“فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب” قرآن كريم

   أي بلاغ؟ وأي تصور؟ أية رؤية يجب أن يحملها الإبداع الأدبي الإسلامي في زمن الفتنة؟ الإبداع الأدبي بما هو إبداع إنساني معبر عن الذات وعن الآلام والآمال، في زمن سيطرت فيه الفنون الدوابية التي تعتمد الكلمة الرخيصة السافلة والإيقاع المرقص المخنث، تشتغل على إيقاظ اللذات الخسيسة وزند أوارها وإثارة العواطف الملتهبة التافهة وترفع كل سقيم عليل الذرى الفن السامق.

في اللغة:

   “البلاغ والبلوغ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى. والبلاغ التبليغ “قال ذلك الراغب الأصفهاني. (1)

   قال الله عز وجل: “هذا بلاغ للناس”( إبراهيم/54).

   قال الله عز وجل: ” بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون” (الأحقاف/34).

   وقال: “وما علينا إلا البلاغ المبين”( يس/16).

   وقال: “فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب” (الرعد/41).

   وقال: “أبلغكم رسالات ربي”(الأعراف/61).

   مأمورون نحن بالبلاغ عن الله عز وجل وعن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم للناس أجمعين، حتى لا يهلكوا هلاك الفاسقين، بلاغا مبينا حكيما للرسالة الربانية إلى خلقه من الثقلين.

   ما الذي أنزل إلى الرسول من ربه؟ وما رسالات ربه؟

   يقول عز من قائل مخاطبا رسوله الكريم:

   “يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين” (المائدة 69).

   رسالة الله إلى خلقه أن تذكرنا ربنا وتحببنا إليه، وتدعونا إلى عبادته والاستعداد إلى لقياه والتشوف إلى ما عنده، والترقي في مدارج الدين، طلبا للزلفى منه ونيل رضاه ورؤية وجهه الكريم، عسانا نكون من الفائزين المحبين المحبوبين المتقربين.

   ويوم يحيد الأدب الإسلامي عن هذه المعاني وما يدور في فلكها مما تستقيم معه الحياة الإنسانية ليعيش المرء في كنف يوفر له أجواء العبادة والتقرب، يوم يحيد لا يكون مبلغا أمينا عن الله ولا بلاغا مبينا عن رسالاته، ولا معصوما محفوظا من كيد الناس الفاسقين منهم والكافرين. والله عز وجل يتولى الحساب وهو خير حافظا.

   يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في هذا المعنى:

“ما بلغ رسالات الله أدباء دعاة قصروا عن خدمة البلاغ القرآني أو تحاشوا ذكر ما لا يسوغ ذكره في دين عصر مادي الحادي تكنولوجي علومي. لا يهدي الله عز وجل القوم الكافرين. ولا يهدي بأدب لم ينازل الآداب الكافرة…”(2).

   البلاغ القرآني المبين ذكر الله واليوم الآخر.

   البلاغ القرآني المبين مجاهدة ومنازلة للكافر.

   ولو كرهت حداثة الإلحاد، ولو استكبرت واستغشت ثيابها مادية الفساد والإفساد.

   إننا إذ نولي وجهتنا كتاب ربنا وسنة رسولنا المصطفى للبحث عن المعالم الواضحة التي ينبغي أن يكون عليها إبداعنا الفني الأدبي، نؤكد أن القرآن الكريم وان تحدث عن الشعر والشعراء، فهو ليس جنسا أدبيا أو مجالا تنظيريا نقديا لماهية الادب وفنونه. إنما القرآن وحي، كلام الله عز وجل:

   “إن هو إلا ذكر وقران مبين” (يس/68).

   هو ذكر يتذكر به الإنسان حقيقته ويعرف خالقه فيعبده ويذكره.

   وهو قرآن بمعنى مقروء مجموع مبين عن الحق ومنهاج السلوك عليه.

   نقف عند آيات الله عز وجل في كتابه من سورة الشعراء حيث يقول:

   “والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر انهم في كل واد يهيمون وانهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” (الشعراء/226).

   ونقف عند ما ذكره المفسرون رحمهم الله بصدد هذه الآيات:

   قال ابن عطية الأندلسي رحمه الله:

   “ويدخل في الآية كل شاعر مخلط يهجو أو يمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور.. (في كل واد يهيمون) عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث الكلام وباطله وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن… (وانهم يقولون مالا يفعلون) ذكر لتعاطيهم وتعمقهم في مجاز الكلام حتى يؤول إلى الكذب”.(3)

   التخليط والقذف والزور أودية البهتان يهيم فيها الكذابون ممن يقلبون الحقائق، ويحولون ويبدلون المعاني ويقصدون إلى السيئ الخبيث، فلا اعتبار عندنا لشعر التهويل والتضخيم والإفك، صنف الشيطنة الماردة المذيعة لكل نغيق(4) غافل لا يذكر الله إلا قليلا مذبذبا منصرفا إلى الغث السخيف. إنما الاعتبار كل الاعتبار للشعر التقي الذاكر القائم الشاهد بالقسط المجاهد بالحق.

   أورد السيد الشهيد سيد قطب فيما نحن بصدده كلاما نفيسا تحدث فيه عن السمات المميزة للشعراء فهم عنده:

   – أسرى الانفعالات والعواطف المتحولة المتقلبة.

   – يتبعون المزاح والهوى ويهيمون في كل واد من وديان الشعور التصور والقول.(5)

   واستخلص هنا تصورا متميزا في ما يخص علاقة الإسلام بالإبداع والفن، يقول:

   “الإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ، وانما يحارب المنهج الذي سار عليه الشعر والفن منهج الأهواء والانفعالات التي لا ضابط لها. ومنهج الأحلام الموهمة التي تشغل أصحابها عن تحقيقها، أما حين تستقر الروح على منهج الإسلام وتتضح بتأثراتها الإسلامية شعرا وفنا وتعمل في الوقت ذاته على تحقيق هذه المشاعر النبيلة في دنيا الواقع ولا تكتفي بخلق عوالم وهمية تعيش فيها. وتدع واقع الحياة كما هو مشوها متخلفا قبيحا، وأما حين يكون للروح منهج ثابت يهدف إلى غاية إسلامية وحين ننظر إلى الدنيا فتراها من زاوية الإسلام في ضوء الإسلام، ثم تعبر عن هذا كله شعرا وفنا فأما عند ذلك فالإسلام لا يكره الشعر ولا يحارب الفن”(6)

   نقلنا النص على طوله لأنه واضح الدلالة على:

   – أن مادة الشعر والفن في الإسلام هي الاستقامة على نهج الله، والنفوذ إلى خبايا الروح الإنسانية في عمق فطرتها. هي واقع الناس العملي عبر طاقاتهم الخيرة الجميلة، هي ابتعاد عن الأحلام والأوهام، هي الكفاح الدائم الدائب لنصرة دين الله.

   – أن هذه الآيات الكريمة الآنفة تؤسس في العمق لتقابل ثنائي بين شعراء وشعراء، وبين إبداع وإبداع، هناك شعراء الضلالة والغواية، الخائضون في كل لغو، السالكون في شتى أفانين القول، الهائمون المنافقون الذين يقولون مالا يفعلون، وهناك شعراء مؤمنون عاملون ذاكرون مجاهدون صادقون.

   لقد كان الشعر في الجاهلية أداة لخدمة أغراض الجاهلية بفخرها وجهلها وعصبيتها، ووسيلة لإيقاظ الفتن وإشعال فتيل التناحر والتفاخر والتطاول والكذب والادعاء، وما كان الإسلام دين الحق والعدل والفضائل والصدق ليقر هذا الغي الشنيع، ولا ليرضى هذا البغي الفظيع.

   لقد واجه القران الكريم الشعر الذي كان الأداة الإعلامية التي حارب بها أعداء الله دين الله وآذوا رسول الله. من هنا نفهم هذا النقد الصريح للكذب في القول، واختراع الأباطيل، وذم الناس ومدح الفسقة الكذبة البطلة.

   أربع خصال يضعها القرآن الكريم للأدب الإسلامي المبلغ البليغ هي:

   – أدب مؤمن.

   – أدب عامل للصالحات.

   – أدب ذاكر.

   – أدب منتصر.

   وهي صفات ضد الأدب الغاوي الهاوي المتردي في ضلالات البغي والجهل، ضد أدب الكذب والنفاق والبهتان والاحتيال، ضد أدب الظلم المتسلط منذ عهود غابرة. يرصع الأديب الماجن رأس الملك الطاغية المتسلط بحبات الإبداع المنافقة ينال بها الجاه والمال.

   إن العبرة بالقدوة والمثال، بالحفاظ على القيم الدينية الثابتة، بإبداع العمل لا إبداع السحر المتخيل، بإبداع الذاكر اليقظ لا الغافل الوسنان، بإبداع المستنكر المنتصر لا المستكبر القاعد.

   أديبنا الإسلامي الملتزم إذن أديب مخلص الوجهة لله مؤمن بالله ورسوله، لا يدعو إلى شرك أو معصية، يعمل الصالحات ويذكر الله ذكرا كثيرا، لا يقذف أو يهجو ولا يمدح أو يتزلف، لا تشطح به خيالاته وأحلامه. ثم هو بعد ناصر للحق منتصر له، مجاهد بلسانه وحجته لتبليغ دعوة ربه ليكون من المبلغين للرسالة المؤدين للأمانة.

   يكون الأدب الإسلامي بلاغا مبينا حين:

   – يدل على الله في جماله وكماله وجلاله سبحانه عز وجل.

   – يبلغ للإنسان معنى وجوده وغاية حياته وسر كينونته.

   – يعبر عن خلجات النفس المؤمنة بالله العالمة بشرعه العاملة بنهجه.

   – يجسد هموم الناس الحياتية الواقعية الآنية.

   – يجاهد ضد الظلم والاستبداد ويناضل ضد القمع والفساد.

   بصفة مجملة، يكون الأدب الإسلامي إسلاميا حقا حين يبلغ كلمة الحق إلى الناس، ولما يباين الباطل وآفاته، ويقصد الخير ومكرماته. بكلمة واحدة حين يكون عبدا خاضعا لله مؤمنا بالغيب مصدقا بالوعد مستبشرا بما عند المولى القدير.

   إن الانبعاث من الإيمان والإسلام لا يعني ضرورة أن يكون الإبداع الفني الإسلامي وحشا منفرا إبداعا غير مبشر ولا ميسر. وإنما يكون نظرة في آفاق الكون الرحيب تفكرا واعتبارا ممزوجين بإحساس راق متذوق للجمال البهي اللابس لبوس التأثير القرآني نفسه ببلاغته وجماله يمتح منهما تأليفا صافيا عاليا مشتملا للإقناع والإمتاع.

   يقول سيد قطب في هذا المعنى الفريد:

   “وليس من الضروري أن يكون (يقصد الشعر الإسلامي) دفاعا ولا دفعا ولا أن يكون دعوة مباشرة للإسلام ولا تمجيدا له أو لأيام الإسلام ورجاله… ليس من الضروري أن يكون في هذه الموضوعات ليكون الشعر إسلاميا. وإن نظرة إلى سريان الليل وتنفس الصبح ممزوجة بشعور المسلم الذي يربط هذه المشاهد بالله في حسه لهي الشعر الإسلامي في صميمه، وإن لحظة إشراق أو اتصال بالله أو بها الوجود الذي أبدعه الله لكفيلة أن تنشئ شعرا يرضاه الإسلام”.(7)

   حمل رسالة القران إذن إلى بني الإنسان بصدق ووضوح، هو معنى كون الأدب بلاغا مبينا، أي إيصالا لمعاني الحق والخير من أجل التأثير والإقناع، وإحداث الوقع المثمر للاستجابة للنداء نداء الحياة الدائمة الباقية.

   إن البلاغة يورد الراغب الأصفهاني تقال على وجهين:

   “أحدهما: أن يكون بذاته بليغا وذلك بأن يجمع ثلاثة أوصاف:

   صوبا في موضوع لغته، وطبقا للمعنى المقصود به، وصدقا في نفسه، ومتى اخترم وصف من ذلك كان ناقصا في البلاغة.

   والثاني: أن يكون بليغا باعتبار القائل والمقول له وهوان يقصد القائل أمرا فيورده على وجه حقيق أن يقبله المقول له”(8).

   يخترم وسم البلاغة إن لم يكن موضوع الأدب صائبا مطابقا للمعنى المقصود المراد، وينقص وصف البلاغة إن لم يكن للأديب المسلم مقصدا وغاية يوردهما على طريقة يقبلها المتلقي وبأسلوب يرضاه وعلى وجه يستجيب له ويتأثر به وينفعل له.

الهوامش:

(1) “مفردات ألفاظ القرآن”. الراغب الأصفهاني دار القلم ص. 145-144.

(2) “المنظومة الوعظية”. الأستاذ عبد السلام ياسين ص 30.

(3) “المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز” أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي. ص. 1412. 1411. 141.

(4) نغق الغراب ينغق صاح غيق.

(5) “في ظلال القرآن” سيد قطب ج5/2621.

(6) نفسه. ج5/2622.

(7) “في ظلال القرآن” سيد قطب ص 2623. 2622.

(8) “مفردات ألفاظ القرآن” الراغب الأصفهاني ص 145.