أنهت هيأة الإنصاف والمصالحة عملها ورفعت تقريرها الذي تم الكشف عن جزء منه معلنة عن نتائج سنتين من العمل. نتائج يفترض أن تحدد بوضوح طبيعة الخلاصات ونوع الضمانات، خلاصات يستوجب فيها أن تكون دالة في تحديد ملامح انتهاك حقوق الإنسان في مغرب الأمس، وضمانات يستلزم أن تحيط الغد بسياج دولة الحق والقانون.

في هذا المقال نطرح سؤال الإطار العام الذي واكب اشتغال هيأة الإنصاف والمصالحة، من منطلق ارتباط القضية بالإطار، على أن نرجع في مقال خاص لندقق النظر في تقرير الهيئة.

1- هيئة الإنصاف والمصالحة .. في سياق التأسيستأسست هيئة الإنصاف والمصالحة في 7 يناير 2004 حينما ألقى الملك محمد السادس خطاب التنصيب، وهو الخطاب الذي اعتبر مرجعيا وموجها لأعمال الهيئة. خطاب التنصيب هذا، جاء ضمن مسار بدأ بمصادقة الملك على توصية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في 6 نونبر 2003 بإحداث لجنة خاصة، طبقا للمادة السابعة من ظهير 10 أبريل 2001 المتعلقة بإعادة تنظيم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، تسمى “هيئة الإنصاف والمصالحة”، ثم تعيين الملك، أيضا، رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة وأعضائها الستة عشر وتشكيلها من داخل المجلس الاستشاري ومن خارجه في 15 دجنبر 2003.

هذا التسلسل الذي يبرز فيه شخص الملك بقوة تأسيسا وتنصيبا وتوجيها وتعيينا، وتغيب فيه أطراف هامة في صياغة معادلة الحقيقة والإنصاف والمصالحة أنتج في النهاية لجنة عقدت حول نتائجها الآمال والأماني.

غير أن ولادة الهيئة جاءت في سياقين متنازعين، عام وخاص، أما العام فهو قول البعض بأن المغرب دشن عهدا جديدا في جميع المجالات ابتداء مع حكومة التناوب واكتمالا مع تربع ملك جديد هو محمد السادس على عرش مملكة المغرب. وما رافق هذا السياق العام من إجراءات وقوانين والتزامات أخلاقية وسياسية، قيل أنها تؤسس لمغرب جديد.

أماني السياق العام هذا، اصطدمت بحقائق سياق آخر خاص، خالف بل ناقض معالم السياق الأول. إذ تميز زمن التأسيس بتشريع مساطر قانونية تراجعية وسلوكات سياسية قمعية في حق الكثير من مكونات المجتمع المغربي، ونكتفي هنا بذكر الخروقات والانتهاكات غير الحصرية والمتناقضة تماما مع المغرب الموعود، التي ارتبطت بملف 16 ماي وما تبعه من غياب أي التزام أخلاقي أو قانوني أو سياسي من نظام حكم يتهيأ ليلج عهدا جديدا.

هكذا تأسست هيأة الإنصاف والمصالحة في سياق مضبب، يتعارض فيه القول مع الفعل والشعارات الكبرى مع التدابير اليومية لقضايا المجتمع.

2- هيأة الإنصاف والمصالحة .. في تحدي الإنجازتأسست هيأة الإنصاف والمصالحة كي تحقق إنجازات معينة وأهداف محددة، كشف الحقيقة، إنصاف الضحايا، والمصالحة العامة.

الاطلاع على الظهير المؤسس للهيأة والقانون المنظم والوثائق المرفقة وملخص تقريرها، ومتابعة طريقة اشتغالها، يشكك في جدية الأهداف الموعودة إن لم نقل يفندها.

وأطرح هنا بعض أهم انتقادات الفاعلين في المجال الحقوقي والسياسي والمدني.

– في كشف الحقيقة: حرصت الهيأة بتعليمات فوقية على عدم الكشف عن الحقيقة كاملة، إذ مربع اشتغالها كان ضيقا بحيث ضيع حقائق كبرى ارتبطت بمستويات النوع والزمن والمسؤولية.

أولا: من حيث النوع: حصرت الهيأة مجال اشتغالها في نوعين من أنواع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وهي الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي. والحال أن أشكال الانتهاكات التي وقعت والمعروفة كونيا أوسع من ذلك بكثير، منها المحاكمة غير العادلة والإعدام خارج نطاق القانون والنفي القسري والإقامة الإجبارية…وغيرها كثير.

ثانيا: من حيث الزمن: حدد المجال الزمني لبحث الهيأة من 1956 إلى 1999، وهو أمر مستغرب ومخالف لما كان ينبغي أن يسير عليه الأمر، أي امتداد اشتغالها إلى حدود زمن التأسيس. خاصة وقد وقعت خروقات وانتهاكات جد جسيمة بعد سنة 1999، وأقصد هنا ما مس معتقلي ما يعرف ب” السلفية الجهادية”، والتحكمات المستمرة في حق الجسم الصحفي والمكونات السياسية والتدخلات العنيفة ضد احتجاجات المدن والتي أدت في بعض الحالات إلى القتل.

إن هذا الإلغاء الزمني لجزء من تاريخنا الحديث لا معنى له إلا التبرئة المسبقة قبل أي نظر أو نقاش لعهد محمد السادس.

ثالثا: من حيث تحديد المسؤوليات: مسؤولية من، أن يضيع نصف قرن من عمر هذا الشعب؟ من اختطف، واعتقل، وعذب، وقتل؟ ولماذا؟.

الهيأة تريد جوابا عاما، مسؤولية “العهد القديم” هكذا، أو جوابا مشتركا في تحميل المسؤولية، الدولة وقوى المجتمع. دون تخصيص وتدقيق في هوية المسئول وحجم المسؤولية، ما مسؤولية الملكية، فيما وقع؟ وجهاز المخابرات؟ والجيش وكافة الأجهزة الأمنية؟ والحكومة والقضاء؟.

أسئلة لا زالت عالقة، ولا أظن أن جوابا ما يلوح في الأفق، والجواب ضروري للانخراط في “المرحلة الجديدة” المُتحدث عنها.

– في إنصاف الضحايا: ما معنى أن ننصف ضحايا سنوات الرصاص؟ وهل زهرة الحياة، التي عانى أغلب الضحايا في مرحلتها، تعوض بلحظات حكي وقص؟ أيمكن أن نعوض الضحية عن آلامه وآهاته ومحنه في أيام الوحشة والعذاب والإهانة بدراهم مهما بلغت قيمتها؟ ببساطة، هل للكرامة ثمن؟ ولماذا حصر جبر الضرر في الجانب المالي والصحي فقط؟.

أحد أهم آليات تعويض الضحايا، بعد الاعتذار الرسمي لهم من قبل الدولة، هو القطع الفعلي مع عقلية الجلاد والتأسيس الحقيقي لزمن لا يتكرر فيه ما حدث في الماضي الأليم، وضمان أن الأبناء لن تهان كرامتهم كما أهينة كرامة الآباء.

ومن الغرابة، التي تنفي كل أباطيل الإنصاف، أن يستمر بعض جلادي الأمس في تحمل مسؤوليات وازنة في مغرب اليوم، إذ لا أقل من إبعادهم عن المناصب التي ارتكبوا باسم سلطتها جرائمهم الشنعاء، إن لم يكن إعمال مبدإ المساءلة الجنائية وعدم الإفلات من العقاب كما يطالب بذلك جل الفاعلين الحقوقيين وكما ورد بذلك تقرير منظمة “هيومان ريتس ووتش” في الموضوع.

– في المصالحة العامة: بعد جبر أضرار المعنيين المباشرين، تأتي المصالحة العامة وهي الأهم. والمصالحة العامة، تعني فيما تعني، أن تكون كل الأطراف مشاركة في صياغة لحظة الانتقال، إذ يفترض أن يكون السياق المجتمعي والسياسي الذي واكب تأسيس هيأة الإنصاف والمصالحة، هو سياق ما يعرف بالمرحلة الانتقالية وما العدالة الانتقالية إلا أحد أبعادها.

المصالحة العامة تعني انتقال الدولة، ويدها في يد المجتمع، من وضع منبوذ إلى آخر محمود، والانخراط في التغيير والإصلاح لا الجمود على الاجترار والاستمرار.

المصالحة العامة تعني اتفاق الجميع على أساس من الإرادة الحقيقية والمسؤوليات الواضحة، من خلال تعاقد اجتماعي يضع النقط فوق الحروف دفعا لكل شخصنة للحكم وخوصصة للسلطة، لأن السلطة المطلقة استبداد وفساد.

المصالحة العامة تمر عبر التقعيد لآليات جديدة ديمقراطية تقر حكم الشعب وسيادته على نفسه، والسيادة تعني القدرة على تحديد الوجهة واختيار الموَجٌِه.

المصالحة العامة وضع اقتصادي ونفَس اجتماعي وروح أمل تشع في سائر شرائح المجتمع تدمج الجميع في وطن الجميع.

لا أظن أن شيئا من هذا تحقق في ظل واقع يعرفه كل المغاربة، ويكتوي بلظاه الجميع، إذ في المغرب الحبيب تسيب واضح في المسؤولية وتركيز تام للسلطة في شخص الملك.

في المغرب قبة تشريعية خالية الوفاض والوظيفة. في المغرب تذمر عام ويأس وقلة إحساس بالانتماء إلى وطن لفظ مواطنيه.

تلكم بعض ملامح المرحلة الانتقالية التي تقتضي مصالحة عامة، وذلكم هو واقعنا المغربي، لذلك فعندما يغيب الإطار العام تنعدم جدوى الاستئناس بهيأة حقوقية، ويصبح جبر ضرر الماضي لا معنى له لأن الحاضر يتكسٌر.

مصالحة على المقاس، تلك إذن هي المصالحة التي يريد النظام السياسي المغربي من خلال هيئته، دون حقيقة كاملة ولا إنصاف معقول وفي غياب مرحلة انتقالية جديدة.

3- هيأة الإنصاف والمصالحة .. في سؤال الغايةطبيعي جدا، في وضع طبيعي، أن يطرح سؤال: لماذا تؤسس الدول هيآتها الحقوقية؟.

الإجابة في الوضع الطبيعي واضحة قاطعة، تُصالح الدولة مجتمعها عبر: كشف الحقيقة وإنصاف الشعب المظلوم، وتجاوز الأساليب غير السليمة في تدبير الشأن العام، ووضع الضمانات الحقيقية لكي لا يُستنسخ التاريخ في الحاضر والمستقبل.

وما دامت هذه الغايات غير ذات وجود في اعتبار دولتنا المغربية، فإن السؤال يبقى مطروحا والجواب يظل غائبا إلى إشعار آخر. وإلى هذا الإشعار يبقى فقه الاحتمال مجديا في إدراك الأشياء، خاصة عندما يكون الاحتمال راجحا غير مرجوح.

ما الذي يضطر الدولة إلى الدخول في غمار هذه التجربة مادامت الإرادة السياسية لم تنعقد بعد لتجاوز عقلية العهد البائد؟

قد تشير أحد الإجابات إلى الضغوط الخارجية التي مافتئت تؤكد على ضرورة احترام مقتضيات الدولة الديمقراطية ولو في حدها الأدنى، خاصة وأمريكا ما بعد 11 شتنبر، وفي إطار خطتها لحرب “الإرهاب”، تريد نوعا من الإصلاح الجزئي داخل الأنظمة العربية (مشروع الشرق الأوسط الكبير).

كما قد يكون للإكراهات الداخلية، تنامي المطالب الحقوقية والضغوط المدنية والسياسية والاحتجاجات الشعبية، ومحاولة السلطة امتصاص كل هذه المظاهر، معطى معقول في فهم خطوة الهيأة الحقوقية.

ناهيك عن حرص العهد الجديد على التخلص، وفق شروط معينة ودون تكلفة غالية، من التركة الثقيلة للعهد القديم.

وكيفما كان الحال، فالأكيد أن الأنظمة السياسية غير المنبثقة عن الإرادة الشعبية، كثيرا ما تجد نفسها قد وصلت إلى الأفق المسدود فتبحث عن مخارج ومنافذ يكون ظاهرها الإصلاح وباطنها الإفساد، ولعل هذا يدخل فيما يصطلح عليه في العلوم السياسية بـ”دينامية الاستبداد”.