مُلَحِّنُ هذه القطعة -ومؤديها في آنٍ- هو الفنان “محمد منذر سرميني”، من مواليد مدينة حلب(1) بسورية عام 1953م.

لَقَّبَتْه والدته بـ: “أبو الجود”. يعمل إلى حد الآن مهندساً مدنيا في مدينة حلب. أصدر ديوانين شعريين غنائيين: “سلوا أيامي” و”من الأعماق”. أصدر في السبعينيات من القرن الماضي سبعة أشرطة من ألحانه، وبدأ في السنوات الأخيرة في إصدار سلسلة من الأشرطة الجديدة بلغت إلى حدود كتابة هذه السطور أربعة، وهي من ألحانه كذلك؛ وله العشرات من الأشرطة سُجِّلَتْ له من الحفلات الحية التي يواظب على إحيائها داخل سورية وخارجها (مصر، أستراليا، سويسرا، الجزائر، المغرب…).

وقد سَلَكَ الأستاذ محمد منذر سرميني مسالكَ “الإنشاد الديني” الذي تشتهر به الشام، والذي يجد في المساجد والزوايا مجالاً وجمهوراً شديدَ الإقبال على التواشيح الدينية، خاصة في المناسبات الدينية التي تقام لها احتفالات متميزة. غير أن السيد السرميني أدخل على المادة الفنية المرتكزة أساساً على الموشحات والقدود ألوانَ أخرى كالمونولوج والنشيد والموال المستقل؛ ولاَمَس مضامينَ لَمْ تُطْرَقْ من قبلُ، وتبنَّى الفصحى لغةً للخطاب، وبَسَّط في الكلمات ليخاطب شريحة الشباب، وخَرَجَ بهذا الفن العريق من زوايا المساجد -حَيْثُ تَرَعْرَعَ- إلى المجتمع الفسيح، مع محافظته على روحِ المسجد التي تُلاَزِمُه في ما يُبْدِع إلى الآن.

والسيد محمد منذر سرميني فنان عصاميّ، لم يتلقَّ تكوينا موسيقيا في المعاهد المختصة، وعلى الرّغم من هذا فإن له درايةً كبيرةً بالمقامات والإيقاعات الموسيقية؛ ويبدو أن رهافةَ حسِّه وسرعةَ استيعابه وتدفُّقَ موهبته وذكاءَه الواضح والبِيئَةَ الفنيةَ التي ترعرع وُسْطَهَا أَهَّلَتْهُ للريادة في هذا الفن على مدى ثلاثين سنة؛ وإن كان يرَى أنه يحتاج إلى التجديد في أسلوبه الفني وشكله. وقد لحن إلى حد الآن أكثر من خمسمائة لحن، ويقول إن “مَنْسِيَّاتِه” أكثر بكثير.

نوعِ الصوتِ وطبيعتِه:

صوت الأستاذ السرميني من نوع الأصوات الحادّة «Ténor»، إذْ يصل أداؤُه في -عُلُوّاً- إلى درجة (سي بيمول/ جواب العجم) في راحة تامة نَأَتْ به عن الصراخ المُؤْذِي. ومساحة صوته تبلغ ديوانَيْنِ اثنَيْنِ، مما يَمْنَحُهُ حُرِّيَّةً كبيرة في “هَنْدَسَةِ” ألحانه التي تتميز باتساع مجالها الصوتية.

ومن خصائص صوت السيد سرميني قدرتُه على أداء كل الألوان الغنائية وَجُلِّ المضامين، بما تُتِيحُهُ طبيعته من إمكانيات تعبيرية جَيِّدة، رغم تشويه التقنيات البدائية التي سُجِّلَتْ بها مُعْظَمُ إبداعاته.

ولا يمكن الجزم بأن أداءً مُعَبِّراً مُدَقِّقاً في أدَقِّ التفاصيل اللحنية والغنائية يُمكن أن يولَدَ من رَحِمِ الأسلوب التطريبي الذي تعتمد عليه الموشحات والقدود الحلبية!

كما أن التجديد الذي أدخله هذا الفنان على الأساليب اللحنية التي استأنَسَتْ بها التواشيح الدينية بالشام زَمَاناً، يُشيرُ  ولو مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ- إلى “مَرْجِعِيَّاتٍ فنيةٍ” أخرى ساهمت في تشكيل ذائقةٍ وَظَّفَتْ لونَ المونولوج ذِي الأصل الإيطالي، والذي تَجَنَّسَ بالجنسية المصرية على يد القصبجي ومحمد عبد الوهاب، لتُوَظِّفَه بكل عناصره الفنية كلمةً ولحناً وأداءً وتَغَنَّتْ به في المساجد والزوايا!

إن علينا أن ننظر قريباً من حلب ومن حوالَيْ الشام لنعرف هُوَيَّةَ المرجعية الفنية التي صبغت إبداعات هذا الفنان بصبغتها؛ ولن تكون هذه المرجعية أبعد من الأطراف المحيطة بسورية!

– إتقان القفلات التي تنتهي إليها الْجُمَلُ اللحنية أداءً وصفاءً وتعبيراً؛ والقفلة  في الموسيقا العربية- تكاد تكون ذروةَ عناصر المتعة السماعية.

– أسلوب أداء الموال يَشِي بمهارة في السَّبْكِ، وإحسانٍ في التعامل مع الْمُدُود الصوتية حسب ما تقتضيه الضرورات التعبيرية والجمالية، وحِكْمَةٍ في تقدير مُدَدِ السكتات التي تُساهِمُ في إراحة سَمْعِ المستمع  من جهة- وتهييئه لِمَا يُؤَدَّى بَعْدُ  من جهة ثانية- ورَبْطِ خَيَالِه -من جهة ثالثة- بمضمون الكلمات .

الهوامش:

(1) كانت حلب إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين عاصمةَ الغناء العربي، لا يُعْتَرَفُ لِمُغَنٍّ بالمكانة الفنية إلاَّ إن أُجيزَ منها؛ وحلب إلى الآن هي عاصمة الموشحات؛ وإليها تُنْسَبُ “القدود الحلبية”. والقدود الحلبية عبارة عن كلمات جديدة تُلْبَسُ ألحانا معروفة. والقطعة منها تُسمَّى: “قَدّاً”، أي إنها نُسِجَتْ على “قَدّ” أيْ على “مِنْوَالِ” هذه القطعة أو تلك. ومن أمثلتها قطعة: “أيها العاشق مَعْنَى حُسْنِنا”، وقد أُلْبِسَت لحنَ موشح: “بالذي أسكر من عَرْفِ اللمى”.