1- المفهوم والأهداف والخصائص

عمر احرشان

لا يفتأ العديد من المسلمين، عامة ونخبا، علماء وخطباء ووعاظا، يؤكدون على ضرورة التربية، وعلى أنها المفتاح لإصلاح الإنسان والمجتمع.

ثم ما يلبث التباين والاختلاف يلقي بظلاله على تحليلاتهم ورؤاهم حول ماهية هذه التربية ومضمونها وأهدافها وأساليبها، مما ينعكس على عامة الناس فيشكل أذواقا مختلفة، وأفهاما متباينة، وأولويات متناقضة أحيانا.

مفهوم التربية

إنه نقاش مصيري على نتائجه يتوقف مصير الفرد والمجتمع، وطبيعة الإنسان الذي ننشده، والمجتمع الذي نرغب فيه.

التربية تنمية وزيادة وتطوير وإصلاح وتقويم، ولذلك فهي تتوجه إلى الإنسان قاصدة النمو به إلى أعلى درجات الكمال البشري، ليكون صالحا في نفسه مصلحا لما حوله، وكاملا في ذاته مكملا لغيره، ومستفيدا ومفيدا.

والتربية الناجحة هي التي تستهدف الإنسان في كليته، مستحضرة طبيعته وتركيبته، حريصة على التوازن في ذلك حتى لا يغلب جانب على آخر، فيمسخ هذا الإنسان ويشوه، ويبعد عن الفطرة.

من الناس من يختزل التربية في تثقيف الذهن بأفكار ومعلومات وتصورات. وهذا جانب مهم ولكنه لا يكفي، والاقتصار عليه يفرز إنسانا غير مؤهل لحمل الأمانة التي استخلفه الله عليها.

ومن الناس من يختزل التربية في دروس في الأخلاق وكفى، وكأنها كفيلة وحدها بتحليته بكل ما هو حسن منها وتخليته من كل ما هو قبيح.

ومنهم من يختزل التربية في إكساب الإنسان مهارات تقوي أداءه وترفع مردوديته، وهذا مهم لأنه يجعل هذا الإنسان فاعلا ولكنه لا يكفي.

وهناك طروحات ورؤى عديدة قاسمها المشترك اختزال زاوية النظر لهذا الإنسان في مجال معين.

عن أي تربية نتحدث؟

إنما تؤتي التربية أكلها إذا توجهت إلى هذا الإنسان في كليته، مستحضرة تركيبته المتنوعة، قاصدة تنميته وتقويمه في كل المجالات، حريصة على تمتيعه بمجموع طيب يؤهله لحمل الأمانة وتبليغ الرسالة وتحقيق الغاية التي من أجلها وجد في هذه الأرض “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات 56).

ولأن قابليات الناس تتفاوت وميولاتهم تتباين فلا نتصور أنه باستعمال نفس الأساليب والوسائل والمناهج يمكن أن تنتج هذه التربية نماذج متماثلة كما هو الحال فيما يخص البضائع، كما لا نتصور أن تخرج رجالا متماثلين من حيث الكفاءة في كل المجالات، أو في أعلى الدرجات في كل الجوانب، فالناس تتفاوت من حيث الاستعداد والقابلية التي أودعها الله عز وجل في فطرة كل واحد منهم، كما يتفاوتون في القدرة على الكسب تعلما وعملا وإبداعا.

لذلك نتحدث عن المجموع، ولذلك كان جيل الصحابة يتحدثون عن المجموع لتفضيل هذا على ذاك رغم ما يمكن أن يتميز به واحد عن آخر في جانب معين أو مجال محدد. روى الترمذي وابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرأهم لكتاب الله أُبي، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ. ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح”. رضي الله عن الصحابة أجمعين.

بدون هذا لن تكون هناك تربية، أو بالأحرى لن نبني على أساس صلب.

التربية تغيير باطني لنفس الإنسان، وجهاد للنفس حتى تتخلى عن الركون إلى الدنيا وملذاتها، وتشتاق إلى معالي الأمور: الفوز برضى الله والظفر بالنظر إلى وجهه الكريم.

ليست التربية ركونا إلى الانزواء، أو دعوة إلى الدروشة، ولكنها تزكية وتطهير، وتنمية وتنشئة على شعب الإيمان، الشاملة لكل المجالات والجوانب وهي بضع وسبعون، حتى يرتقي العبد إلى سلك الذين آمنوا المخاطبين في القرآن والمعنيين بزواجره وأوامره.

ليست التربية تثقيفا للفكر ولا تدريبا عن أعمال مقطوعة عن الوحي والسنة، بل هي إرادة للانجماع على الله عز وجل عبادة وعبودية وتوكلا ومراقبة ومحبة، حتى يضمن العبد الاستواء على الصراط المستقيم صراط المنعم عليهم في الدنيا بالتمكين في الأرض، وفي الآخرة بالسعادة الأبدية: الفوز بالله عند لقاء الله.

التربية هي التي تودع في القلب إيمانا ويقينا وتصديقا بوعد الله وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي العقل حكمة وسدادا وفهما عن الله، وفي الجوارح صلابة وقوة ورحمة بخلق الله ومخلوقاته.

تربية متكاملة ومجالاتها متداخلة، همها الأسمى انجماع العبد على الله، حتى يصير همه الله، وكل هم تفرع عن ذلك خدمةٌ لهذا الهدف الأسمى: القرب من الله عز وجل.

عن هذه التربية نتحدث، وهي التي ننشد، وهي التي نحتاج.

لماذا هذه التربية؟

لا فائدة من تربية لا ترفع همة العبد لطلب المعالي والارتقاء عن السفاسف، ولا جدوى من تربية لا تخرج العبد من ظلام الغفلة عن الله إلى عالم اليقظة، ومن الشتات إلى الانجماع، ومن زمن اللهو والعادة إلى زمن العبادة والجهاد، فيكون لله وبالله ومع الله.لا إله إلا الله محمد رسول الله.

هدف التربية الارتقاء بالإنسان إلى أعلى درجات الكمال. وهي ما عبر عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإحسان. وهو أعلى مقامات الدين.

الإحسان ورد في القرآن والسنة بمعاني عديدة نوجزها في:

1- المعنى العبادي: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

استحضار دائم لله، ومراقبة دائمة لله، وإخلاص دائم، وصدق دائم.

2- المعنى المعاملاتي: البر بخلق الله ومخلوقاته، كالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والمسلمين وسائر الخلق أجمعين.

يقول الله عز وجل: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ (البقرة 83) وقال كذلك “وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) (النساء 36).

3- المعنى العملي: الإتقان، أي إحسان العمل وإتقانه وإصلاحه. فقد روى البيهقي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” وفي حديث مسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء”.

ومجموع هذه المعاني تعطينا مواصفات المومن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله وعمله، والوصف المرغوب لعلاقته بربه وبالناس وبالأشياء. يجمع علم الخشية وخلق الرحمة وناصية الحكمة. هذا هو الهدف من التربية.

سيكون منحرفا عن القصد، والقصد الله، من اقتصر على مجال دون آخر، ومن حاز جانبا وفرط في آخر أو قصر فيه، وستكون التربية ناقصة إن لم تكن متوازنة متوجهة بتواز إلى كل هذه المجالات.

خصائص التربية

درج المصنفون التبسيطيون على إلحاق كل من تحدث عن التربية وأولويتها والتزكية وضرورتها والإحسان وأهميته بالدراويش أو الصوفية أو الطرقية. وهذا فهم تسطيحي للإسلام، وتحريف لحقيقته بما هو تمام الاستسلام لله عز وجل.

كيف يدعي أحد الانتساب إلى الدعاة إلى الله عز وجل وقلبه فارغ من حب الله، ولسانه عاجز عن ذكر الله؟ وجوارحه تتحرك في غفلة عن الله؟ كيف يأمر بالمعروف من لا يأتمر به؟ وكيف يغير المنكر من في قلبه منكر النفاق والعجب والرياء؟

التربية أساس العمل وقاعدته وقوامه إن كانت متوازنة تشمل كل الإنسان، عقله وقلبه وجوارحه، لا تغلب جانبا على آخر، ولكنها شاملة عميقة قلبية نفسية ربانية قبل كل شيء، ثم فكرية عضلية تنظيمية بعد ذلك.

تربية تدفع لعدم الهروب من الميدان تفرغا للتقوى والعبادة لأنها لا تفصل خلاص الفرد عن خلاص الأمة.

تربية متوازنة تتدرج بالإنسان في مقامات الدين حتى يصبح من المحسنين.

تربية مستقبلية تهيء الإنسان للمستقبل ليكون من صانعي غد أمته.

تربية مستمرة غير محددة في الزمان والمكان، ولكنها دائمة، قبل وأثناء وبعد، أولا ووسطا وآخرا. لا يفرغ الإنسان من تزكية نفسه وتقويمها وتهذيبها حتى لا يغره بالله الغرور.

تربية فاعلة غايتها إيجاد فاعل مؤثر في من حوله وليس منزويا بعيدا عن هموم أمته.

تربية تكون ثمارها استقامة على أمر الله، ومراقبة دائمة لله، وأخلاق حسنة ترضي الله، ومجاهدة وجهاد في سبيل الله، ودعوة إلى الله، وتهمم بمصير خلق الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، والخلق عيال الله.

تربية ترسخ في الإنسان أن القصد هو الله، وأن الوجهة هي الله، وأن المآل إلى الله، وأن كل شيء فان إلا الله، وأن الفلاح في اتباع شرع الله والاستجابة لنداء الله واقتحام العقبة إليه. لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهي مسك الختام.

كيف تتحقق هذه التربية؟ ما هي شروطها؟ ما السبيل إليها؟ من أين تبدأ؟.

نتحدث عن هذا في موضوع لاحق إن شاء الله.