الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الهادي إلى صراط مستقيم، وعلى كل من دعا بدعوته، واقتدى بسنته.

   أما بعد،

   فإن الإنسانية في مجملها تتعرض اليوم لضغوط عنيفة من حاجاتها الاقتصادية وضرورة تنظيم الموارد وتقنين استغلالها، وتتعرض لتضاغط القوميات والقوى العسكرية بعضها على بعض إرادة الاستئثار بخيرات الأرض والظهور الحضاري والتفوق الثقافي، والمسلمون في الأرض ضعاف مغلوبون مسلوبون، يعانون الضغوط العالمية ويتدحرجون على هامش الصراع العملاق حين يكون بلدهم فقيرا، وتحت كلكل الإرادات المستغلة وتهديدها إن تكن ببلدهم خيرات يتلهف عليها الاقتصاد الجاهلي المحموم.

   وفي معمعان الصراع العالمي ترتفع أصوات الدعوات إلى الباطل من غرب الجاهلية وشرقها على شكل إديولوجيات تصور الإنسان دابة اقتصادية تتصارع قطعانها على المعاش وتوزيعه، إما تقترح تأطير القطيع وسوقه إلى “جنة الشيوعية” وإما تندب حظ القطيع المسلوب الحرية وتنادي على بضاعات السوق الحرة في الغرب الرأسمالي حيث ينظم القطيع في طوابير يحدوها نشدان اللذة وتعصرها عصرا شديدا مقتضيات الإنتاجية والجدوى والفاعلية.

   تلك دعوات الجاهلية في كلمتين، يسمعها المسلمون ويقرأونها حين ينظمها أو يكتبها الجاهليون، وحين ترددها ذريتنا الخاسرة المرتدة بين ظهرانينا، ويعانيها المسلمون معاناة سلبية حين تخاطبهم بلسان الحاجة اليومية يضخم من تنزلها علينا فراغ أسواقنا إلا من بضاعاتهم وفراغ عقولنا إلا من أفكارهم وفراغ قلوبنا إلا من حوافز جاهلية صرفة أو جاهلية منافقة يصبغها لنا المرتدون من الذرية بصباغ مزيف في معرض الواجهات القومية المتنابزة بالألقاب.

   على بساط فقرنا الذي لا تبرئنا منه الدولارات المتكاثرة لدى بعضنا، وعلى بساط العنف الذي يبطش بنا من تكالب الأمم علينا ومن عدوان طائفة منا على طائفة، وعلى بساط الذلة بعد أن هزمتنا شرذمة من الصهيونيين، ماذا تكون دعوة الإسلاميين، وهم الفئة اليقظة من المسلمين وسط السبات العام عن الحق، لإخوانهم وللعالم؟ إنها إلا تكن دعوة إلى الله تكن دعوة جزئية وتكن عاجزة عن توضيح المبهم في طريق المسلمين وطريق الإنسانية، وعن الهداية لغاية طريق الإنسان في رحلته بين لحظة الميلاد الجسمي والموت الجسمي وما بعد الموت من حياة أبدية، إنها إن تكن دعوة مقابلة للدعوات الجاهلية على مستوى المعاني الأرضية والحاجات الحسية لن تعدو أن تكون إديولوحية مصبوغة قاصرة، نعم لا بد أن نذكر المسلمين ونذكر الإنسانية كلها الحاضرة والمستقبلة أن الإسلام يعني فيما يعني أن يسود العدل المجتمع البشري وأن يعطي الإنسان حرياته وحقوقه، وإذا جادلنا المعاند الكافر أو المرتد الممسوخ واحتج بالتاريخ كما يفهمه واحتج بتخلف المسلمين وعزى ذلك لإسلامهم فإن منطلقنا، لنتجاوز العناد والجهل بالإسلام والكيد الصغير له، أن نرفع الحوار إلى أفق المعنى والغاية، إلى أفق المصير بعد الموت، إلى الله عز وجل، وأن نربط دعوتنا، معشر الإسلاميين، موكب النور، موكب النبيئين والشهداء والصالحين منذ آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام حين تنزل بالعدل والإسلام، ينبغي أن نرفع الدعوة إلى الله ونربطها بحلقات السلسلة النورانية من رجال الدعوة إلى الله الذين دانوا الله بالإسلام لا فرق في ذلك بين آدم وإبراهيم الذي سمانا مسلمين ومحمد الأمين عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

   الدعوة الإسلامية دعوة إلى الله فذاك سموها، ودعوة إلى المسلمين النائمين عن الحق ثم إلى الناس أجمعين فذاك عمومها، ومن خلال الدعوة وأثناءها بعد أن تتفتح لها القلوب، وتستنير بها العقول، وتلتفت لها الوجوه المعرضة عن ربها إلى نور الهداية الربانية الموحى بها إلى الرسل والنبيين، يولد في ضمائر المسلمين وضمائر من يستجيب لدعوتهم من الناس قبول شريعة الله وقانونه المنزل، وتولد رغبة عند رجال الدولة المسلمين أن يحكموا بما أنزل الله، وعند علماء المسلمين همة ليجتهدوا في منهاج إسلامي لحل الأسئلة التي تطرحها على الأمة معقدات الاقتصاد والتنظيم والتربية والتسليم وعند الفريقين عزمة للتعاون على البر والتقوى.

   إن دعوتنا دعوة إلى الله لكنها تنبعث في زمان ومكان، ليست نداء ملائكيا في جو معقم، فما بد أن نغالب عليها بكل ما نملك من صدق -تيارات الكفر السائدة بسيادة الجاهلية على الأرض، وعواصف الشك والخوف المتحكمان في علاقات الحكام والمحكومين ببلاد الإسلام، وفي علاقات طوائف المسلمين بعضهم ببعض، وما بد من أن نصدق إخواننا من رجال الدعوة وإخواننا من رجال الأحزاب السياسية وإخواننا من رجال السلطة والحكم بحقيقة انتمائنا وحقيقة قيادتنا وحقيقة ما نريد.

   من كلمة ماضية إلى طريقها موجزة نقول: إن انتماءنا إلى الله وحده وإلى رسوله والمومنين، وإن قيادتنا وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإننا نعمل لتكون كلمة الله هي العليا، فذاك ما نريد، ثم ندعو الناس جميعا لينتموا لما ننتمي إليه، وندعوهم ليكتشفوا أن لله رسلا بعثهم إلينا بالحق وجعل إمامهم رجلا اسمه محمد بن عبد الله عليه سلام الله وصلاته، وندعوهم للعمل على نيل السعادة الأبدية بإسلام وجوههم إلى الله والاحتكام إليه وطاعته والاعتراف بسيادته، ويعني هذا أن كل ولاء غير الولاء لله وفي الله نحن برءاء منه، وأن كل إسلام ليس على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليس منا ولسنا منه، وأن كل كلمة لا تترجم عن كلمة الله في كتبه المبين ضلال وغواية.

   وقد أوجزنا الجواب عن سؤال أهل الإيمان رجال الدعوة وأهل السياسات وأهل السلطان ليعرف الكل، إن قدروا، أن الحق غايتنا وأن الصدق رائدنا ننفذ إلى موضوع هذه المجلة وهو التماس الحكمة، ونعني بالتماس الحكمة البحث عن الصورة الكاملة للدولة الإسلامية المنشودة في تضرعات رجال الله المجاهدين، الموعودة في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام ربنا عز وجل الذي تكفل لنا، إن آمنا وعملنا الصالحات، أن يستخلفنا في الأرض وأن يمكن لنا ديننا الذي ارتضى لنا وأن يبدلنا من بعد خوفنا أمنا.

   نعم، هذا معنى التماسنا الحكمة، ونعرض ذلك إن شاء الله بحكمة، وإلى الحكمة ندعو رجال الدولة في بلاد المسلمين فنعرض عليهم أن يرفعوا سوطهم عن رجال الدعوة، فإن سجون بعضهم لا يزال يئن فيها المعذبون من المسلمين، وإلى الحكمة ندعو رجال الحكم في بلدنا المغرب بمثل ما ندعو إليه زملاءهم في بلاد الإسلام وبأن يوسعوا لنا على مائدة الديموقراطية إن أرادت هذه لنفسها وقارا ويرفعوا عن الإسلاميين الحجر حتى نتنظم على وضح النهار، أفليس لنا حق إلا في معاتم التنظيمات السرية التي يلجئ إليها بعض حكام المسلمين أمة الخير أمة الدعوة لينصبوا لها بعدئذ الفخاخ؟ إن أعداءنا من الذرية الخاسرة المرتدة من الشيوعيين وأضرابهم يزعمون أن الإسلام يعني التعصب الديني ويعني التخلف ويعني العنف، ويحطون بكل وزنهم ونفوذهم لتحظر تنظيمات الإسلاميين حتى يضطر شباب هؤلاء المتحمس النابض غيرة وطهارة إلى استعمال وسائل لحركية السرية فتنفض عليهم مخالب العداء وتخلى منهم الميدان ليصفو الجو لدعاة الباطل والزنادقة، فمن الحكمة أن يستيقظ الحكام لهذا الكيد سيما في المغرب الديمقراطي، ألا وإننا لن نعنف ولن نقر عنفا ولن يدفعنا لصبيانيات التنظيم السري من يكرهون لنا النمو والرجولة. ألا إننا قوم مجاهدون نحدث أنفسنا بجهاد ونريد جهادا ونسمي عملنا جهادا، وما دامت بلادنا الإسلامية دار إسلام يسمح فيها أن تنظم أحزاب “مسلمة” شيوعية أو اشتراكية، وأخرى مسلمة قومية عن يمين هؤلاء أو هؤلاء، فلم لا يسمح بتنظيم مسلم إسلامي لا توضع كلمة من وصفية بين هلالين لأنه يدرك مسؤوليته كعامل يوقظ الوسنانين وينبه الغافلين؟

   هذه المجلة الملتمسة الحكمة تطالب أول ما تطالب بإنصاف الإسلاميين ورفع اليد عنهم، وتطالب بمنحهم حق المواطنة وحق التعبير وإلا فواخجلة الديمقراطية ! وتطالب أن يعترف لهم بحق التجمع والتنظيم وإلا فهو اعتراف لدعاة الباطل بأن ما يسعون إليه بكل نفوذهم من طرحنا على هامش العمل السياسي هو المصير المحتوم الذي تذخره لنا الدولة أيضا، ولعل هذه تفهم أن عاطفة الأمة معنا، وأن هذه الأمة لن تتحرك الحركة الحية القوية إلا باليقظة الإسلامية التي نريدها، وأن كبتنا واضطهادنا في مصر وغير مصر، في ليبيا وخارجها، إنما هو زرع للكراهية لن يغص بحصاده إلا رجال الحكم إخواننا الذين ننصح لهم فلا يسمعون نصحنا.

   ها نحن أولا، نفتح ذراعي الأخوة واسعين لرجال السياسة مهما كانت انتماءاتهم الحزبية، خلا الشيوعيين الملاحدة ومن جهر بالفسق، واستهان بالدين، ونفتح ذراعي الأخوة واسعين لرجال الحكم ما أقاموا الصلاة، نفعل ذلك عن صدق لا عن تملق أو خوف لكن لنبدأ بكلمة الرفق والرحمة حوارا هادئا نذكر فيه لهؤلاء وأولئك أن الإسلام ما بعث الله برسالته النبيين ليقتلوا الناس بل ليحيوهم، وأن الإسلام يترعرع في جو الرحمة من بذرة المحبة، وأن نظرتهم المسبقة عن الإسلام أنه تزمت وإرهاب وعنف وجمود فكري، أو رجعية أو تطرف أو غير ذلك لا تليق بعاقل مفكر يعلم أن أعداء الإسلام حرصوا عبر القرون ويحرصون أن يكرهوا لنا ديننا ويعموه عنا بضباب أراجيفهم، فاسمعوا لنا إخواننا إن شئتم، وإن تعرضوا وتتكبروا فالله غني عن العالمين، وما نحن إلا حملة رسالته وسينصر الله دينه كما وعد، فاعلموا، إخبار غير طامع في رفد مخلوق منكم، أن الإديولوجيات مفلسة لا محالة في أرضنا الإسلامية ولن ينبت فيها إلا الإسلام ويصلح فكرا مستنيرا، وعملا ماضيا، وجهادا لتبليغ كلمة الله للعالمين.