الطريق إلى الحرية

ما هو السبيل إلى الحرية؟ سؤال قد لا يوافقنا بعض المنتسبين إلى النخبة على صياغته وبسطه، لما يعلمون من إيحاءاته ودلالاته البعيدة، ومقتضياته أيضا. ولما يتمتعون به ربما من امتيازات السلطة والثروة أو الجاه والنفوذ. قد يصفون مقالتنا هذه بالخروج عن الإجماع الذي ظل المغاربة ردحا طويلا متمسكين به مخافة الوقوع في اللبس، ومن ثم إلى ضياع الميزة التي ترفعنا بين الأمم، وتجعلنا نموذجا متميزا لمجتمع يحافظ على تماسكه رغم تفاوت الأرزاق أو تباين طرق الاستيلاء على الثروات! قد يدعونا البعض إلى الصمت المقدس، الذي يمتعنا بصك من صكوك الغفران، والبراءة لعلنا نفوز بالعفو الشامل، والرضا الكامل، فنكون أهلا للتمتع بحقوق الإنسان، وهي النعمة التي يتفضل بها علينا أهل السلطة منذ أن خلقنا في أحشاء أمهاتنا الأميات. ما هو السبيل إلى الحرية؟ ما هو السبيل إلى تحرير أنفسنا من أوهام صنعتها نخبة من المتغربين، الذين تتلمذوا على المستعمر السيد فأجاز لهم حكمنا بالوكالة؟ ما هو سبيل الانعتاق من خرافات ظلت الأحزاب السياسية تروجها زمنا غير يسير لتقنعنا بالتحول المرتقب كلما حل موسم من مواسم الربيع الانتخابية؟ ما هو سبيل الخروج عن العبودية لغير الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد؟ إن للحرية سبيلا متميزا جدير بكل مجاهد أن يعرفه ويسلكه، وإن لها ثمنا حري بكل قاصد أن يقدمه. سبيل الحرية يمر بالعلم أولا بما هي الحرية الكاملة لكيلا تغزونا الأفكار الهدامة المضللة، وتزيغ بنا الكلمات المعسولة لكل ناعق عليم اللسان. وما أكثر هؤلاء في كل منعطف تاريخي حاسم! الحرية الكاملة عقلا وشرعا وطبعا هي مطلوب الشعب المنغمس غالبا في هموم الكد والسعي. وهي مقصد أهل الدعوة المجتهدين لإخراج قومنا من الاستعباد الذي فرض عليهم دون أن يسعوا إليه. وهي مرمى العمل الإسلامي القائم إلى تحكيم الدين، كل الدين في الحياة الخاصة والعامة. في السياسة والثقافة. في التربية والعلوم. في الفنون والآداب. في شؤون الفرد وقضايا المجتمع. الحرية الكاملة، دون تجزيء، هي ما نريده اليوم قبل الغد حتى لا يطلب منا  معشر المغاربة  أن نوقع على كل ما قيل، ونصدق كل من أخبر. الحرية المنعم بها على الإنسان ما دام إنسانا، هي التي تريد جماعة العدل والإحسان أن تشيدها في حياة الناس، وتؤسس لها ما يحميها من قيم وحوافز وقوانين. وكذا يريد أهل المروءة الذين تملأ أنفسهم كراهية الظلم والعسف والاستكبار، وهي مفردات الحياة اليومية للمواطن، وإن كان من الناس اليوم من يقرن حال الأمس باليوم ليخرج إلينا بتفاهات من الاستنتاج والاستخلاص: “إننا في حالة سياسية أقرب إلى دولة الحق والقانون”. ثم لا يخبرنا هذا الزاعم عن المدى الذي يستوجب علينا أن نقطعه لتنفرج الكرب، وتعاد المسلوبات إلى أصحابها، وتمنح الحقوق إلى ذويها، ويمتع المواطنون بسلامة الأبدان والأعراض.. لا يخبرنا هذا المتخرص عن الوقت الذي ننتظر فيه أن يصدق الدجالون، ويتوب العرافون، ويتحرى الصواب المنافقون. ولا يريد أن يخبرنا! و لا يكفي أن تتماثل الصورة المعرفية للحرية أمام الأذهان حتى نعلم  نحن معشر الباحثين عن الحياة الكريمة  الثمن الذي ينتظرنا في منعرجات الطريق الصاعدة. ثمن الحرية هو تخطي العقبات التي يبثها أعداء هذا الشعب في كل موقع ومجال، ومصارعة الوهم والتزييف والافتراء الذي يقذفه أعداء الإسلام الحق في وجه كل داع إلى الوحدة والتكافل والتناصر ضد البغي والاستكبار. ثمن الحرية هو الصبر على المحجة اللاحبة، على الطريق الصاعدة الشاقة التي تتراءى أمام أنظار المتطلعين إلى حياة كريمة طاهرة تتهاوى فيها إيديولوجيات الاستبداد والتغريب والشعوذة، وتتعالى فيها صروح العبودية لله القوي العزيز، والإقرار بحاكمية الشريعة التي اغتصب المفسدون حقها في الوجود، والتدبير الحي لمفردات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمسلمين. ثمن الحرية هو الصبر والمصابرة والإيثار والتعاون على ما دق وجل في حياة الناس. والصابرون يوفون أجرهم بغير حساب. إنهم أولائك الذين ينسون مطالبهم حينما يتداعى الناس إلى جمع كل ما يستطيعون. إنهم أولائك المستبشرون بما عند الله، لأن فضل الله خير مما يجمعون. ثمن الحرية هو أن يتراجع المجاهدون ويفسحوا الطريق للمحرومين والمحتاجين والمظلومين. وكل أفراد الأمة أخذوا من الحرمان أوفر الحظوظ. ولكن هل تدرك الأحزاب السياسية والمكونات “النخبوية” مدى فداحة ما ينتظرها غدا، حينما تشرق شمس التحرر والتنوير، ويتهالك الباطل وأبناؤه، ويتسامى الحق وأنصاره؟ أيرون هول الاحتقار الذي يصبه الناس عليهم صبا في صبح قريب؟ ألا يكفيهم تخيل الحالة التي تتلبس بهم، وأمواج الكراهية والنبذ تتقاذفهم من ضفة إلى أخرى؟ لم لا يرتدوا منذ الآن إلى مصالحة حقيقية مع ذواتهم أولا، ثم مع شعبهم الذي افتقد فيهم الناصح الأمين والقائد الحدب؟ لعل الأعين التي غشيها الظلم والخوف، لا تستطيع أن ترى حجم التردي والإفلاس في عالم اليوم والغد، ولا أن تقدر فظاعة المفارقات التي تقتل الحياة في المدارس والجامعات والمنتديات والمؤسسات… لا يتأتى لتلك الأعين أن تبصر النور، ولا للآذان الصماء أن تسمع أنين الضعفاء والمظلومين، وهم الكثرة الغالبة في تعداد العباد، والسحابة الباكية الممطرة في سماء البلاد. لا يتأتى لها أن تفهم شتائم الناس وسخطهم المتجلي في كل وقت وحين. في شوارع البطالة والمخدرات. في ساحة الاحتجاجات والإضرابات. في فناء المعامل والشركات. في أسواق الأمية والجهالات. في تخلف الأعمال والمقاولات. في تأخر المصالح والحاجات. إن التحرير الكامل لطاقات الأمة وثرواتها وعقولها من أيدي القادة المرجفين والتجار المسرفين، لهو التحرير الفعلي الذي يقطع مع أسباب التبعية الاقتصادية، والمسخ الثقافي، والضعف السياسي، ويؤهلنا جميعا لخدمة الرسالة العظمى التي بعث بها الأنبياء والمرسلون، وهي رسالة توجيه الناس إلى خالقهم ورازقهم الذي ابتعثهم إلى الحياة أحرارا، فظلم الناس، وتجبر الناس، وقهروا واستكبروا. التحرير الكامل الشامل لا يستثني التربية والتعليم وهما مطية التغريب اليوم. هما منفذ الاستتباع والاستلحاق بمركز العولمة المستكبر الناهب لخيرات البلاد والعباد. التحرير النموذج لا يستثني بناء الاقتصاد القوي الناجح الذي يكفل لنا أمننا الغذائي والصحي، ويفتح الطريق إلى البحث العلمي وامتلاك التكنولوجيا المعاصرة في أصنافها المتباينة ومجالاتها المتنوعة. التحرير النموذج لا يقصي النسيج الاجتماعي متكامل الوظائف الذي ينبض بمعاني الرحمة والرفق والمحبة، ويتباذل ويتآلف، ويؤسس كل ذلك على أرضية العدل والنَّصفة لا على خداع النهب والظلم.