إن وعي كثير من رجال الدعوة لا يتعدى الإسلام الفردي، فمن ثم تبدد جهودهم في محاربة المسلمين العائدين إلى ربهم المقصرين عن جهل في بعض أمرهم.

   وآخرون من رجال الدعوة تتنازعهم دواعي الغيرة على محارم الله المنتهكة ودواعي التقية والمسالمة.

   وآخرون لا يتضح أمام أعينهم سبيل الله ليسلكوه بجهاد منظم فتغطى عنهم الحقائق كلمات السياسة ومصطلحات العمل السياسي المشترك فيها بين أهل الإسلام وأهل الإلحاد والنفاق.

   الدعوة الفردية وظيفة ورثة الأنبياء، لكنها إن لم تفض إلى إنشاء جماعة المسلمين من بعد انحلال وإقامة الدولة الإسلامية على دعائم الحق والعدل لا تقتفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بنى رجالا مومنين وبنى جماعة ودولة.

   الدول المنصوبة على رأس الشعوب الإسلامية المتفرقة تناصب الدعاة عداوة وتبغيهم شرا، وبذلك تعمق الهوة التي تفصلها عن الشعوب المسلمة.

   حول السلطة تتنازع الأحزاب الزمنية وتتسابق لمقاعد الحكم “النخبة” المثقفة تتعاقب على كرسي التنفيذ أو تتأثله ميراثا دائما بجبر الحزب الواحد القومي.

   والإرادة الإسلامية مطرودة من الميدان متخلفة بقعود قادتها، دول تتحاور “النخبة” المثقفة فيها على مبادئ وضعية سموها ديمقراطية وتقديمة وقومية، وممثلوا الأمة بالحق الإلهي توجه إليهم يد البطش نكر البلاء وتسلط عليهم العذاب.

   فهل على الدعاة واجب غير تربية الأفراد، وكيف يقوم رجال الدعوة لأخذ حقهم السليب، أم كيف يثبتون وجودهم على الساحة ويفرضون الحل الإسلامي؟

   إن الأمر أكثر جدية من الاستمرار في المطالبة العاجزة والنوم على كلوم الإسلاميين، لو تآلف الدعاة حتى يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية لكان لهم شأن غير ما نرى، لو سلكوا منهاج السنة الكاملة بدل الخصومة على السنن والخلافيات لبلغوا ما بلغه إخوتهم بإيران.

   في إيران تفاقم الأمر بين الدولة والدعوة، وبلغت الهوة بين الحكام والمحكومين مدى سحيقا لما نشأ في ظل الحكم الفردي المتأله طبقة مترفة ابتزت الخيرات واستأثرت بالأرزاق واقتسمت أسلاب الشعب مع المستعمر المستغل، وكل حكم فردي سائر إلى تلك النهاية المنطقية.

   نهاية منطقية أن يخر بناء لا سند له ولا قاعدة لكن فعل الدعاة المنبعثين المصممين على الجهاد المؤهلين له بوحدة العزيمة والإيمان والفكر هو العنصر الحاسم.

   منذ طغت الدولة على الدعوة في عهود الملك العاض والملك الجبري وسخرت ديدان القراء ليغنوا أناشيد المجد عند أقدام الظالمين انمحت معالم النظام الإسلامي وشرعية الإسلام في الحكم عن بصر الشعوب الإسلامية، وزين التمويه الرسمي الواقع المفتون، فسار الناس بعضهم يموج في بعض على غير هدى والمصير تضخم الفتنة حتى يبلغ الظلم الطبقي والفساد الخلقي والتعسف السلطوي الحجم الانفجاري.

   في إيران بلغ الفساد مداه ولم يكن البديل هو العنصر المنظم الحي في كل بلادنا الإسلامية بحياة الكفر المبدئي وحياة المذهبية الشيوعية لأن الدعاة هناك توحدوا وضموا الصف ونهضوا نهضة الرجال.

   وفي المقال الرئيسي من هذا العدد نقرأ عن ذلك النداء الذي توحدت عليه كلمة إخواننا علماء إيران، نترك لصغار الأحلام الذين يؤججون في تبن الخلاف المذهبي البارد مهمة الأرضية السخيفة التي تحاول نقض بناء شامخ بالإنجازات الجهادية الفذة، ونتأمل مع الإمام الخميني لم وكيف يجب على الدعاة أن يؤدوا واجبهم في حمل رسالة الله ويبذلوا في سبيل ذلك النفس والنفيس.

   في إيران ترجع الأمور إلى نصابها بعد جهاد منظم مصمم أحيى الشعب وأيقظه ووعاه بالحق وهيمنته، بالعدل وسيلة للاستقرار، والموت في سبيل الله ثمنا لينتصر الحق والعدل.

   والدعوة مفتوحة قبل هذا ومعه وبعده لحكام المسلمين وعلماء المسلمين أن يسعى كل منه إن استطاع أن يعيد العلاقة بين الدعوة والدولة إلى وضعها الطبيعي قبل أن يفوت وقت الإصلاح الترميمي ويحل أوان القومة الإسلامية بعد القطيعة التامة، والأنظمة التي تدفع إلى القطيعة بإبادة الدعاة وإهانتهم إنما تحفز بظلفها والله غالب على أمره.

   أحس صانعو الرأي العام بهذا البلد لا ندري من أصحاب أي اتجاه أن هذه المجلة تزاحمهم وأن صوت الحق يجب أن يسكت ليعلو نداء الباطل، وهكذا اتصلوا هاتفيا بصاحب المطبعة وهددوه وزجروه وأسمعوه الشتائم والكلام الساقط ليكف عن طبع كلمتنا.

   أصوات من الظلام تعبر عن ارتفاع حمى البغضاء للإسلام في صدور الحانقين على الدين الكافرين بالله ورسوله والمنافقين.

   ثم أصوات أخرى من تحت ظلال الفكر العائم الذي غطته الدعايات القومية تطلب إلينا أن نصطنع موقفا ملاينا تجاه الأصنام القومية مثل أمثال العبد الخاسر، لهؤلاء نرجع الذكرى بما فعله بطل القومية بالمسلمين في مصر وما تفعله القومية اليوم بهم، ونطلب إليهم أن يقرأوا قليلا من شهادات المومنين المعذبين في سجون الطاغية القومي لعلهم يتمثلون بما لديهم من شعور إنساني مشترك بينهم وبيننا أية فظاعة كانت ترتكب في حق البشرية على يد من أخزاه الله خزيا لا مثيل له في تاريخنا أيام خامس حزيران وما بعده.

   لا تقرأوا تاريخ القومية الناصرية المكذوب وحده، لا أقل من أن تسمعوا أنين المومنين الذين فتنهم الطاغوت وعذبهم، وسواء شعرتم بالإهانة التي يشعر بها كل إنسان كريم تضامنا مع من لحقت بهم إهانة هتك الأعراض وتمزيق الإسلام، وتقتيل الذرية وتحريض الكلاب الجائعة أم لم تشعروا فإن موقفنا واضح لا غبار عليه، نحن مع الله ضد أعداء الله والله عز وجل يقول: “إن الذين فتنوا المومنين والمومنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق”.

   يبقى تقييمكم لمنجزات الناصرية، ولكم كامل الحرية أن تبقوا في حكمكم السطحي تحسبون جحجحة البطل الذي هزمته طليعة صهيون في ست ساعات طحنا وترفضون أن تروا الواقع كما هو، هذا الواقع هو أن السياسة “التقدمية” التي اتبعها بطلكم آلت بمصر والعالم العربي إلى ما نراه اليوم، لم تراجع خلفه حتى ركع تحت أقدام العدو؟ لم خربت مصر اقتصادها ومعنوياتها؟ نفس الشعب الذي أسكرته الدعاية القومية اللاعبة بالقيم الإسلامية حتى خرج للشارع بعد هزيمة حزيران هو الشعب الذي أذهلته الدعاية التراجعية حتى صدق أن الحل لمشاكله يكمن في إضافة المذلة إلى المجاعة، لكم الحرية في الاختيار أي بطليكم يمثل الفسولة وسوء التدبير والعدوان على الشعب ودينه.

   ثم إننا نعذركم عندما تعمى عنكم الأمور حتى لا تتبينون وجها للحقائق، ذلك أن صنع الرأي العام، خاصة بهذا البلد، تتولاه أيد صنيعة للثقافة الجاهلية، وأيد تنتمي للجهات الرسمية والحزبية، وآلاف مؤلفة من صحف الخواجات القوميين توزع كل أسبوع.

   وحظنا نحن الإسلاميين المسلمين وجهنا لله وحده لا شريك له لا نعبد صنما ولا نقدس وثنا صحيفتان محاصرتان هنا “النور” و”النصيحة”، ثم هذه المجلة المهددة السائرة بإذن الله إلى هدى ترسمه عناية الله في تصميمها أن نقف للحق بحيث نغيظ الكفار وبحيث نقول القول البليغ في أنفس المنافقين.

   أيها المومنون، إنكم بحاجة لجريدة يومية تتعهد كل صباح بذور الإيمان في قلوبكم، وتثبت لكم وجودا على صعيد الحياة السياسية، صحيفة “النور” أقدم صوت بهذا البلد، وهي بحاجة لأقلامكم حتى تستغني عن أقلام غير ملتزمة، بحاجة لدرهمكم حتى تحافظ على حريتها، محتاجة لتشجيعكم ولست أدري رأي صاحبها وإخوته، لكني أحس بانتماء طبيعي لكل حركة وكل جهد وكل كلمة تنطلق من لا إله إلا الله محمد رسول الله وتذب عن موكب الإيمان وتنشطه وتوسع له.

   وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.