للدساتير الديمقراطية.

سؤال:

يسجل البعض أن المغرب حاليا يروم خلق حركية جديدة في الحقل الديني، وهذا ما أشار إليه البروز العلني لزوجة الملك وكذا التحكيم الملكي في مدونة الأسرة. كيف تقرؤون هذه الاستراتيجية الجديدة في تدبير الحقل الديني؟

جواب:

كلامك يرتكز على وقائع وأنا شخصيا لا تجعلني وقائع متناثرة مظروفة بظروف وخلفيات معينة أعيد النظر في طريقة تدبير سياسات عامة، ولكنني أركز على السياسات العامة وأشكال تنفيذها سواء فيما يرتبط بالتشريعات أو الإمكانيات المرصودة لها أو طرق تولي المناصب العامة وأشكال المحاسبة. هذا هو الأساس، أما الوقائع المتناثرة فهي ترتبط أساسا بخلفيات وقد تكون نتيجة ضغوطات أو غير ذلك.. ونحن لا نريد أن ندخل في النوايا، لماذا هذا الإجراء أو ذاك؟ ولكن نحكم على تغيير نوعي وعلى قيمة مضافة من خلال هذه الأسس التي سبق الحديث عنها.

بالنسبة إلي الحقل الديني بالمغرب ظل دائما مسيرا بإرادة منفردة للسلطة، مغيبة لكل العلماء غير المرتبطين بها، توظفه السلطة في مجالات محددة وفي مناسبات محددة حسب رغبتها. هذه بالنسبة إلي منطلقات منهجية تجعل تدبير الحقل الديني يسير في الاتجاه غير الصحيح.

سؤال:

دعاة العلمانية ينادون بالفصل التام بين السياسة والدين، وحجتهم في ذلك أن الحركات الإسلامية تستغل الدين في أمور سياسية تخرجه من وظيفته الأساسية والمتعلقة بجانب العبادات والأخلاق. ما هو ردكم على القائلين بهذا التصور؟

جواب:

هناك صنفان من أصحاب هذه المؤاخذات، صنف يعاني من التباس فكري حول علاقة الدين بالسياسة أو في علاقة الدين بكل مجالات العمل المجتمعي. وجزء كبير من هؤلاء معذور لأنه ضحية نظام تعليمي واستعمار ثقافي لقنه أن الدين شأن خاص بين العبد وربه. أو أنه تأثر بممارسات شاذة ومنحرفة فعممها على الدين كله، هؤلاء يجب أن نفتح معهم النقاش حول الدين والإسلام، وما هي أبعاده وما هي مجالات تأثيره، وما هي الضوابط لذلك، لكي نؤسس لحوار مجتمعي على أسس صحيحة.

وفي هذا الصدد ينبغي أن نميز بين الإسلام كنصوص، وبين الإسلام كوقائع أفرزتها ممارسة المسلمين طيلة قرون ساد في أغلبها حكم عاض مستبد وظالم، ونسبت إليه خلالها مجموعة من الاجتهادات المفروضة التي أنتجتها الشروط الزمانية والمكانية. نفهم هؤلاء بالحوار أنه حدث انكسار تاريخي حول الخلافة الشورية العدلية إلى ملك عاض مستبد حكم الأمة بالسيف والزيف.

ومع هؤلاء نصل إلى ضمانات تعصمنا من الظلم والاستبداد، ونفتح باب الاجتهاد الجماعي لنجتهد لزماننا ومكاننا نموذجا يناسبنا.

بهذا سندخل المدخل الصحيح لحل هذه المشاكل إذا كان حادينا في كل ما نقول الحرص على مصلحة البلاد وعلى مستقبلها ورغبة أكيدة في العيش المشترك تحت سقف مشترك هو مذا البلد الذي ولدنا وترعرعنا فيه ونتحسر كلما رأينا أيادي الفساد تعبث بثرواته ومقدراته وكفاءاته.

وهناك صنف آخر يتخوف على مصالحه وامتيازاته، وعلى هؤلاء أن يراجعوا أنفسهم فعلينا جميعا أن نرضى باختيار الشعب ويكفينا ما ضاع من الوقت والجهد ولننظر إلى التحديات التي تنتظرنا لنعرف أن لا خلاص لنا إلا بالتمسك بوحدتنا وقد شكل الإسلام دوما الضامن لها.